ما هي الطاقة المظلمة؟

ماهي الطاقة المظلمة؟[1]

عالم الفيزياء: يتوسع الكون، ومعدل توسعه يتسارع. فإن كان الكون ممتلئا بالمادة (بنوعيها العادية والمظلمة) والطاقة فقط فإنّنا سوف نتوقع تباطأً في توسعه. والطاقة المظلمة هي الشيء المسؤول عن ذلك التسارع، أما عن ماهية ذلك الشيء فبحوزتنا تخمينات معرفية مثيرة للاهتمام.

في الماضي توصل آينشتاين لبعض الاستنتاجات بعد أن أمضى وقتاً وهو يفكر في سقوط المصاعد والصواريخ. قاد ذلك إلى طريقة لوصف طبيعة الجاذبية (السقوط وغيره) من حيث كل من هندسة الزمكان والعلاقة بين تلك الهندسة وبين الكمية الموجودة من المادة والطاقة. ويمكن استخدام معادلات آينشتاين للمجال في وصف كيفية تأثر الزمان والمكان بوجود كتل ضخمة من المادة كالكواكب والنجوم، ويمكن استخدامها لشرح/أو التنبؤ بالمدار الغريب لعطارد ومجموعة أمور أخرى، وقد اجتازت تلك المعادلات كل الاختبارات التي أخضعت لأجلها بنصر باهر. إن النقطة الأخيرة بالغة الأهمية: فمن السهل التوصل إلى نظريات جديدة تتصف بالجنون، لكن المشقة تكمن في التوصل إلى نظريات تتنبّأ بدقّة بنتائج لم تكن مفهومة قبلها.

تساءل فريدمان والذي تزامن أنه كان يفكر في الكون بأكمله يوما ما، ما بين معادلات آينشتاين للمجال المتعلقة بالكتلة/الطاقة وبين شكل الزمكان. وتأمل فريدمان: ماذا سيحدث عند تطبيق هذه المعادلات على الكون ككل؟ افترض في البداية بأن المكان يتمدد أو ينكمش بمرور الزمان (ولم لا؟)، ثم ألقى ذلك الافتراض على معادلات آينشتاين للمجال ليرى إن كانا سيتعالقان. وقد وجد أن ذلك أسهل مما يبدو وإلى حد مدهش.

 

 

السيد/ (Алекса́ндр Алекса́ндрович Фри́дман الكسندر فريدمان) رجل بمظهر تماما كالذي تأمل أن تراه عليه.

 

توزعت مادة الكون وطاقته بشكل متساو تقريبا على مدار مدة زمنية تفوق التصور. وفي مستوى كهذا فإننا نصف المادة والطاقة في الكون ب” السائل الكوني”، لأنه وفي المستويات الكبرى فإنه وحتى الكتل العظيمة من المادة يتعذر تمييزها كتعذر تمييز الذرات في الماء. هذه الكتل العظيمة (وعلى حد علمنا) هي عناقيد مجرّية (نسبة إلى المجرات) فائقة، ويمتد العنقود الذي ننتمي إليه عبر نصف مليار سنة ضوئية، ومن المحتمل أن هناك عدة ملايين من العناقيد الفائقة في الكون المنظور. هذا في الكون المنظور فقط. إذ أن محاولة تخمين حجم الكون بأكمله استنادا إلى الجزء الذي يمكننا مشاهدته منه هو كمحاولة تخمين حجم الأرض من خلال الوقوف على حقل لا يُعرف أوله من آخره.

 

باعتبار أنك في مكان ما هنا، هل يمكنك الإجابة عن مدى حجم ما تراه؟

تقصر الكلمات تماما عند محاولة وصف مقدار ما هنالك “مما يوجد هناك”، بمعنى أن كل ما يهمنا لاستنتاج سلوك الكون ككل هو متوسط كثافة المادة والطاقة، وهي متساوية تقريبا في أي مكان منه، لا ينبغي عليك أن تهتم بكل نجم أو مجرة في الكون أو حتى بحجم الكون ككل، كما أنه لا عليك أن تهتم بكل حبة رمل في كومة رمل.

عندما قال فريدمان بأن الكون يمكن أن يتوسع أو ينكمش بمرور الزمن قالها بهذه الأسلوب:

وهي معادلة الفترة الزمكانية ( التي توضح كيفية قياس المسافة في الزمكان) بإضافة صيغة تحجيم ،حيثa(t)  هي دالة عامل التحجيم مع الزمن فإذا تضاعفت a(t)، فهذا يعني أن المسافة بين أي نقطتين في المكان قد تضاعفت، وهكذا فإذا استنتجت كيف تتغير دالة عامل التحجيم  a(t)بمرور الزمن فإنه يمكنك وصف كيفية توسع أو انكماش الكون بمرور الزمن، تجدر الإشارة إلى أن دالة عامل التحجيم مع الزمن a(t) تصف كذلك الانزياح الأحمر الكوني للضوء، إذ أنه وإذا تضاعفت a(t) فيما بين انبعاث الضوء وامتصاصه، فإن الطول الموجي للضوء (كما الفضاء الذي يسافر من خلاله) ستتضاعف والأطوال الموجية الأكبر ستجنح لاحمرار أكثر، وقد انبعث الضوء الأقدم في الكون عندما كانت a(t) أصغر بألف ومئة مرة مما هي عليه حاليا.

 

 

 

يتبين من معادلات آينشتاين (وإن كان هذا غير واضح تماما) أنها تحدد وجود علاقة بين دالة عامل التحجيم مع الزمن وبين مقدار يشار إليه بالرمز (w) ذي الاسم الغريب وهو “معادلة الحالة”[2]، وهذه هي المعادلة التي تمثل ذلك  ، حيث (k) هو عدد ثابت.  ففي كون ممتلئ بالإشعاعات (الضوء، النيوترينوات، والمادة المتحركة بسرعة تقترب من سرعة الضوء) تكون قيمة (w) مساوية لواحد على ثلاثة (1/3)، وفي كون ممتلئ بالمادة المعتادة (تتضمنك وأشياؤك وبالأساس كل شيء آخر إضافة إلى المادة المظلمة)تكون قيمة w  مساوية للصفر (0). وفي كلا الحالتين يتوسع الكون، ومعدل توسعه متباطئٌ للأبد .

وبتوسع الكون تقل كثافة كل من المادة والإشعاعات، وذلك لوجود مزيد من المساحة لتنتشر فيها، ولكن الإشعاعات لا تنتشر أكثر فحسب، ولكنها تجنح للاحمرار أيضا، وهذا يعني أن كثافة طاقة الإشعاعات تنخفض أسرع من كثافة طاقة المادة المعتادة، وهكذا يمكننا توقع أن (w) وهي تصف مجموع كلا من المادة والإشعاع يجب أن تكون في نطاق  . ونظرا لأن توسع الكون يقلل من كثافة طاقة الإشعاعات أكثر منه لدى المادة، فإنه وبمرور الوقت ستتجه قيمة w  للاقتراب من الصفر كون المادة تضحى أكثر هيمنة.

توسّع المكان يؤدي إلى تناقص كثافة طاقة المادة عبر نشرها، ويؤدي إلى تناقص كثافة طاقة الإشعاع عبر نشره أيضًا إضافة إلى جنوحه للاحمرار. لكن توسّع المكان لا يؤدي إلى تناقص كثافة الطاقة المظلمة. على العكس يبدو أنه يخلق المزيد منها.

ولكن هاك الأمر المهم، فمنذ منتصف التسعينات غدا بوسعنا إثبات أن توسع الكون يتسارع ولا يتباطأ، ولأجل حدوث ذلك فإن معادلة حالة الكون يجب أن تكون   ، w   مساوية لسالب 1/3 أو أصغر منه. وهذا كان صادما إلى حد ما لعلماء الكون. ولكن هذا هو المغزى من العلم الجيد، أن تكون تحت سلطة التجارب والملاحظة. التقدم.

وبناء على فحص دقيق للكون المتوسع وجدنا أن تضمين “أشياء” في معادلة الحالة حيث (w) = -1 سيكون أمرا ملائما جدا. وهذا يتوافق مع الطاقة السالبة المنتظمة ذات الكثافة الثابتة. وهناك عدة أمور تتعلق بهذا وهي غريبة إلى حد ما، فالكثافة الثابتة تعني أن مزيدا من هذه الطاقة توجد كلما توسع الكون. وبينما تقل كثافة المادة والإشعاعات في الواقع أقل فأقل بتوسع الكون، فإن كثافة هذه الطاقة الجديدة الغريبة لا تقل. وواقع أن لها طاقة سالبة هو الأكثر غرابة في سلسلة الغرائب المتعلقة بها.

ولأنهم لا يعرفون اسما آخر يطلقونه عليها، فقد لقّب علماء الفيزياء هذا الشيء المنتظم غير القابل للتخفيف، ذو الطاقة السالبة بلقب ( المادة المظلمة). فإن كنا لا نملك فكرة عن هذا الشيء فإن هذا ليس سببا كافيا لعدم تسميته. ولسوء الحظ فمن الصعوبة دراسة الطاقة المظلمة والمادة المظلمة (ومن هنا جاءت التسمية) لهذا فمعرفة ما يوجد تحديدا من كمية كل منهما حولنا هو أمر شائك، ولكن وأخذا بالاعتبار المادة والطاقة الموجودة حاليا فإنه يوجد هناك 75% من الطاقة المظلمة تقريبا، و20% من المادة المظلمة، و5% أو أقل من المادة المعتادة. وبمرور الزمن ستصل نسبة المادة المظلمة إلى 100% ذلك أن توسع الكون يخفف من مجموع المادة والإشعاعات.

يمكن أن نستنتج وجود الطاقة المظلمة بشكل أساسي لأن نماذج الكون التي تأخذ وجود الطاقة المظلمة في الاعتبار تقوم بمهمتها جيدا في وصف التطور الملاحَظ للكون، بينما النماذج التي لا تأخذ الطاقة المظلمة في الاعتبار تقوم بمهمتها بشكل رديء. ذلك لأن كمية الطاقة المظلمة تبدو متناسبة مع كمية ما يوجد من الفضاء، ويبدو معقولا إلى حد ما القول أن الطاقة المظلمة هي “طاقة الفضاء الفارغ”. ومهما يكن ما يفترض أن يعنيه ذلك فإنه الآن موضوعا حيا للنقاش والجدل. وهناك مجموعة من المنظرين والتجريبيين يحاولون جاهدين الكشف عن الطاقة المظلمة أو وصفها، ومع شيء من الحظ فقد يتمكنون من ذلك.

___________________________________________________________________________

[1] هذا المقال هو ترجمة لمقال “What is dark energy?” على الرابط http://www.askamathematician.com/2016/08/q-what-is-dark-energy/

[2] معادلة الحالة لسائل مثالي يرمز لها بالرمز (w) وهو عدد لا أبعاد له، يساوي النسبة بين ضغط سائل وكثافة طاقته(الضغط على الكثافة)، المترجم.

العدد الحادي والثمانون ثقافة وفكر

عن الكاتب

صالح بن علي الفلاحي

كاتب عماني