الفن باعتباره عنوان غنى النفس، واتصاله الوثيق بالكون والحياة

كتب بواسطة عبد الهادي روضي

(قراءة في لوحات المغربي رشيد بن الزراوية التشكيلية وتأملاته النقدية)

     تنسج التجربة التشكيلية اليوم في المغرب منجزا تشكيليا متنوعا، مُتَعَدِّدَ المرجعيات والإبدالات الدلالية والجمالية، والفضل يعود في ذلك، إلى أسماء متعددة يصعب حصرها، أو رصد مقومات تجربتها هنا، منها من تُوُفي كالشعيبية طلال، ومحمد المليجي، ومحمد قاسمي، ومنها من ما زال على قيد الحياة يتخذ من التشكيل محرابه البديل بعيدا عن تناقضات الواقع، وزيف الخطابات الرسمية سياسيا وثقافيا وإبداعيا، وانهيار القيم اجتماعيا، وعدم اتضاح الرؤى من قبل المؤسسات الثقافية الرسمية، بشأن جدوى المراهنة على أهمية الفن عموما والإبداع التشكيلي تخصيصا، عابرا باللوحة التشكيلية المغربية حدود البساطة القائمة على الفطرية والانطباعية، إلى فضاء إبداعي رحيب منفتح على التجريب، واستثمار اليومي، بالإضافة إلى مقومات الظل والضوء، ولعبة الألوان، ولعل ما ينبغي التنصيص عليه أن الساحة التشكيلية في المغرب تتعايش داخلها التجارب، إذ هناك من ارتبط بالتشكيل عبر التخرج من  بوابة المدارس التشكيلية في الدار البيضاء وتطوان وغيرهما، وهناك من ولج عوالم الرسم متوكئا على مواهبه واستطاع أن يطور تجربته وموهبته عبر الإنصات العميق لمختلف المدارس التشكيلية في العالم، وتندرج تجربة التشكيلي رشيد بن زراوية ضمن الصنف الثاني من التجارب التشكيلية التي ما زالت تتعايش مع الواقع مؤمنة أن اللوحة سفر جواني باتجاه الذات والعالم، وهي تجربة تشكيلية عصامية لا تخطئ الحواس مدى تفرد العناصر البانية للوحة مبنى ومعنى، وهو ما يؤكد أن التجربة الإبداعية وليدة الموهبة، كلما كانت الذات المبدعة  فيها قادرة على تشذيب الموهبة والحرص على إغنائها بالقراءة والتكوين الموازي، كلما كانت المحصلة الفنية مُلْغِيَّةً الفروق القائمة بين العصامية والتكوين الأكاديمي بل ومحوها.

    تتبدى لوحات الفنان التشكيلي رشيد بن زراوية لزائرها مثل طفلة مشاغبة، تصر على ممارسة طقوسها علينا، حتى قبل أن تَتشَكّلِ ملامحها النهائية، داخل ورشة طافحة بالهدوء والعزلة تطبخ على نار هادئة بعيدا عن فوضى العالم، متنقلة بالذات الشغوفة بمحراب التشكيل من لحظة نزول الفكرة والقبض عليها، إلى لحظة ترجمتها على بياض اللوحة، وهو ما يُجَلِّي صعوبةَ المخاض الفني الذي تُكَابِدُهُ الذات المبدعة باللون، وتتعايش معه قابلة بالشغب ذاته، واستعصاء فكرة التجلي والمكاشفة، مستثمرة التفاوتات الحاصلة بين الوعي واللا وعي، ومجلية الصراع القائم بين الأنا و الهو، وتوق الذات الإنسانية إلى تشييد فهمها الخاص للحرية والعشق والموت والحب من جهة، والانعتاق من ضغوط الزمان والمكان، وتشييد سفر من الواقع المتبدي للحواس، إلى عالم آخر بديل حالم جميل، عالم يحاكي أعماق البحر وأعالي الجبال، ومكنون النفس الإنسانية ، من جهة أخرى، باحثة عن عشبة الخلاص التي تحرر الذات الفردية والجمعية من نتوءات عالم تتشابه في الشخوص والمصائر.

      لا تنطلق لوحات الفنان رشيد بن الزراوية من بوتقة الذهن المجرد، أو الخيال المقنن، أو الثقافة المسطحة العابرة، بل تنطلق من ذاتٍ متشظيةٍ وقلقةٍ وغير مهادنةٍ، ومن واقع نهر الحياة الطافح بالتناقضات مُجَسِّدَةً حرص الفنان على خوض مغامرة الغوص في أعماق الواقع، الذي يتحول إلى مُلْهِمٍ ورافدٍ أساسيٍّ منه تتغذى اللوحات الفنية، تواقا إلى تقديم لوحات فنية تفتح شهية الزائر المأخوذ بسحر اللوحة ودهشتها إلى القبض على معانٍ جديدة للحياة، ما دام الفنان ينطلق في إشباع رغبته في الخلق الفني، وهو يؤمن أن الفن كباقي الأجناس الإبداعية الأخرى لابد  أن يكون فنا راقيا وجميلا وملتزما، في النهاية، بتفجير ينابيع الذات الفنانة، واستثمار طاقاتها الخلاقة في كشف المسكوت عنه، واللا مفكر فيه فرديا وجمعيا.

     وبما أن الفن يرتبط بتلك الرغبة في تفجير ينابيع الذات الفنانة وما تنفعل به واقعيا، في محاولة منها لإحداث نقط تماس بينها وبين العالم، فإن لوحات رشيد بن زراوية التشكيلية تكشف حرصا جليا على المزاوجة بين استثمار التجربة الواقعية التي تخوضها الذات الفنانة في علاقتها بالواقع، دون أن يتحول الاستثمار الواقعي إلى لعبة مجانية قائمة على التسطيح والتناص المباشر، فالتشكيل ليس تصويراً للواقع لكنه انعكاس له، ومساحة اللوحة لا تمثل عالم الشَّكل وإنَّما أبعاده المبعثرة في الألوان والخطوط ومساحة التظليل والبياض، وَيُضَافُ وعي الفنان بأهمية دقة التفكير، وبعد النظر، واتقاد البصيرة، ورهافة الحس وجمال اللون، و رفعة الهدف، باعتبارها عناصر جوهرية تخلق اللوحة الفنية، وَتُكْمِلُ هُوِّيَّةُ التجربة الفنية لصاحبها، وهي تتحول أيضا إلى عناصر تختزل فرادة التربة الفنية التي يعكسها المنجز التشكيلي الذي يقدمه الفنان رشيد بن الزراوية لمتابعي تجربته، بل وللعالم، لأنه فنان تشكيلي عصامي يدرك يقينا أن الإبداع الفني المفتقد لرهافة الإحساس وصدق التجربة في علاقة بالعالم وعناصره، لا يمكنه أن يفضي في النهاية إلا إلى إنجاب عمل فني ميت عن هذا العالم، فالعمل الفني يشبه طقسا دينيا يمارسه الفنان يحتاج فيه إلى أرواحنا، وبدون هذه الأرواح الصافية تتحول الأعمال الفنية إلى طقوس/ أعمال فارغة لا معنى لها،  لذلك، فالاستلهام الفني لا يرتفع إلى مستوى الإبداع إلا إذا كان استلهاماً للروح، أي استلهام تلك الرؤيا التي لا بدَّ أن تكون وراء كل فنٍّ حقيقي و هادف.

     ولا يتصور الفنان التشكيلي رشيد بن زراوية الإبداع الفني، أيضا إلا بوصفه نتاجا لعلاقة التفاعل التبادلي بين التصور والإدراك، حيث يعتبر التصور والإدراك الأداة الأولية للإبداع الفني، ومادام التصور يسبق التفكير ويعتبر أساسا له، فإن وظائف الإبداع الفني في تكوين اللوحة الفنية وصياغتها غالبا ما تتقدم على وظائف تشكيلها، حيث تجعل المتلقي يغوص في أغوار اللوحة للتعبير واستنباط عناصرها ودلالاتها، كُلٌّ حسب التصور الذي ينطلق منه في قبول اللوحة الفنية، وخلق علاقة تواصل معها، أو رفضها، ومن ثمة تحريك الذائقة النقدية اتجاهها شرحا وتفسيرا وتأويلا لمختلف الممكنات، التي تفتحها المعرفة الفنية أمام المتلقي الفني أو المتلقي العادي، ولا تكتمل العلاقة التفاعلية ذاتها إلا بإدراك شرط الحرية في القراءة والتأويل، فالفنان والقارئ/ الناقد الفني يولدان أصلا محملين بقيود فرضت عليهم منذ الرضاعة، وبموازاتهما وجدت قيود/ قوانين سنها الإنسان بنفسه، ليقيد نفسه، وبما أن المجتمع الذي يولدان فيه مليء بقيود متعددة(قيود الأسرة، وقيود الدين، قيود الحريات)، فإن الإنسان هو الذي يختار من تلك القيود ما يشاء ويرفض ما يشاء، وبناء عليه، لا تنعكس الحرية في اللوحة الفنية إلا فكاكاً من القيود، والعقل لا يكون إلا التزاماً للقواعد والقيود، وهو أمر يستوجب من الكل التأقلم والعيش في الحياة بقيودها، والحرص على جعلها غير معيقة لبلوغ ما نريد تحقيقه أو التفكير في تحقيقه أو رؤيته.

     ينطلق العمل الفني عند الفنان رشيد بن زراوية في أساسه من الفكرة ومنها يتشكل الموضوع الذي تنصب فيه المدركات البصرية مع الاستجابات الشعورية و الدلالات الرمزية، وإذا كان النشاط الجمالي يمثل المرحلة الأولية للمعرفة، وفيها تتشكل المشاعر في هيئة أشياء محسوسة، فإن جمال التعبير عن المشاعر يتحقق باستعادة الأحاسيس بالتخيل والتعبير عنها، وتتخذ لوحات الفنان التشكيلي رشيد بن الزراوية من بياضها الناصع وضعية مناسبة للابتكار والخلق والإبداع ،إنها أرضية لممارسة حرية التلاعب بالألوان والأشكال والصور ،إنـهـا ذات الفنان التشكيلي في أوج هيجانها و هدوئها، انفعالها وغضبها وصمتها و صراخها، لتصير في الآخر لوحة مكتملة تتحصل على بطاقة ولادة وتسجل وجودها في الحاضر، ومعها يصير الفن وسيلة للتصريح برأي أو إحساس أو جمال، مثلما تجعله  يؤسس لرؤية أخرى للعالم، فالفن يبعث على السعادة والإيجابية في الأشخاص،  وبجعلهم قادرين على صياغة المعنى خلف بياض المساحة غير المملوءة في اللوحة الفنية، وخلقه بأداة ذكية تستثير رد الفعل الجمالي فينا، وبمقتضى ذلك يتحول الفن إلى وسيلة للتواصل، والتعبير عن وجدان الشعوب ومشاعرها، وتشكيل ميولها و أذواقها، واتجاهاتها النفسية بواسطة أدواته المتنوعة والمؤثرة مما يسمع، أو يقرأ، أو يرى، أو يحس، أو يتأمل، وعلى هذا الأساس، لا تتجرد اللوحة الفنية من الوظيفة ذات البعد الاجتماعي، مادام الفنان هو ابن المجتمع، يتفاعل ويتأثر بالظروف الاجتماعية السائدة في المجتمع، مهما اختلفت المدرسة الفنية أو الاتجاه الفني الذي يبدع من داخله، أو يتناص معه فنيا.

   وبموازاة ذلك، تتخذ لوحات رشيد بن زراوية من الاتجاه السوريالي إطارا فنيا إليه تعلن انتسابها، ومنه تجتهد في تشييد ميسمها الخاص، باحثة عن الجمال المتواري خلف الحقيقة العارية أو الحرفية، والجمال المتواري لا يجب بالضرورة أن يكون لطيفا أو جذابا أو حلوا. فالجمال الذي تتوجه إليه اللوحات الزيراوية لا يستهدف الانسجام، بل يرمي إلى التجريد والإثارة والقوة والمبالغة بكل أنواعها، حيث تتأسس التجربة على أفكار نابعة من دواخل الذات الفنانة، التي تطمح إلى تحقيق غايات وطموحات متلبسة بالعشق، فالعشق هو الذي يجعل الذات الفنانة ترسم رموزا وخطوطا وأشكالا واشارات ذات أبعاد فكرية ومعرفية مصاغة بأسلوب فني فلسفي خاص، ويجعل النفس تغوص في أغواره، ومعها تتأجج حساسية المتلقي/ الناقد للوحات الفنية، وتدفع به إلى مشاهدة وتحليل رمزية تلك الإشارات، ونفض الغبار عن اللوحة.

     وتأسيسا على ذلك، تعدو علاقة الفنان رشيد بن زراوية باللوحة شبيهة بحالة العشق، بما هو انجذاب لأي شيء مبهج يتصور فيه الفنان سمة الكمال، فيشعر باللذة المادية أو المعنوية حياله عند التفكير فيه، أو لقائه بصورة مباشرة عند اكتمال اللوحة، وبهذا العشق ينأى الفن، عكس ما يراه الكثير، عن كونه رفاهية لا تدر على ممارسه أو المتعاطف معه النفع المنتظر، بل تدر روح الخمول والتعاسة ووجع الرأس، إلى سلوك لا ينفصل عن رصد أحوالنا، وترجمة أحلامنا خارج النمطي والسطحي والمبتذل، وبذلك، فالإنتاجات الفنية هي وسيلة من الوسائل التي نسجها الإنسان لتفسير وضعنا الإنساني، و مساعدتنا على فهم العالم بطرق أصدق وأكثر ذكاء، والفن الحقيقي لا يقف عند حدود النفس، وإنما  يرتقي لخلق رؤى جديدة للعالم وللأشياء، بواسطتها نستعيد إنسانيتنا، ونعيد امتلاك العالم وتغيير مساراته، وتوسيع مداركنا وتحفيز بصائرنا لاستبدال القبح بالجمال، والكره بالمحبة، والكذب بالصدق.

    حين يتوغل الفنان رشيد بن زراوية في نسج لوحاته الفنية يتحول إلى رسام يتوسل الفرشاة  بحرية، ويدعوها إلى التحرك بانسيابية وعفوية دون أن تخطئ هدفها، لأنه يدرك يقينيا جمالية الفن، الذي يجب أن يبتعد عن كونه مجرد كاميرا ترصد الوقائع المتبدية للحواس، بل خطوطا وأشكالا و ألوانا تنساب لتغزل عملا فنيا بتلقائية و عفوية و عشوائية، ينهل من الطبيعة باعتبارها ليست ملهمة للإنسان فقط لصنع جمال يحاكي، ولو ببساطة، جمالها،  بل محرضة على أعمال فنية وصفية لها، وتتجسد الفوارق بين الطبيعة والفنان، في كون الفنان يستمد جماليات ما ينجز من إلهام الطبيعة والتأمل فيها، وبالتالي، فالطبيعة هي المعلم الأول للفنان في الفن و الجمال، بل هي أصل الفن والجمال، وما يميز الفنان عن الطبيعة هو أن الفنان يجد طريقة ووسيلة مغايرة ليجلي بها الجمال ذاته، وهو الجمال الموجود فعلا، وعليه، فالطبيعة هي التي تحدد شكل الإنجاز أو العمل الفني، وعلى الفنان أن يضيف جماليات إبداعاته و لمساته السحرية التي تصور لنا الجمال في قالب آخر جميل.

     تكشف لوحات الفنان التشكيلي العصامي رشيد بن زراوية انحيازا تاما إلى القيم المنهارة وجوديا، كالحب، والعشق، والوفاء، والحرية، والعدل، والمساواة، باعتبارها قيما تمثل جوهر الإنسان الحقيقي، وحين يعود إلى نشدانها عبر التفكير فيها أولا، ثم التجسيد المادي لها انطلاقا مما يتراءى له في لا وعيه المتخيل، يراهن على إعادة استنهاض الهمم المنحازة إلى هويتنا الأصل، وإعادة إدراك اكتشاف اللا مطلق واللا حسي فينا، إنها قيم مشتركة بين الإنسان بصرف النظر عن هُوِيَّتِهِ الفردية أو هَوِيَّتِهِ الجمعية، فإدراك، قيمة الوفاء تمثيلا، لا يمكنه أن يتحقق من خلال اللوحة، ما لم يضع  الإنسان نفسه المبدأ الأخلاقي السامي في الحسبان، وهو ميثاق أخلاقي و حسٌّ وجداني ونصٌّ سلوكي للإنسان السويِّ، لا يمكن ممارسة فصول حياته والتمتع بطيباتها ولذائذها بالقفز عليها، والوفاء عينه لا يمكن أن ينمو و يزدهر دون وجود تلك القيم وغيرها من الصفات الأخلاقية الرفيعة.

          وبمحاذاة هذه القيم الإنسانية الكبرى التي تشكل مدار تجربة الفنان رشيد بن زراوية، وعصب تجربته الفنية العصامية، يترك الفنان لزواره فرصا للتأويل وفك شفرات الهارب والمتواري خلف التفسير العادي والبسيط، لأنه يؤمن أن الفنان المبدع ليس ملزما بالضرورة بتفسير مخلوقاته الفنية.

العدد الأخير العدد التاسع والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

عبد الهادي روضي