التعددية الثقافية والحقوق الثقافية

كتب بواسطة حفيظ اسليماني

قضية التعددية الثقافية، موضوع قديم جديد، وقد ازداد النقاش حوله بشكل غير مسبوق وذلك بسبب كثرة الأفكار الأيديولوجية والأحزاب السياسية، وكذلك وجود الأقليات الدينية، وأيضا بسبب حركية تنقل الأفراد واستقرارهم بدول غير دولهم. هذا الوضع يفرض بشدة نقاش التعددية الثقافية والحقوق الثقافية، وتجسيدها على أرض الواقع بغية بناء مجتمع متماسك. فكيف يمكننا فهم التعددية الثقافية والحقوق الثقافية؟ هذا السؤال الإشكالي سنتعرف على إجابته من خلال مقاربة عالمة الاجتماع الفرنسية: Dominique Schnapper.

إن كل مجتمع هو بالأساس تعدد للثقافات، لكونه مكون من جماعات تختلف من حيث الجنس والوسط الاجتماعي والدين الممارس والمتخذ مرجعا، وكذلك من حيث الأصول الإقليمية والقومية، وفق مبادئ المواطنة كان يطلق عليهم في فرنسا الجمهوريين.

 هؤلاء حسب دومنيك يرون أن إدارة هذا التباين بالتمييز بين العام والخاص. فالمواطنة عندهم هي أيضا طريقة إدارة التباينات الثقافية. وما ذهبوا إليه يعد مبدأ تسامح حتى وإن كان طبق بغير تسامح وقت تأسيس الأمم وحتى وإن كان بعض من يطلقون على أنفسهم جمهوريين لا يعدون نماذج براقة له. ويشمل النطاق الشخص –حسب دومنيك- حرية الميول والانتماءات الخاصة الدينية أو التاريخية، وتضمن الحريات العامة حرية المشاركة وحق ممارسة الدين بحرية واستخدام اللغة الأم أما على النطاق العام فتكون هناك وحدة في ممارسات وأدوات الحياة المشتركة المنظمة سياسيا حول المواطنة.

هذا الموقف يتبناه أيضا من يطلق عليهم في الولايات المتحدة الأمريكية “الليبراليون”، حيث يحاول الجمهوريون الفرنسيون والليبراليون الأمريكيون الجمع بين المساواة المدنية والسياسية للمواطنين مع احترام الارتباطات والانتماءات التاريخية أو الدينية الخاصة، وضمان وحدة المجتمع بالمواطنة المشتركة وحرية الأفراد في اختياراتهم الوجودية.

وهنا ترى دومنيك أن المشكلة التي تثيرها “التعددية الثقافية” المطالب بها خلال العقود الفائتة هي: هل يتوجب الاعتراف بها؟ وإلى أي مدى؟ يجيبنا بأنه إذا التزمنا بالمواطنة الكلاسيكية فإن الإجابة على التساؤلات الخاصة بما هي عليه التعددية الثقافية أو ما ينبغي أن تكون عليه، تكون جد بسيطة. إذا ما كانت النوعيات الثقافية للجماعات الخاصة متفقة ومتطلبات الحياة المشتركة والقيم الجماعية- حرية جميع الأشخاص ومساواتهم- فإن المواطنين والأجانب المقيمين بشكل نظامي على أرض الدولة يكون من حقهم أن يولوا عناية للخصائص المميزة لهم في حياتهم الشخصية كما في الحياة الاجتماعية شريطة احترام النظام العام. يفهم من هذا الكلام أن الخصائص لا ينبغي بناء عليها إنشاء هوية سياسية خاصة.

انطلاقا من ذلك يتوجب علينا طرح السؤال التالي: هل ينبغي الحكم على هذا التصور الكلاسيكي بالقصور؟ وفقا “للمفكرين الجماعاتيين” أن الإدارة الكلاسيكية للتنوع أصبحت غير فاعلة لضمان وجود ديمقراطية حقيقة فهي وفقا لهم “لا تلمس احتياج البشر؛ لأن يحافظ على كرامتهم، ليس فقط بوصفهم مواطنين مجردين وإنما أيضا بوصفهم أفرادا محسوسين، حاملين تاريخا غريبا”.

يذكر هؤلاء في محاجاتهم حسب دومينك أن ما يقال عنه حياد الدولة لا يصل إلى إحجام وامتناع حقيقي. الواقع أن ممارسات وقيم المجال العام تفرض نفسها على الجماعات الخاصة التي تم تهميش عاداتها وقيمها وتسطيحها قبل استبعادها تماما. تعلق دومنيك قائلة: “الحقيقة أن اللغة الرسمية تلفظ اللغات الأخرى التي يقتصر في البداية استعمالها على محيط الأسرة وسرعان ما يطويها النسيان. الأعياد القومية هي أعياد الأغلبية. أما قيم المجال العام فتفرض على الجميع بواسطة المدارس وكافة المؤسسات العامة”. يعني هذا مباشرة أن الليبرالية الأمريكية أو الإدارة الجمهورية لم تستطيع الاعتراف بالتعددية الثقافية والتأقلم معها، بل فرضت ثقافة موحدة.

نتساءل هنا أيضا: هل المفكرون الجماعاتيون على صواب؟ وفقا لرؤية دومنيك إن هناك مجموعة من المخاطر؛ أول هذه المخاطر تناقضها مع حرية الأفراد فإعلان وجود حقوق خاصة قد يحصر الأفراد في تفردهم وينسبهم إلى مجموعة تتعارض مع حريتهم الشخصية وما يملكون من إمكانيات تواصل مع الآخرين. فالانتماء بالمولد إلى مجموعة معترف بها قانونيا يتناقض وحرية الإنسان الديمقراطي. فهذا الأخير “لا ينتمي” إلى جماعة حقيقية معزولة عن الآخرين، والمجتمع الحديث ليس مكونا من جماعات متراصة الواحدة بجانب الأخرى، ينتمي إليها الأفراد، وإنما من أشخاص لهم أداور اجتماعية متباينة ومتعددة. وفي استطاعة هؤلاء، وفقا للظروف والملابسات التاريخية اختيار أشكال من المرجعيات والتماهي، لهم الحرية في إعادة استيعابها على ضوء تاريخهم الفردي والجماعي. ومن ثم تتعارض الحقوق المعترف بها مع هذه الخاصة للمجتمع الفرداني.

أما المخاطرة الثانية، فتتعلق بالتداخل أو الاندماج الاجتماعي؛ فالاعتراف العلني بالمجموعات الخاصة يمكنه أن يبلور وأن يرسخ الذاتية والمصالح الخاصة على حساب ما يجمع المواطنين. كما أنه بشكل منتظم، يعيد الأفراد إلى كنف جماعاتهم الأصلية بدلا من أن يزودهم بوسائل تجاوزها، ويعينهم على التعرف على الآخرين وعقد الصلات بهم. وترى دومنيك أن المجموعات الثقافية لا تتسم هي الأخرى بالأبدية، فهي نتاج بنية تاريخية. ومنحها في توقيت ما حقوقا خاصة، هو نوع من الاعتراف العلني الذي يساهم في إبقائها بشكل دائم. بناء على هذه المخاطر، نفهم بأن الاعتراف العلني يؤدي مباشرة إلى التفرقة والتجزيء الاجتماعي بتقريبها ووضع الجماعات جنبا إلى جنب بدون أن يكون هناك مبادلات بينهما.

هذه المخاطر، نجد بعض الكتاب المعتدلين -الذين ينادون بتخصيص مكانة للحقوق الثقافية- قد أخذوا بها في حسبانهم، فهذا “ويل كيمليكا” -على سبيل المثال- يسجل اعتراضا على فكرة المجتمع ذي التعددية المؤسس على جماعات لها وضعية قانونية غير متعادلة وغير متساوية كما كان يحدث في المستعمرات الأوروبية أو قديما في الإمبراطورية العثمانية.

كما أنه يعترض على أي تعددية ثقافية لا ضوابط ديمقراطية لها تفضي إلى التجزيء الاجتماعي وإلى “اثننة” الجماعات التي لا أغلبية لها. وهو بتعبير دومنيك لا ينكر أن مجرد تقريب الجماعات التي يشير بعض مؤيدي التعددية الثقافية المطلقة يمكنه أن يؤدي إلى تشظية وتفجير المجتمع. كما أنه لا يجهل أن جعل الانتماءات الإثنية مطلقة يمكنه أن يتعارض مع حرية الأفراد. من هنا وجب ألا يكون الاعتراف العلني بالجماعات الخاصة غير مشروط، وألا يقود إلى انطواء كل ذات أو هوية على نفسها.

فما هي إذن تلك الشروط؟ إن أول هذه الشروط، ألا تفرض سيادة ما على الأفراد، الانضواء تحت جماعة بعينها. وأن تكون لهم حرية الانضمام والانسحاب من أي جماعة وإلا في ذلك مساس بحريتهم الفردية. الشرط الثاني هو قصر الاعتراف على الثقافات التي تحوي سمات غير متوافقة مع حقوق الإنسان. فالمعايير الداخلية في الجماعة يجب أن تتفق والقيم الاجمالية للمجتمع. فحتى يتم الاعتراف علنيا بجماعة ثقافية يجب أن تتسق تقاليدها والقيم الديمقراطية. فلا ينبغي إذن الانسياق وراء النسبية الثقافية المطلقة التي ينادي بها بعض دعاة التعددية الثقافية ذات التوجه المتطرف. وهكذا فالاعتراف بحقوق الأقليات لا يجب أن يصل إلى موقف تطغى فيها مجموعة بعينها على المجموعات الأخرى؛ إذ إنه في غياب المساواة بين المجموعات نجد أنفسنا في وضع أشبه بالتميز العنصري.

ومن هنا، ترى دومنيك أنه إذا احترمنا الشروط الموضوعية لتأسيس الحقوق الثقافية من قبل منظري التعددية الثقافية المعتدلة، سنصل إلى وضع مقارب “للجمهورية المتسامحة” الموائمة لقيم المجتمع الديمقراطي الجماعية.

هكذا نخلص إلى أن قبول التعددية أمر مفروغ منه، إذ من غير المقبول إلزام الناس بتوجه معين وفرضه تحت الإكراه، إلا أن أمر قبول التعددية لا يجب البتة أن يكون عشوائيا، إذ من الضروري أن تكون الدولة حاضرة ومراقبة، فالحرية والتسامح المفرط يؤدي إلى نتائج عكسية، قد تكون نتائجه وخيمة على الأمن والاستقرار.

العدد الأخير العدد الرابع والعشرين بعد المائة ثقافة وفكر

عن الكاتب

حفيظ اسليماني