صلاح فضل.. علاقة قديمة

كتب بواسطة محمود قنديل

كانت هي المرَّة الأولى ـــ منذ عِقدين ـــ التي ألتقي فيها بناقدنا العربي الكبير د. صلاح فضل باتحاد كُتَّاب مصر، لأرى فيه تواضعًا جمَّا، وهدوءًا حكيمًا، وثقافةً عريضة.
ورحتُ أسأله في عجالة عن رأيه في مشهدنا الواقعي والثقافي والإبداعي، فأبدى ملامح التفاؤل عبر كلماتٍ عميقة؛ مُشخِّصًا العِلل، وواصفًا الأمصال، ومؤكدًا على حقائق لايمكن إغفالها أو التقليل من شأنها؛ وهي أننا ـــ كعرب ـــ أصحاب لغةٍ اختارها المولى لختام كُتبه السماوية (القرآن)، وأننا أصحاب تاريخ وحضارة يشهد لها القاصي والداني، وأن لحظات ضعفنا لن تمكث طويلًا، فلنا قدرة لا يُستهان بها تمكننا ـــ دومًا ـــ من الوقوف في مواجهة الخطوب والأنواء.
كان الرجل يتحدث بتؤدة، وكأنه يستشرف آفاق مستقبل شاسع ويجول في رحابه، وقد ظلت كلماته وصداها في ذاكرتي لأمد بعيد، إلى أن قررتُ الاتصال به كأستاذٍ ومُعَلِّم أستأذنه في إجراء حوارٍ معه لمجلة مصرية كبرى (الثقافة الجديدة)، وعلى الفور رحب د. صلاح فضل باللقاء، ليستقبلني ـــ ذات يومٍ ـــ بمنزله الكائن “بالمعادي الجديدة”؛ أحد أحياء عاصمتنا المصرية القاهرة، ذلك المنزل الذي أطلق عليه اسم “دُرَّة أندلسية”، متأثرًا ـــ في ذلك ـــ بالأندلس تاريخًا وحضارة.
جلستُ إليه ليحدثني في أمور عامة قبل أن تحضر الشغَّالة لي شايًا ومشروبًا من المياه الغازية معًا، فأيقنتُ أنه لا يريد إضاعة الكثير من الوقت، فبادرتُه: أستاذي.. هل تأذن لي أن نبدأ الحوار؟
أومأ برأسه موافقًا ومرحبًا بابتسامة عذبة.
وتنوعت الأسئلة، وتعددت الأجوبة، فحدثني عن “البنيوية” مؤكدًا أنها لم تفقد أهميتها، ذلك أنها أصبحت منجزًا معرفيًا ماثلًا في الوعي الأدبي والنقدي، وأضاف: لقد جاءت “البنيوية” لتمثل نقلة أساسية في الخطاب النقدي للالتفات إلى البنى الأدبية ذاتها، فأدت إلى أمرين في غاية الأهمية مازال أثرهما واضحًا في الحركة النقدية حتى الآن؛ الأول أنها ألغت ثنائية الشكل والمضمون، الأمر الثاني أنها مهدت لِمَا بعد البنيوية من ثورة نقدية في الخطاب النقدي.
وأشاد د. صلاح فضل بنزار قباني وإحسان عبدالقدوس، واصفًا إياهما بأنهما تولا الدفاع عن المرأة في الفترة التي كانت فيها (المرأة) صامتة.
وعن التطرف والإرهاب رأى في هذه القضية أنها لم تستفحل في المجتمع المصري والعربي إلا ابتداءً من التسعينيات وحتى الآن، وعزا ذلك إلى أصحاب النزعات الدينية الذين سعوا إلى الوصول للسلطة آنذاك.
وأكد على أن تجديد الخطاب الديني لا يأتي من الذين يرتزقون منه، فهؤلاء هم الذين جمدوه وجعلوه مقتصرًا على الشعائر والمظاهر دون أن ينفذ إلى جوهر القلوب، ودون أن يُعنى بالأشياء المؤسسة للوعي الحقيقي للمجتمع.
وكانت عقارب الساعة تمر سريعًا، والرجل مازال يجيب بعمقه ووعيه وحضوره القوي، انهيتُ حواري معه، واستأذنتُه منصرفًا.
وحين نُشر الحوار اتصلت به أبشره، فأخبرني أن أحد تلاميذه أحضر له نسخة من المجلة، وشكرني على أمانتي في تفريغ الحوار ـــ من المُسَجِّل ـــ على الورق.
وتتعدد لقاءاتي به بعد ذلك، إما زائرًا للاطمئنان عليه وإما مجريًا لحوارات معه، نُشِرَت ـــ لاحقًا ـــ بمجلتي “عالم الكتاب” و “أدب ونقد” بمصرنا الحبيبة.
د. صلاح فضل صاحب سيرة مديدة ومسيرة مترعة بالعطاء، وُلِدَ في بداية الربيع عام 1938 بأحد أقاليم مصر (كفر الشيخ)، واجتاز المراحل التعليمية الأزهرية إلى أن حصل على ليسانس دار العلوم عام 1962، وعمل معيدًا بها، ثم سافر إلى إسبانيا لينال درجة الدكتوراه من جامعة مدريد 1972، وعمل ـــ أثناء بعثته ـــ مدرسًا للأدب العربي والترجمة بكلية “الفلسفة والآداب”، وتعاقد مع المجلس الأعلى للبحث العلمي هناك ليسهم في إحياء تراث ابن رشد الفلسفي ونشره.
ليعود إلى بلده كأستاذٍ للأدب والنقد بكليتي اللغة العربية والبنات بجامعة الأزهر،واشتغل أستاذًا زائرًا بكلية المكسيك للدراسات العليا لسنواتٍ ثلاث.
ولا ننسى فترة وجوده الخصيبة بكلية الآداب (جامعة عين شمس) منذ عام 1979 وحتى رحيله؛ تلك الفترة التي تخرج خلالها عشرات الطلاب الذين تتلمذوا على يديه، ليصبح لهم وجود ثقافي حقيقي في سماء ثقافتنا العربية اليوم.
ولا ننسى ـــ أيضًا ـــ توليه أمانة مَجْمَع اللغة العربية بالقاهرة ـــ منذ سنوات قليلة ـــ لينتهج فكرًا تنويريًا ـــ في إدارته ـــ شهد له كل أعضاء المجمع.
وقد شارك أستاذنا الدكتور في العديد من المؤتمرات والمهرجانات المصرية والعربية والدولية، وقدم إلى حياتنا الأدبية أكثر من أربعين كتابًا في النقد والفكر والترجمة، منها: أساليب السرد في الرواية العربية، ظواهر المسرح الإسباني، إنتاج الدلالة الأدبية، مناهج النقد المعاصر، تكوينات نقدية ضد موت المؤلف، لذة التجريب الروائي، أسايب الشعرية المعاصرة، أشكال التخيل، حوارات في الفكر الأدبي، نجمة أشبيلية…
ومن حسن حظ شيخ نقادنا العرب أنه عاصر عمالقة في الفكر والإبداع كالعقاد، وطه حسين، ونجيب محفوظ، وإحسان عبدالقدوس، وسيف الرحبي، ومحمود درويش، وحنا مينا، وأدونيس وغيرهم، وكان صديقًا شخصيًا للراحل العظيم صلاح عبدالصبور.
ويشهد أصدقاء د. صلاح فضل وأترابه وتلاميذه لمدى تحضره، واحترامه لمن يختلف معه حول الأفكار والرؤى، لم يعنف أحدًا أو يجبره على اعتناق رؤاه، وكان أبعد الناس عن الخصومة، فحياتُه وهبها للثقافة الواسعة العريضة، وخدمة كل طالبي العلوم الأدبية والنقدية.
لم يتعالَ ـــ يومًا ـــ على إنسان، ولم يسع إلى التقليل من شأن شخصٍ، خطاه التواضع وممشاه التحاور بموضوعيةٍ وعقلانية.
احتفت به القنوات الفضائية، وقدمت به أروع البرامج، فكان له حضوره المائز الذي جذب ذاقة المشاهد بسلاسة كلماته، وسهولة طروحاته.
وإذا كان صلاح فضل قد غادرنا إلى عالم أرحب في نهايات الخريف عام 2022، فإن صدى ذكراه ستظل باقية في عقول وقلوب متذوقي العربية والإبداع والنقد الفني الجميل.





أدب

عن الكاتب

محمود قنديل