الاستشراف الاستراتيجي لصراعات المستقبل

كتب بواسطة دينا البرديني

 إيمانويل شيفا: “بكتّاب الخيال العالمي، سنبتكر طرقاً جديدة للتفكير”[1]

تم إقرار مبادرة “الفريق الأحمر” في صيف 2019 من قِبل وكالة الابتكار الدفاعي في فرنسا (AID) مع أركان القوات المسلحة (EMA) والمديرية العامة للتسليح (DGA) والمديرية العامة للعلاقات الدولية والاستراتيجية (DGRIS) كونه جزء من وثيقة توجيه الابتكار الدفاعي. مهمة الفريق الأحمر طموحة وتتكون من مؤلفين وكتاب خيال علمي يعملون عن كثب مع خبراء علميين وعسكريين، وتهدف إلى تخيل التهديدات التي يمكن أن تعرض فرنسا ومصالحها للخطر بطريقة مباشر.. بصورة أكثر دقة، يسعى الفريق إلى توقع الجوانب التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمستقبل والتي يمكن أن تولد إمكانية للصراع  بين عامي 2030 و 2060، كما يجمع الفريق ما بين المعرفة العسكرية، البحث العلمي متعدد التخصصات، الخيال العلمي والفنون. ويُعدّ إيمانويل شيفا، مدير وكالة الابتكار الدفاعي (AID)، رائداً في مطالبة ودعوة الفنانين -وخاصة كتّاب الخيال العلمي- إلى التأمل في مستقبل الصراعات والحروب. من خلال الحوار التالي، نلقي نظرة على أحدث سيناريوهات الفريق التخيلية- على الأقل تلك التي لا تخضع للسرية، كما يعبر شيفا عن رغبته في حث كُتاب الخيال العلمي على العمل على صراعات المستقبل.

المحاور: Jean Guisnel

الناشر: مجلة le Point  الفرنسية

تاريخ النشر: 7/2021

ترجمة: دينا البرديني

لطالما كانت الجيوش من أكبر المستهلكين المحتملين للاستشراف الاستراتيجي، ولكن نجدك تتعامل -من خلال وكالة الابتكار الإبداعي- مع الموضوع بشكل مبتكر، وذلك عن طريق توجيه نداء للفنانين، فلماذا؟

قد يكون النهج بالفعل مفاجئاً، ولكن هذا تحديداً ما نسعى إليه: أن نعالج الأسئلة المرتقبة لوزارة القوات المسلحة بشكل مغاير عما كان يتم ممارسته في الماضي. ويتضمن ذلك دراسة “أفق عسكري متوقع”- ربما في 2030 أو 2040. حتى وإن عرفنا كيف نحقق ذلك بشكل جيد وفقاً لتحليلات جيوسياسية، يصبح الأمر أكثر تعقيداً إذا ما طرحنا سؤالاً حول ما سيحدث في المستقبل البعيد: في 2060 أو 2080.

الأجوبة التي سنحصل عليها عندئذ ستكون موجهة بشكل كبير من خلال ثقافة ومنظور المهندسين المدنيين والعسكريين، ومن خلال طاقم العمليات أنفسهم. لتجنب هذا التحيز، أرى أن محاولة جذب الفنانين ضرورية. كل المجالات لها أهميتها: الأدب بصفة عامة، الرسم أو حتى فن الطهو، ولكن لكُتاب الخيال العلمي أهمية خاصة، فهم غير منصاعين لطرق التفكير الكلاسيكية، يقول إسحق أزيموف/ Isaac Asimov: “هم يعرفون كيف  يتخيلون الطرق التي يستجيب بها البشر لتقدم العلوم والتكنولوجيا”. نحن نحاول أن نتخيل الشكل الذي ستغدو عليه مجتمعاتنا بحلول عام 2060، وبالتبعية التهديدات التي يمكن أن تفاجئنا والتي ستؤثر على تلك المجتمعات بشكل كبير.

في عام 1930 لم نكن لنتخيل ما سيضحى عليه العالم بحلول العام 1950، أيضاً من كان ليتخيل عالم 2020 في عام 1990؟

يمكننا أن نجد إجابات جزئية لتلك الأسئلة في الخيال العالمي. فقد تمكن روبرت هاينلين /Robert Heinlein من تخيل تطور الأسلحة النووية منذ بداية الحرب. ففي عام 1940، ومن خلال روايته Blow-ups Happen[2] ، وكذلك في العام التالي من خلال روايته Unsatisfying Solutions، تناول هاينلين قضية الردع النووي بدقة شديدة أثارت انتباه باحثي مشروع مانهاتن/Manhattan Project[3]. في عالمنا المعاصر المشبع بالعلم والتكنولوجيا دائماً ما نصطدم بجدار الخيال، مما يعيقنا عن التفكير فيما وراء أفقنا المعتاد. أدعوك إلى القيام بتجربة بسيطة: اسأل المارين في الشارع كيف سيغدو عالمنا بحلول عام 2060، سيجيبونك “الذكاء الاصطناعي” و”السيارات الطائرة”، وهي أشياء موجودة بالفعل في عالمنا المعاصر.

من هم كُتاب الخيال العلمي الذين يثيرون اهتمامك؟

أريد أن نضع في اعتبارنا كافة أنواع الخيال العلمي. ابتكر ويليام جيبسون/William Gibson، مؤلف رواية Neuromance  (1984) ،  أدب السايبربانك [4]، ويمكننا أن نجد بعض من علاماته في مجتمعنا المعاصر، ويتضمن ذلك الشرائح المزروعة والتقنيات الحديثة للتحكم عن بعد. ذلك الواقع الحديث كان موجوداً في الخيال العلمي لعقود. يمكننا أن نجد عالماً جديراً بالاهتمام في المسلسل الرائع المراية السوداء/Black Mirror لتشارلي بروكر/Charlie Brooker (من إنتاج نتفليكس 2011)

كيف قمت باختيار موظفي الفريق الأحمر؟

قمنا بإطلاق دعوة لكل مبدعي الخيال العلمي من أجل أن نعرف من منهم مهتم بمشروعنا. يوجد في ذلك المحيط كُتاب ومصممون ومخرجون وعلماء (علماء اجتماع وغيرهم). من الكُتاب، يثير اهتمامنا هؤلاء المعنيين بالإثارة التقنية/ Technothrillers  [5] من أمثال توم كلانسي /Tom Clancy، وذلك على الرغم من عدم إنتمائهم إلى فئة الخيال العلمي بالمعنى الدقيق للكلمة. لدينا أيضًا متخصصين في “أوبرا الفضاء” [6] وآخرين يبحرون في مجال العلوم الصعبة [7] وآخرين عاكفين على إعادة كتابة التاريخ بصورة خيالية (على سيل المثال، في رواية “موت بونابارت/ La morte de Napoleon”  (1988) ، يتخيل سيمونز ليز/Simons Leys أن الإمبراطور المهزوم قد هرب من القديسة هيلينا أو من عالم فاسد). تلقينا حوالي 600 ردًا منذ أن أطلقنا تلك الدعوة.

كيف سيتم تنظيم ذلك الإقبال؟

لا جدوى من السعي إلى جمع كل هؤلاء المبدعين في غرفة واحدة وانتظار نتيجة مثمرة. لذلك قمنا بشن دعوة لإنشاء مشروعات تقوم بدور الوسيط لتنظيم عملية إنتاج شخصيات مختلفة وغير مألوفة. علينا أن نعي أن المؤلف يعمل بمفرده وأننا نطلب منهم هنا إنجاز عمل جماعي. وقع اختيارنا على جامعة باريس للعلوم والآداب / L’université Paris Sciences et Lettres  لقيادة هذه المهمة، فهي الأجدر على جعل الباحثين يعملون معاً بمنهجية علمية. هدفي: اكتشاف الحالمين ذوي الرؤى.

ألا يوجد منهم في عالم الدفاع؟

بالفعل، يوجد منهم. ولكنني أرى أنه علينا البحث في محيط أبعد من ذلك الذي نتواجد. أثق أنه إذا قمنا بسؤال الجنود ومهندسي الأسلحة حول إمكانية ابتكارهم مشروعات استشرافية في مجالات الزراعة أو التعليم، فحتماً سيكونون قادرين على ابتكار أشياء لم يتوصل إليها أحد من قبل! ولكن إذا سألتهم كيف سيكون شكل الدبابة بحلول عام 2070، فسيجيبونك أنها ربما ستعمل بالهيدروجين وأنها ستتضمن سلاحاً ليزرياً أو كهرومغناطيسياً وستغطيها طبقة لامرئية، ولكنها تظل دبابة! في حين أنه من غير المستبعد أن يكون لدينا كائن شبه حي قادر على تجميع عناصر متناثرة في تكوين قادر على مواجهة أي تهديد. لا أتوقع أن يكون النهج الذي نسلكه سيء للغاية إذ أن المسئولين القائمين على إنشاء وكالة الابتكار الصحي ووكالة ابتكار النقل قد حضروا بالفعل لزيارتنا.

ما هو المطلب الأساسي الذي طلبته من مؤلفيك؟

عكف المؤلفون، من “الموسم صفر” على وضع سيناريوهات مبتكرة واضعين في الاعتبار موضوعات مثل الهجرات المناخية، استخدام الغرسات العصبية…إلخ. طلبنا منهم تخيل المجتمع المستقبلي وكذلك التهديدات التي يمكن أن تقابله والتي لا نعلم عنها شيء بعد. ماذا سيحدث للطيران- على سبيل المثال- إذا ما وقع حدث ما يمنع تحليق الطائرات، أنها حقًا طريقة تفكير مدمرة. أحب أن أشير إلى أننا لا نستبدل طرق الاستشراف التقليدية المعمول بها بالفعل، ولكننا نضيف عليها طرقاً جديدة للتفكير.

هل الطاقم العسكري وطاقم العمليات مهتمون بعملك؟

دعنا نتحدث بصراحة: في البداية، أثناء عرض المشروع، أبدت الأغلبية تشككها. فعندما يعتاد المرء على تصميم نظام القتال الجوي في المستقبل، يشعر منطقيًا بأنه لا يوجد درس يمكن تعلمه من كاتب خيال علمي، لذا كان لزاماً علينا حملهم على الالتزام بالمشروع. هم اليوم يتدافعون ليكونوا جزءاً من الفريق الأزرق[8]، الفريق المقابل للفريق الأحمر. كما يساعدون المؤلفين على عدم الانجراف في اتجاهات لا تهمنا كثيراً، حتى يظلوا في “دائرة المعقولية”. وعندما يعكف المؤلفون على موضوع، مثل قرصنة المستقبل، على سبيل المثال، يتم قبوله بحماس واضح. يتم الآن متابعة عمل الفريق الأحمر على أعلى المستويات، من قِبل رئيس أركان الدفاع ورؤساء الأركان وكذلك مديري الإدارة في الوزارة.


[1]  رابط الموضوع الأصلي

https://www.lepoint.fr/editos-du-point/jean-guisnel/prospective-strategique-les-auteurs-de-sf-ne-sont-pas-infeodes-aux-manieres-classiques-de-reflechir-14-07-2021-2435487_53.php#xtmc=emmanuel-chiva&xtnp=1&xtcr=1

[2] “Blowups Happen” هي قصة قصيرة من الخيال العلمي كتبها الكاتب الأمريكي روبرت أ. هاينلين عام 1940. وهي واحدة من قصتين -الأخرى -Unsatisfying Solution توقع فيهما Heinlein، فقط باستخدام المعرفة العامة بالانشطار النووي، التطور الفعلي للتكنولوجيا النووية بعد بضع سنوات

[3] مشروع مانهاتن هو الاسم الرمزي للجهود التي قادتها الولايات المتحدة لتطوير سلاح نووي وظيفي خلال الحرب العالمية الثانية.

[4]  السايبربانك هو نوع من الخيال العلمي يدور حول الخوف من أن العالم قد يُدار في النهاية بواسطة أجهزة الكمبيوتر فقط.

[5] الإثارة التقنية/Technothrillers هو نوع هجين من الخيال العلمي، أفلام الإثارة، روايات الجاسوسية، و روايات الحرب. و يتضمن قدرًا غير متناسب (بالنسبة للأنواع الأخرى) من التفاصيل الفنية.

[6]أوبرا الفضاء: نوع فرعي من الخيال العلمي يركز على حرب الفضاء

[7] العلوم الصعبة هي العلوم التي تستكشف أعمال العالم الطبيعي و تسمى أيضا العلوم الطبيعية. وتشمل الكيمياء، الفيزياء، الأحياء، الجيولوجيا وعلوم الفلك.

[8]  هنالك نوعين من الفِرق في عالم الأمن السيبراني، وهم الفريق الاحمر red team والفريق الازرق blue team. الفريق الاحمر هو فريق هجومي بامتياز ، أما الفريق الأزرق فهو مسئول عن الجانب الدفاعي في المقام الأول.

العدد الأخير العدد التاسع والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

دينا البرديني