البرانك “prank”ثقافة هجينة سليلة مواقع التواصل الاجتماعي

كتب بواسطة عبد الصمد زهور

انتشرت ثقافة البرانك بشكل كبير جدا في الآونة الأخيرة على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، ومن المعلوم أن هذه الكلمة أقحمت في اللغة العربية ملفوظة على هذا النحو، والأصل فيها الكلمة الانجليزية prank التي تعني مقلب، وعليه يكون المقصود بسيادة ثقافة البرانك سيادة ثقافة المقالب والخدع، غير أن ما يميز هذه الخدع هي أنها خدع مصورة، بحيث تقدم نفسها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي للمشاهدين على شكل فيديوهات قصيرة: فما هي الأسباب الثاوية وراء سيادة هذا النمط من الثقافة؟ ما هي تمظهراته؟ وهل تستحق هذه الثقافة أن تكون موضوع متابعة على النحو المشهود اليوم؟

المال إبليس العالم الرقمي
لا يمكن قراءة سيادة ثقافة البرانك بمعزل عن سيادة أنماط أخرى من الثقافة الرقمية المصورة والهجينة من قبيل روتيني اليومي والكاميرا الخفية وغيرها من الظواهر التي ترعرعت في أوساط يسود فيها الفقر، ويتطلع الفاعلون فيها إلى الخروج من قبضته حتى لو كان ذلك على حساب القواعد الأخلاقية والأعراف التي تميز كل مجتمع عن غيره، فقراءة المحتوى الرقمي العربي المرتبط بثقافة البرانك يكشف بشكل واضح عن الفراغ الأخلاقي الذي أصبحت تعيشه المجتمعات العربية، خصوصا في ظل عولمة القيم التي تفرض على المجتمعات المتخلفة تقليد غيرها، فالمغلوب مولع بتقليد الغالب كما عبّر عن ذلك منذ أمد بعيد ابن خلدون، علما أن المغلوب هنا مغلوب ماديا واقتصاديا وسياسيا وتقنيا، بمعنى أنه جاهز سيكولوجيا لكي يحمل لواء أي ثقافة حتى لو كانت ستقوده إلى جحيم مؤجل، فلا شيء يتقدم مالا معجلا، وهنا نعود لإيضاح علاقة المال بسيادة ثقافة البرانك، فنقول أن التعويض المادي على نسب المشاهدة، كان عاملا حاسما في الانتشار الواسع لهذه الثقافة خصوصا في فئة الشباب والنساء، وهي التي يسمها إدغار موران بالقوى البربرية من ناحية الاستعداد للتخلي على الثقافة الحقيقية، في ظل أوضاعها المادية المحكومة بالقمع والحرمان، فثقافة البرانك قدمت نفسها للشباب كسبيل للكسب خاصيته أنه منسجم مع ذهنية فارغة تتفاعل بطريقة إيجابية جدا مع عوالم الموضة والاستهلاك من جهة، وهي أكثر عنفا وجنسانية من جهة أخرى.

العنف والكوميديا البرانكية
لا تخرج محتويات البرانك خصوصا في صيغته العربية عن ثنائية العنف والكوميديا، معنى ذلك أن البرانك في صيغته العربية هو ما دون درجة التعقل التي تتطلب نوعا من الجدية ومحاولة تأسيس لحياة خالية من العنف، مرد ذلك لكون العنصر الديمغرافي الفاعل في انتشار هذه الثقافة هم الشباب، فهم المسيطرون بشكل فعلي على المحتوى الرقمي نظرا لسلاسة تفاعلهم معه، وهنا من المهم أن نشير إلى أن الراشدين من الناس صاروا تبعا للشباب في ما يتعلق بالتكنولوجيا الإلكترونية، في الوقت الذي يبقى فيه الشباب تابعون للراشدين فيما يتعلق بالتكنولوجيا المكيانيكية، لذلك لا عجب أن نجد الابن يعلم أباه كيفية التعامل مع الهاتف، في الوقت الذي نجد الأب يعلم ابنه كيفية التعامل مع السيارة، في أفق أن يهيمن الشباب بشكل كلي على العالم التكنولوجي في ظل التجديد الرقمي الذي تعرفه الصناعات الميكانيكية نفسها.
من الصعب إذن إفراغ البرانك من محتواه العنيف والكوميدي لأن هذا المحتوى متلائم جدا مع طبيعة الفئة العمرية الفاعلة في إنتاجه وتوزيعه على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، لذلك فانتشار ثقافة البرانك ينذر بإمكانية تصحر العالم الإنساني عبر إفراغه من مختلف القواعد الأخلاقية والإنسانية التي تهذب السلوك الإنساني، لذلك لا عجب أن نجد أن منسوب العنف والتفاهة في المؤسسات التعليمية في الأوطان العربية في تزايد لا يبشر بخير، وهو ما تم التنديد به في ملتقيات فكرية وبيداغوجية متنوعة.

البرانك والإيحاء الجنسي
لا ينفصل سوِّق له بخصوص علاقة البرانك في الوطن العربي بالمال والعنف والكوميديا عن الإيحاء الجنسي، بل إن هذا الأخير يمكن أن يختصر كل شيء، فكل ما يتم تداوله يعكس هوسا جنسيا قويا، وهنا يمكن أن نرجع أسباب ذلك إلى أن الجنس ما يزال تابوها من التابوهات التي تلفت الأنظار وتستقطب المشاهدين، فالممنوع مرغوب دوما، ولهذا فنسب المشاهدة والمتابعة ترتفع كلما كان المحتوى المنشور ذا نزعة جنسانية، وهو ما يجعل العارضين يحصلون على أرباح مادية من السوق الرقمية، وهم في ذلك لا ينفصلون كثيرا عن ثقافة الإشهار السائدة في الاقتصاد الرأسمالي الليبدي داخل المجتمع الاستهلاكي بلغة كل من بودريار وليوطار، كما لا ينفصلون عن الشكل التقليدي الما قبل رقمي لاعتماد الإيحاء الجنسي في كسب المال سواء ضمن الملاهي أو من خلال امتهان بعض المهن الجنسانية المخلة بالحياء، غير أن الفارق الذي ترسمه ثقافة البرانك هو اتساع رقعة الانتشار وتعدد الفاعلون حتى أولئك الذين ينحدرون من أسر متدينة.

البرانك وتوجيه الصغار للكبار
قوة التأثير الذي تمارسه مواقع التواصل الاجتماعي وهيمنة الشباب على هذه المواقع جعل الثقافة السائدة ثقافة شبابية بامتياز، مع العلم أن هذه الثقافة لا تنفصل عن ما قيل بخصوص المال والجنس والكوميديا والعنف، وهو ما ينذر بإمكانية جعل الثقافة الرقمية بصفة عامة ثقافة شبابية، يظهر ذلك بوضوح من خلال الانخراط القوي الملحوظ لعدد كبير من المحسوبين على فئة الراشدين أو كبار السن في رسم ملامح الثقافة البرانكية بتوجيه من الصغار، بل إن هؤلاء الصغار قد يجعلون من الكبار أضحوكة بتواطؤ معهم من أجل كسب المال في ظل سيادة الفقر والهشاشة لدى فئات واسعة من المجتمع، فضلا عن انتشار الأمية في صفوفهم، لذلك لا بد من التفكير بشكل جدي في بلورة قوانين ذات منحى رقمي وتكنولوجي تحفظ كرامة الإنسان وتحفظ ماء وجه الأقارب والآباء من بعض التصرفات الطائشة التي قد تلحق ضررا بسمعتهم، فضلا عن التوعية والتفكير الجدي في البرانك البديل.

البرانك البديل، مدخل لعقلنة الفعل الإنساني داخل العالم الرقمي
لا يفيد البكاء على الأطلال في تغير الواقع، ما يفيد هو الانخراط من خلال نهج مماثل ومخالف في نفس الوقت، بمعنى عدم إفراغ الساحة الرقمية من البديل الأخلاقي الذي يمكن أن يكسر سطوة البرانك في صورته الشائعة في الوقت الحالي، وهنا من المفيد أن ننبه إلى أهمية بعض التجارب الرائدة التي كانت برعاية بعض القنوات التلفزيونية العربية فضلا عن مواقع التواصل الاجتماعي، وكان مدارها وخز النخوة الأخلاقية وروح التعاون والمحبة والتسامح في الناس من خلال مقالب مصطنعة تخدش الأعراف والقوانين والأخلاق وتستفز كرامة المشاهد من أجل تحفيزه على التدخل لإصلاح الوضع بشكل يقود في نهاية المطاف إلى تشجيع المشاهد على ضرورة التمسك بالقيم الأخلاقية النبيلة العريقة التي تحفظ الوجود الجماعي للإنسان وتناصر تحققه على نحو قوامه الأخوة والتعاون والمحبة.
إن البرانك البديل هو الذي يراهن على لفت الانتباه لمختلف المظاهر الأخلاقية التي بدأت تنسحب من العالم تحت تأثير هيمنة الشباب دون رعاية راشدة توجههم نحو جادة الصواب، وما يزال المجال مفتوحا دوما أمام الجميع لإنقاذ العالم الرقمي الافتراضي ومعه الواقع الإنساني من التصحر الأخلاقي في ظل ذوبان الحدود الفاصلة بين مسمى الافتراضي والواقعي في الوقت الحالي والقادم ينذر بإنهاء جدري للتفكير من خلال هذه الثنائية التي أصبحت تبدو كلاسيكية في ظل التطور الرقمي الحاصل.

العدد الأخير العدد التاسع والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

عبد الصمد زهور