كتاب لغة عاد – قراءة نقدية

لذلك تتجه الأنظار بعد هذه التجربة الرائدة للأستاذ الشحري إلى جامعة السلطان قابوس ، وجامعة ظفار ، وإلى وزارة التراث القومي والثقافة ، نحو إنشاء قسم خاص لدراسة اللغات القديمة بظفار والحفاظ عليها وعلى تراثها الثقافي من الاندثار والضياع ، ودراسة الحضارات الغابرة التي سادت وبادت ، لكي لا نجعل تراث أرضنا نهباً لانقراص الرياح ، وأيضاً كي تدخل معترك الدراسات والبحوث التي تدرس تراث هذه المنطقة الخصبة من العالم القديم .

Land of Rocks 2كتاب لغة عـاد
[ قراءة نقدية لسما عيسى ]
يحتل هذا الكتاب المرجعي ، مكانةً هامة في حقل دراسات العالم القديم ، لخصوصية مادته وغناها وتفردها . وهو حصيلة جهود استمرت اثنتا عشر عاماً . والكتاب يحفر في أرضٍ بكر ، مازالت بحاجة إلى مزيد من البحث والتحقيق ، وهو الثاني لمؤلفه الباحث الأستاذ علي بن أحمد الشحري بعد كتابه الأول : ظفار كتاباتها ونقوشها القديمة .
وومضة مضيئة كهذه ، لا يضطلع بها فرد ، بل يجب أن تدعمها المؤسسات الثقافية والعلمية لما لديها الإمكانيات الكافية ، لذلك تتجه الأنظار بعد هذه التجربة الرائدة للأستاذ الشحري إلى جامعة السلطان قابوس ، وجامعة ظفار ، وإلى وزارة التراث القومي والثقافة ، نحو إنشاء قسم خاص لدراسة اللغات القديمة بظفار والحفاظ عليها وعلى تراثها الثقافي من الاندثار والضياع ، ودراسة الحضارات الغابرة التي سادت وبادت ، لكي لا نجعل تراث أرضنا نهباً لانقراص الرياح ، وأيضاً كي تدخل معترك الدراسات والبحوث التي تدرس تراث هذه المنطقة الخصبة من العالم القديم .
وكان باحثون أكفاء نادوا بذلك منذ أمدٍ طويل ، أهمهم المرحوم الدكتور جواد علي في كتبه المرجعي المفصل تاريخ العرب قبل الإسلام ، وقد كتب قائلاً : وفي العربية الجنوبية قبائل تتكلم اليوم بلهجات يرجع نسبها إلى اللهجات العربية الجنوبية القديمة ، لأن في ألفاظها وفي تراكيب جملها ودراستها في هذا اليوم ، ضرورة لازمة لمن يريد الوقوف على تاريخ اللغة العربية قبل الإسلام . ويستطرد الدكتور جواد علي قائلاً : لنتعرف على أصول هذه القبائل والأماكن التي جاءت منها والأثر الذي تأثرت به من القبائل . وهذا التغير الذي أشير إليه هو شيء طبيعي وقع قبل الإسلام ، كما وقع في الإسلام ، فقد ماتت الأسماء الجاهلية في الإسلام وحلت محلها أسماء إسلامية ، وماتت ألفاظ جاهلية بسبب إماتة الإسلام لها ، أو إعراضه عن استعمالها أو بسبب تغير الذوق ، فلم تعد تصلح للاستعمال ، وولدت ألفاظ إسلامية لم تكن معروفة عند الجاهليين . فكلمة الجدشة مثلاً ، تعود إلى جشت العربية ، التي حكمت تلك البلاد ، وهي كلمة عربية جاءت من أجديش ، وتعني جمع الشيء بطريقة جشعة.
إن ذلك يخرج عن نطاق شبه الجزيرة العربية ، إذ يمتد هذا المعنى في أعماق التاريخ إلى الهجرات العربية القديمة ، جنوباً إلى الحبشة ، ودولة أكسوم .
يبحث المؤلف في تاريخ القبائل الأساسية بظفار أي الشحر والمهرة ويذهب استناداً إلى قراءات تاريخية لجواد علي والواسطي والهمداني ، وأبعد من ذلك إلى المصادر التوراتية والإنجيلية ، إلى أن هذه القبائل هي بقايا القبائل العربية القديمة التي تنسب إلى عاد الأول ، وأنها بقيت بعد تفكك المنطقة السامية القديمة وهي منطقة الأحقاف أو بلاد عاد . عرفت هذه القبائل لاحقاً بالمعيدندين ثم بالسبئيين والحُميريين ، وذلك ضمن الأقوام العربية ، التي كانت تندرج تحت هذه الأسماء . وفي التوارة دخلت ضمن قبائل أوفيرعوس وبارح وسبأ وغيرها . فهي إذن تنسب على ما يغلب الساحة التاريخية ، وذلك ضمن الإطار العربي السامي . أما حول المهرة والشحر فهم من سلالة واحدة هي سلالة مهر بن حيدان ، لذلك سميت المنطقة باسم أبيهم بلاد المهرة . كما عرفت ظفار ببلاد الشحرة نسبة إلى شحر بن قحطان مثلما يقول العوتبي الصحاري أو شحرايم مثلما ورد اسمه في التوارة .
في فصل خاص بالكتاب ، يتعرض الكاتب لتقديم حصر مفصل حول القبور القديمة في ظفار ، نخص بالذكر منها الأهم وهي قبور الأنبياء ، المختلف جداً حو صحة إنتسابهم إلى تلك الأرض من عدمها . والباحث يميل هنا إلى توثيق إنتساب الأنبياء : هود بن عابر ، وعابر بن هود ، وصالح بن هود ، والنبي أيوب بظفار . فالقبور إذن قبورهم . ولكنه يشكك فقط في قبر النبي عمران ، حيث لا يوجد نبي بهذا الاسم في المصادر العربية والتوراتية ، وإذا كان المقصود هو عمران والد مريم العذراء ، فالأصح إذن أن يكون قبره في فلسطين وليس ظفار . وحيث أن القبر هو أطول قبر في العالم ، يبلغ حوالي ثلاثين متراً ، فالاعتقاد السائد في هذه الحالة ، وهذا ما يؤكده الباحث أنه قبر لعائلة واحدة ، قُبر أفرادها الواحد تلو الآخر ، ثم أصبح لهم هذا القبر الطويل .
يعود الباحث لتأكيد وجهة نظره ، إلى قراءة تاريخ الأحقاف ، وهم سلالة قوم عاد ، التي كانت تعيش بجنوب الجزيرة العربية ، وما ذكر من أن النبي المبعوث إليهم قبره بالقرب من نبع ماء بقرية تدعى قوهوف والموقع يسمى حفوف ، وحتى الآن فالقرية تدعى بالعربية حفيف ، والموقع على ما هو عليه في المصادر التاريخية ، ويحوي على أربعة عيون هي : ضيوغوت ، عفيليه ، جيريه ، إشآم . ثم يميل إلى تأكيد صحة انتماء النبي صالح بن هود ، الذي بعث إلى الشحرة ، البقية الباقية من قوم عاد ، وكانت ثمة طقوس تكشف المزيد للباحثين ، ربما تكون قد اندثرت الآن ، المعروفة بإسم [ هيلي مكبور ] وهي أغان شحرية تقوم بها النساء حارسات القبر ينشدنها مهرولات إليه .
ويقدم الباحث عرضاً عميقاً حول صحة قبر الني أيوب ، ويستعين في إثباتاته بصحة وجوده هناك اعتماداً على مصادر تاريخية مختلفة أهمها التوراة ، وقصص الأنبياء لابن كثير . ويعقد مقارنات لغوية بين الشحرية والعربية ، وهو في ذلك يسير في نفس الاتجاه المعتمد على الدراسات والمقارنات اللغوية للهجات واللغات القديمة في الجزيرة العربية ، لإثبات فرضيات تاريخية مختلفة ، أهمها الدراسات التي أثارت جدلاً واسعاً منذ صدورها وحتى الآن ، وهي دراسات الأستاذ كمال الصليبي خاصةً كتابه : اليهود جاؤوا من الجزيرة العربية .
ولكن إذا كان افتراض ما سبق وتضمنه بحث الأستاذ الشحري ، والذي جاء وفقاً لمصادر تاريخية ودينية سبق ذكرها ، إلا أن بحوثاً أخرى غفل الباحث عن مناقشتها والحوار معها أو تفنيدها ، تقدم وجهات نظر مختلفة ، وتعتمد على مصادر تختلف ومصادر بحثه ، ونظراً لأهميتها كان لابد وأن نورد عرضاً سريعاً عنها .
1- هجرة الأعراق السامية إلى الجزيرة العربية لا منها :
في العقود الأخيرة تطورت دراسات التاريخ القديم ، كثيراً عما مضى من المسلمات ، التي أصبحت مراجعتها أمراً ضرورياً . أهمها نظرية الهجرات السامية من جزيرة العرب إلى خارجها ، خاصة مناطق الهلال الخصيب ، فما هو سائد أن اللغات السامية نشأت في الجزيرة العربية وهاجرت مع هجرة أعراقها من ثم إلى خارجها ، لكن الدراسات الحديثة التي يتبناها عدد من علماء الساميات مثل سابا تبنوموساكتي وبهرشي ودياكونوف والعربي السوري فراس السواح ، يظهرون شكاً في هذه الفرضية ، ويتم تبني أثر ذلك وجهة نظر معاكسة هي هجرة الأعراق السامية إلى الجزيرة العربية لا منها ، وذلك في أواخر عصر البرونز المبكر وأوائل العصر الوسيط أي حوالي 2000 عام قبل الميلاد ، أما سبب ذلك فيورد الأستاذ فراس السواح تفصيلاً حرياً بالدراسة ، إذ يرى بأنه خلال تلك الفترة وبعد ازدهار الحضارة الزراعية في سوريا منذ الألف الثامن قبل الميلاد ، أصاب المنطقة السورية جفاف حار وطويل أدى إلى أنهيار ثقافة البرونز المبكر ، وإلى اقتلاع للسكان وهجرات واسعة النطاق ، وتحول شرائح كبيرة من المزارعين المستقرين إلى الرعي المتنقل . ومن هذا المنظور تعد الهجرة السامية عكسية وباتجاه الجزيرة العربية لا منها . ( راجع فراس السواح : آرام دمشق وإسرائيل ، دار علاء الدين ، 1995م ) .
2- الجذر الحامي لأجناس الجزيرة العربية :
في دراسة ذات طابع أنثروبولوجي ، قدمها كل من : سير آرثر كيت وويلتون ماريون كروجمان ، وهي محاولة لتحديد سلالة الأجناس البشرية بجنوب الجزيرة العربية ، كتكملة لمشروع رائد قام به الكابتن برتراند توماس مؤلف كتاب البلاد السعيدة ، الذي أدرج سكان الجنوب ضمن الجنس الحامي بدلاً من الأجناس السامية . وهذه الفرضية تذهب إلى أن الجزيرة العربية كانت فيما مضى أرضاً خصبة تغري الأجناس الأخرى بالإغارة عليها . وبدراسة مقارنة للجماجم بين سكان شمال الجزيرة العربية وجنوبها ، وجد الاختلاف واضحاً وبيناً ، ففي الجنوب العربي يتميز السكان بالرؤوس العريضة في صحراء شاسعة ، أما في شماله فالرؤوس طولية وكبيرة . وكان الكابتن توماس أعد مجموعة من السجلات تتعلق بالمقاييس والصور ، تفسح جدلاً واسعاً حول موضوع الأجناس بجنوب الجزيرة العربية . أما احتمال وجود أصل مشترك لعرب الشمال وعرب الجنوب فهو أمرٌ يستبعده الباحث ، لذلك يذهب إلى اختلاف الأجناس الكلي بين سكان الجنوب والشمال . ( راجع ملحق البلاد السعيدة سير آرثركيت ، د.ويلتون ماريون كروجمان ، ترجمة محمد أمين عبدالله ، وزارة التراث والثقافة 1984م ) .
3- حداثة عهد عاد وثمود :
رائد هذا الطرح هو المؤلف الطبري ، الذي لم يجد لعاد وثمود ولهود وصالح ذكر في التوراة ، ما جعله يطرح أن هذه الحضارات إنما هي عربية ، وأن أهل الأخبار هم من ربط بينها والتوراة ، وأوجد لها صلةً ونسباً ، إذ في اعتقاده أن هذه الأقوام جاءت متأخرة وعاشت بعد الانتهاء من تدوين التوراة ، بل يذهب إلى أنها أقوام عاشت بعد ولادة المسيح عليه السلام ، وأن منها من عاش إلى عهد غير بعيد عن الإسلام ، ومن القرآن الكريم يفهم أن مساكن عاد بالأحقاف ” واذكر أخا عاد إذ نذر قومه بالأحقاف ” . والأحقاف : الرمل بين اليمن وعمان إلى حضرموت والشحر ، وديارهم : بالدو ، والدهناء ، ويدين ، ووبار إلى عمان وحضرموت .
4- النبي هو كاسم لجماعة من اليهود :
يتبنى هذا الاتجاه عدد من المستشرقين ، الذين اعتبروا أن هوداً تعني اليهود ، أي الدخول في اليهودية ( راجع المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي ) . وبعض النسّابين أضافوا أن هوداً اسم لجماعة من اليهود جاءت إلى بلاد العرب وأقامت في الأحقاف ، وحاولت تهويد الوثنيين ، وعرفوا بيهوذا ومنها جاءت كلمة هود .
ويضيف الدكتور جواد علي: أن الرواة زعموا أن هوداً ارتحل هو ومن معه من المؤمنين بعد النكبة التي حلت بقومه من الكافرين من أرض عاد إلى الشحر حيث دفن فيها . وكتب الواقدي مؤكداً صحة قبره الحالي المعروف : [وقبر هود فإنه في حقف من الرمل ، تحت جبل من جبال اليمن ، عليه شجرة تندى ، وموضعه أشد الأرض حراً] !
ومع ذلك ، ينبغي أن نشد بحرارة على يد هذا الباحث الجاد والمتميز ، الذي أتاح لنا أفقاً جديداً لقراءة جديدة في تاريخنا القديم .

Land of Rocks 2

صورة ارض الصخور بعدسة : سالم الوردي ( www.swardi.com )

كتاب لغة عـاد


[ قراءة نقدية لسما عيسى ]


يحتل هذا الكتاب المرجعي ، مكانةً هامة في حقل دراسات العالم القديم ، لخصوصية مادته وغناها وتفردها . وهو حصيلة جهود استمرت اثنتا عشر عاماً . والكتاب يحفر في أرضٍ بكر ، مازالت بحاجة إلى مزيد من البحث والتحقيق ، وهو الثاني لمؤلفه الباحث الأستاذ علي بن أحمد الشحري بعد كتابه الأول : ظفار كتاباتها ونقوشها القديمة .

وومضة مضيئة كهذه ، لا يضطلع بها فرد ، بل يجب أن تدعمها المؤسسات الثقافية والعلمية لما لديها الإمكانيات الكافية ، لذلك تتجه الأنظار بعد هذه التجربة الرائدة للأستاذ الشحري إلى جامعة السلطان قابوس ، وجامعة ظفار ، وإلى وزارة التراث القومي والثقافة ، نحو إنشاء قسم خاص لدراسة اللغات القديمة بظفار والحفاظ عليها وعلى تراثها الثقافي من الاندثار والضياع ، ودراسة الحضارات الغابرة التي سادت وبادت ، لكي لا نجعل تراث أرضنا نهباً لانقراص الرياح ، وأيضاً كي تدخل معترك الدراسات والبحوث التي تدرس تراث هذه المنطقة الخصبة من العالم القديم .

وكان باحثون أكفاء نادوا بذلك منذ أمدٍ طويل ، أهمهم المرحوم الدكتور جواد علي في كتبه المرجعي المفصل تاريخ العرب قبل الإسلام ، وقد كتب قائلاً : وفي العربية الجنوبية قبائل تتكلم اليوم بلهجات يرجع نسبها إلى اللهجات العربية الجنوبية القديمة ، لأن في ألفاظها وفي تراكيب جملها ودراستها في هذا اليوم ، ضرورة لازمة لمن يريد الوقوف على تاريخ اللغة العربية قبل الإسلام . ويستطرد الدكتور جواد علي قائلاً : لنتعرف على أصول هذه القبائل والأماكن التي جاءت منها والأثر الذي تأثرت به من القبائل . وهذا التغير الذي أشير إليه هو شيء طبيعي وقع قبل الإسلام ، كما وقع في الإسلام ، فقد ماتت الأسماء الجاهلية في الإسلام وحلت محلها أسماء إسلامية ، وماتت ألفاظ جاهلية بسبب إماتة الإسلام لها ، أو إعراضه عن استعمالها أو بسبب تغير الذوق ، فلم تعد تصلح للاستعمال ، وولدت ألفاظ إسلامية لم تكن معروفة عند الجاهليين . فكلمة الجدشة مثلاً ، تعود إلى جشت العربية ، التي حكمت تلك البلاد ، وهي كلمة عربية جاءت من أجديش ، وتعني جمع الشيء بطريقة جشعة.

إن ذلك يخرج عن نطاق شبه الجزيرة العربية ، إذ يمتد هذا المعنى في أعماق التاريخ إلى الهجرات العربية القديمة ، جنوباً إلى الحبشة ، ودولة أكسوم .

يبحث المؤلف في تاريخ القبائل الأساسية بظفار أي الشحر والمهرة ويذهب استناداً إلى قراءات تاريخية لجواد علي والواسطي والهمداني ، وأبعد من ذلك إلى المصادر التوراتية والإنجيلية ، إلى أن هذه القبائل هي بقايا القبائل العربية القديمة التي تنسب إلى عاد الأول ، وأنها بقيت بعد تفكك المنطقة السامية القديمة وهي منطقة الأحقاف أو بلاد عاد . عرفت هذه القبائل لاحقاً بالمعيدندين ثم بالسبئيين والحُميريين ، وذلك ضمن الأقوام العربية ، التي كانت تندرج تحت هذه الأسماء . وفي التوارة دخلت ضمن قبائل أوفيرعوس وبارح وسبأ وغيرها . فهي إذن تنسب على ما يغلب الساحة التاريخية ، وذلك ضمن الإطار العربي السامي . أما حول المهرة والشحر فهم من سلالة واحدة هي سلالة مهر بن حيدان ، لذلك سميت المنطقة باسم أبيهم بلاد المهرة . كما عرفت ظفار ببلاد الشحرة نسبة إلى شحر بن قحطان مثلما يقول العوتبي الصحاري أو شحرايم مثلما ورد اسمه في التوارة .

في فصل خاص بالكتاب ، يتعرض الكاتب لتقديم حصر مفصل حول القبور القديمة في ظفار ، نخص بالذكر منها الأهم وهي قبور الأنبياء ، المختلف جداً حو صحة إنتسابهم إلى تلك الأرض من عدمها . والباحث يميل هنا إلى توثيق إنتساب الأنبياء : هود بن عابر ، وعابر بن هود ، وصالح بن هود ، والنبي أيوب بظفار . فالقبور إذن قبورهم . ولكنه يشكك فقط في قبر النبي عمران ، حيث لا يوجد نبي بهذا الاسم في المصادر العربية والتوراتية ، وإذا كان المقصود هو عمران والد مريم العذراء ، فالأصح إذن أن يكون قبره في فلسطين وليس ظفار . وحيث أن القبر هو أطول قبر في العالم ، يبلغ حوالي ثلاثين متراً ، فالاعتقاد السائد في هذه الحالة ، وهذا ما يؤكده الباحث أنه قبر لعائلة واحدة ، قُبر أفرادها الواحد تلو الآخر ، ثم أصبح لهم هذا القبر الطويل .

يعود الباحث لتأكيد وجهة نظره ، إلى قراءة تاريخ الأحقاف ، وهم سلالة قوم عاد ، التي كانت تعيش بجنوب الجزيرة العربية ، وما ذكر من أن النبي المبعوث إليهم قبره بالقرب من نبع ماء بقرية تدعى قوهوف والموقع يسمى حفوف ، وحتى الآن فالقرية تدعى بالعربية حفيف ، والموقع على ما هو عليه في المصادر التاريخية ، ويحوي على أربعة عيون هي : ضيوغوت ، عفيليه ، جيريه ، إشآم . ثم يميل إلى تأكيد صحة انتماء النبي صالح بن هود ، الذي بعث إلى الشحرة ، البقية الباقية من قوم عاد ، وكانت ثمة طقوس تكشف المزيد للباحثين ، ربما تكون قد اندثرت الآن ، المعروفة بإسم [ هيلي مكبور ] وهي أغان شحرية تقوم بها النساء حارسات القبر ينشدنها مهرولات إليه .

ويقدم الباحث عرضاً عميقاً حول صحة قبر الني أيوب ، ويستعين في إثباتاته بصحة وجوده هناك اعتماداً على مصادر تاريخية مختلفة أهمها التوراة ، وقصص الأنبياء لابن كثير . ويعقد مقارنات لغوية بين الشحرية والعربية ، وهو في ذلك يسير في نفس الاتجاه المعتمد على الدراسات والمقارنات اللغوية للهجات واللغات القديمة في الجزيرة العربية ، لإثبات فرضيات تاريخية مختلفة ، أهمها الدراسات التي أثارت جدلاً واسعاً منذ صدورها وحتى الآن ، وهي دراسات الأستاذ كمال الصليبي خاصةً كتابه : اليهود جاؤوا من الجزيرة العربية .

ولكن إذا كان افتراض ما سبق وتضمنه بحث الأستاذ الشحري ، والذي جاء وفقاً لمصادر تاريخية ودينية سبق ذكرها ، إلا أن بحوثاً أخرى غفل الباحث عن مناقشتها والحوار معها أو تفنيدها ، تقدم وجهات نظر مختلفة ، وتعتمد على مصادر تختلف ومصادر بحثه ، ونظراً لأهميتها كان لابد وأن نورد عرضاً سريعاً عنها .

1- هجرة الأعراق السامية إلى الجزيرة العربية لا منها :

في العقود الأخيرة تطورت دراسات التاريخ القديم ، كثيراً عما مضى من المسلمات ، التي أصبحت مراجعتها أمراً ضرورياً . أهمها نظرية الهجرات السامية من جزيرة العرب إلى خارجها ، خاصة مناطق الهلال الخصيب ، فما هو سائد أن اللغات السامية نشأت في الجزيرة العربية وهاجرت مع هجرة أعراقها من ثم إلى خارجها ، لكن الدراسات الحديثة التي يتبناها عدد من علماء الساميات مثل سابا تبنوموساكتي وبهرشي ودياكونوف والعربي السوري فراس السواح ، يظهرون شكاً في هذه الفرضية ، ويتم تبني أثر ذلك وجهة نظر معاكسة هي هجرة الأعراق السامية إلى الجزيرة العربية لا منها ، وذلك في أواخر عصر البرونز المبكر وأوائل العصر الوسيط أي حوالي 2000 عام قبل الميلاد ، أما سبب ذلك فيورد الأستاذ فراس السواح تفصيلاً حرياً بالدراسة ، إذ يرى بأنه خلال تلك الفترة وبعد ازدهار الحضارة الزراعية في سوريا منذ الألف الثامن قبل الميلاد ، أصاب المنطقة السورية جفاف حار وطويل أدى إلى أنهيار ثقافة البرونز المبكر ، وإلى اقتلاع للسكان وهجرات واسعة النطاق ، وتحول شرائح كبيرة من المزارعين المستقرين إلى الرعي المتنقل . ومن هذا المنظور تعد الهجرة السامية عكسية وباتجاه الجزيرة العربية لا منها . ( راجع فراس السواح : آرام دمشق وإسرائيل ، دار علاء الدين ، 1995م ) .

2- الجذر الحامي لأجناس الجزيرة العربية :

في دراسة ذات طابع أنثروبولوجي ، قدمها كل من : سير آرثر كيت وويلتون ماريون كروجمان ، وهي محاولة لتحديد سلالة الأجناس البشرية بجنوب الجزيرة العربية ، كتكملة لمشروع رائد قام به الكابتن برتراند توماس مؤلف كتاب البلاد السعيدة ، الذي أدرج سكان الجنوب ضمن الجنس الحامي بدلاً من الأجناس السامية . وهذه الفرضية تذهب إلى أن الجزيرة العربية كانت فيما مضى أرضاً خصبة تغري الأجناس الأخرى بالإغارة عليها . وبدراسة مقارنة للجماجم بين سكان شمال الجزيرة العربية وجنوبها ، وجد الاختلاف واضحاً وبيناً ، ففي الجنوب العربي يتميز السكان بالرؤوس العريضة في صحراء شاسعة ، أما في شماله فالرؤوس طولية وكبيرة . وكان الكابتن توماس أعد مجموعة من السجلات تتعلق بالمقاييس والصور ، تفسح جدلاً واسعاً حول موضوع الأجناس بجنوب الجزيرة العربية . أما احتمال وجود أصل مشترك لعرب الشمال وعرب الجنوب فهو أمرٌ يستبعده الباحث ، لذلك يذهب إلى اختلاف الأجناس الكلي بين سكان الجنوب والشمال . ( راجع ملحق البلاد السعيدة سير آرثركيت ، د.ويلتون ماريون كروجمان ، ترجمة محمد أمين عبدالله ، وزارة التراث والثقافة 1984م ) .

3- حداثة عهد عاد وثمود :

رائد هذا الطرح هو المؤلف الطبري ، الذي لم يجد لعاد وثمود ولهود وصالح ذكر في التوراة ، ما جعله يطرح أن هذه الحضارات إنما هي عربية ، وأن أهل الأخبار هم من ربط بينها والتوراة ، وأوجد لها صلةً ونسباً ، إذ في اعتقاده أن هذه الأقوام جاءت متأخرة وعاشت بعد الانتهاء من تدوين التوراة ، بل يذهب إلى أنها أقوام عاشت بعد ولادة المسيح عليه السلام ، وأن منها من عاش إلى عهد غير بعيد عن الإسلام ، ومن القرآن الكريم يفهم أن مساكن عاد بالأحقاف ” واذكر أخا عاد إذ نذر قومه بالأحقاف ” . والأحقاف : الرمل بين اليمن وعمان إلى حضرموت والشحر ، وديارهم : بالدو ، والدهناء ، ويدين ، ووبار إلى عمان وحضرموت .

4- النبي هو كاسم لجماعة من اليهود :

يتبنى هذا الاتجاه عدد من المستشرقين ، الذين اعتبروا أن هوداً تعني اليهود ، أي الدخول في اليهودية ( راجع المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي ) . وبعض النسّابين أضافوا أن هوداً اسم لجماعة من اليهود جاءت إلى بلاد العرب وأقامت في الأحقاف ، وحاولت تهويد الوثنيين ، وعرفوا بيهوذا ومنها جاءت كلمة هود .

ويضيف الدكتور جواد علي: أن الرواة زعموا أن هوداً ارتحل هو ومن معه من المؤمنين بعد النكبة التي حلت بقومه من الكافرين من أرض عاد إلى الشحر حيث دفن فيها . وكتب الواقدي مؤكداً صحة قبره الحالي المعروف : [وقبر هود فإنه في حقف من الرمل ، تحت جبل من جبال اليمن ، عليه شجرة تندى ، وموضعه أشد الأرض حراً] !

ومع ذلك ، ينبغي أن نشد بحرارة على يد هذا الباحث الجاد والمتميز ، الذي أتاح لنا أفقاً جديداً لقراءة جديدة في تاريخنا القديم .

العدد الثاني ثقافة وفكر

عن الكاتب

سما عيسى

.
.
.
.