عن طباعة ” الريال العماني ” ، ومتى ينهار بزيادة الرواتب !!

جزء كبير من الناس يعتقد بوجود هيئة دولية أو أممية في كل الدول تراقب عملية طباعة النقود بما فيها عمان ، وأن وظيفة هذه الهيئة أن تحدد كمية من الريالات لطباعتها كل سنة او كل مدة معينة ، وهذا اعتقاد شائع وخاطئ تماما ، فئة أخرى من الناس تعتقد أن طباعة الريالات أو النقود بشكل عام في كل الدول ترتبط بكمية الذهب الموجودة في خزينة كل دولة ، يعني ، بمقدار ما عند الدولة من ذهب يتم طباعة النقود ، حينما ينفذ هذا الذهب لا تستطيع الدولة أن تطبع اي نقود ، حاليا هذا الاعتقاد ايضا خاطئ ، هذا النظام ” نظام قاعدة الذهب ” كان معمول به في الماضي ، لكن منذ 40 سنة تقريبا انتهى.

جزء كبير من الناس يعتقد بوجود هيئة دولية أو أممية في كل الدول تراقب عملية طباعة النقود بما فيها عمان ، وأن وظيفة هذه الهيئة أن تحدد كمية من الريالات لطباعتها كل سنة او كل مدة معينة ، وهذا اعتقاد شائع وخاطئ تماما ، فئة أخرى من الناس تعتقد أن طباعة الريالات أو النقود بشكل عام في كل الدول ترتبط بكمية الذهب الموجودة في خزينة كل دولة ، يعني ، بمقدار ما عند الدولة من ذهب يتم طباعة النقود ، حينما ينفذ هذا الذهب لا تستطيع الدولة أن تطبع اي نقود ، حاليا هذا الاعتقاد ايضا خاطئ ، هذا النظام ” نظام قاعدة الذهب ” كان معمول به في الماضي ، لكن منذ 40 سنة تقريبا انتهى.
أذن ، تحت أي معيار يتم طباعة النقود ؟ ، باختصار الدولة غير مقيدة بشي دولي أو عالمي ، من حق عمان مثلا ومن حق كل دولة أن تطبع العدد الذي تريد من عملتها ، أذن ، اذا كانت المسألة على هذا النحو ، لماذا الحكومة العمانية لا تطبع عدد كبير من الريالات وتوزعها على الشعب على هيئة زيادة في الرواتب أو منح أو مميزات ؟
الجواب اقتصاديا يتمثل في أن ضخ العملات النقدية في السوق من قبل الدولة يجب أن يتناسب مع حجم الاقتصاد ومع حجم النمو الاقتصادي ، اذا تم ضخ عملات نقدية أكبر من حجم الاقتصاد ( السلع والخدمات والعوائد الموجودة بالدولة ) ، تقل القيمة الشرائية للعملة وترتفع الأسعار ويرتفع معها التضخم وتصل الدول لحالة من اللا استقرار الذي ينتهي في اسوأ الاحوال إلى أن ينهار اقتصاد الدولة ومعه قد تنهار البنية الاجتماعية . هذه الحالة حدث في زيمبابوي ، حيث وصل التضخم فيها لـ أكثر من ستة آلاف مليار ، وعلى إثر ذلك تمت طباعة أوراق نقدية قيمة الواحدة منها 100 مليار ويزيد ، قاموا بطباعة عدد لا نهائي من العملة، ووزعوه على المواطنين على هيئة زيادات و رواتب و علاوات لمقاومة الغلاء ، بعدها فقدت العملة قيمتها بشكل كامل تقريبا، وفي عام 2009 تم التوقف عن استخدام عملتهم وبدأوا باستخدام عملات دول أخرى.
لتوضيح كيف يختل النظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي في الدولة في حال تم طباعة نقود اكثر من حجم الاقتصاد والنمو الاقتصادي ، تخيل الآتي : أن قيمة اقتصادنا الحالي في عمان هو30 مليار ريال ، وأن عدد الريالات في عمان الآن هو 40 مليار ريال ، لو تم طباعة 60 مليار ريال اضافية ، الذي سيحدث أن اصحاب السلطة واصحاب الشركات وطبقة الأغنياء فاحشي الثراء سيأخذون النصيب الأكبر منها ، والاقل منهم سيأخذون نصيب أقل والفقير سيأخذ الأقل وقد لا يأخذ مقارنة بما تأخذه طبقة الاغنياء ، بعدها سيحدث أن أسعار السلع والخدمات سترتفع بشكل كبير ومفرط ، أولا بسبب الاستغلال والفساد حيث أن اصحاب الشركات والتجار سيزيدون من الاسعار وسيستغلون وجود عملات اضافية ، وثانيا بسبب قلة السلع المعروضة ، ستكون هناك نقود اكثر من السلع فستجد الناس يشترون اكثر وبقيمة أكبر إلى ان تقل السلعة . . الذي سيظهر ويحدث لاحقا هو أن الطبقات الاكثر ثروة في المجتمع من الاغنياء واصحاب السلطة سيزدادون ثراء و الطبقات الوسطى من اصحاب المشاريع الصغيرة سيخسرون قسما من أموالهم وقد يصبحون أقرب للفقر ، وذوي الدخل المحدود والفقراء سيدفعون الضريبة الكبرى ، سيحصلون فقط على ما يكفي لبقائهم أحياء وفي مرحلة لاحقة لن يحصلوا على اي شيء و يسحقون نهائيا ، كنتيجة لاحقة ستنشأ الاضطرابات وسينتشر العنف في كل مكان في حال وصلت الأمور لهذه المرحلة . ومن ثم ستصبح الدولة والحياة الاجتماعية في وضع الخطر .
أغلب الدول تدرك حيثيات هذه المعادلة ، وبناء على ذلك هي تطبع العملات النقدية بما يتناسب وحجم الاقتصاد ، لكن مع ذلك ، رغم وجود هذه المعادلة ( علاقة العملة بالناتج الاقتصادي ) وضرورة ووجوب عدم طباعة نقود بدون غطاء ، هناك تجاوزات كبيرة على مستوى الحكومات ، ومنها حكوماتنا العربية ، وهذه التجاوزات هي اسباب رئيسية للنتائج التي نراها في جانب ارتفاع الاسعار واتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء .
حتى يتضح هذا التلاعب الذي تقوم به الحكومات ، أود أن أشير إلى وجود ثلاث حالات رئيسية تقوم فيها الحكومة بطباعة عملات جديدة :
الحالة الأولى : أن تحدث زيادة في الناتج الاجمالي لاقتصاد الدولة ، هذه الزيادة تقابل بطباعة عدد من العملات يتناسب مع مقدار الزيادة . وهذا أمر طبيعي حتى تجد الزيادة في الاقتصاد ما يقابلها من عملات يتداولها الناس في السوق .
الحالة الثانية : في الفترات التي يتباطأ فيها نمو اقتصاد الدولة او يصاب السوق بالكساد ، تقوم الحكومات بطباعة عملات أكثر من قيمة الاقتصاد المحلي لكن وفق نسب محددة ، الغرض من هذه العملية يتمثل في احياء حركة الأموال في السوق المحلية او حتى الخارجية لجلب مزيد من الاستثمار . فكرة هذه الخطوة تتمثل في أنه عندما تزداد النقود عند الناس فهم يشترون اكثر ، وكلما اشترى الناس السلع اكثر ، هذا يؤدي لزيادة حركة السوق و جلب مزيد من الاستثمار كنتيجة لنشاط السوق .
الحالة الثالثة : حالة يمكن أن نقول عنها ، معالجة مشكلة بكارثة . هنالك حكومات لا يتم فيها طباعة النقود وفق معايير تتناسب مع اقتصادها ، بل تقوم بطباعتها حتى تعالج مشاكلها . هذه الحالة تتلخص في الوضع الآتي : عندما يحدث تباطؤ في اقتصاد الدولة سواء نتيجة لسوء ادارة الاقتصاد او عدم تحقيق نمو للناتج المحلي يتناسب مع الزيادة السكانية وزيادة حاجيات المجتمع ، أو نتيجة لوجود فساد مؤسسي في المؤسسة الاقتصادية للدولة . . هذا يؤدي إلى غلاء المعيشة وإلى ظهور مشاكل مثل زيادة الفقر والبطالة . الدولة في هذه الحالة ستكون أمام نفقات على هيئة رواتب او مشاريع خدمية وايضا على هيئة دعم حكومي للمنتجات ، وستكون ايضا امام ضغط اجتماعي من قبل الشعب يطالبها بزيادة الرواتب حتى يستطيع المواطن أن يتعايش مع غلاء الاسعار ، وستكون ايضا امام مواطنين بحاجة للعمل والخروج من الفقر . .. يحدث هنا عند هذه اللحظة عجز في نفقات الدولة . هذا العجز لا تجد بعض الحكومة له مخرجا الا بأن تطبع عملات من غير غطاء حتى تسطيع الاستمرار في تلبية حاجة المجتمع وحتى تتعامل مع سخطه .
طباعة النقود في هذه الحالة وتوزيعها على الناس على هيئة وظائف جديدة او زيادة في الرواتب لمقاومة غلاء الاسعار لا تحرك السوق اذا تجاوزت نسبة النمو الاقتصادي بنسبة كبيرة . بل ينشأ عنه زيادة في التضخم وغلاء في الأسعار ، وينشأ عنها في وقت لاحق وضع متأزم تنتشر فيه الاضطرابات السياسية والاجتماعية و تتواصل الى حين ينهار المجتمع باسره اقتصاديا و سياسيا واجتماعيا .

الرابع والخمسون سياسة

عن الكاتب

محمد عبدالله الهنائي