الفلسفة في سياق الوعظ الديني

لـ

حاولتُ في المقال السابق إيجاز محاضرة سيف الهادي حول عقيدة الصدمة وعلاقتها بسلطنة عمان وأهم المآخذ عليها، من خلال الطرح الموجز لمضامينها، وإيضاح الإشكالات المنهجية والمعرفية فيما يتعلق بجزء العقيدة كما طرحتها نعومي كلاين في الطبعة الثالثة من الترجمة العربية في بيروت (2011)، وفي هذا المقال أستكملُ بيان الإشكالات المنهجية والمعرفية ولكن في الجزء الأول المرتبط بالفلسفة التي زجّ بها الهادي دونما وشائج معرفية أو منهجية أو علاقات واضحة، وحتى أحافظ على المساحة المتاحة في المقال فإنني سأختار بعض النماذج من الأسماء المعلنة في محاضرته، وأترك الباقي للقارئ يتتبع إشكالات المطروح بنفسه.  إنني أعتقد أن الدوافع الفعلية لاستدعاء الفلسفة في المحاضرة مع انعدام العلاقة بالموضوع أو الوعي به تتمثل إما في الرغبة الدائمة من التيارات الدينية في الإعلان عن وجود مؤامرة ضد أحباب الله منذ اللحظة الأولى من وفاة النبي (ص) على الرغم من أن الافتراق صناعة إسلامية محضة لا علاقة لليهود ولا النصارى بها، والفتنُ في الرعيل الأول إنما هي صراع حول السلطة والثروة؛ وإما في رغبة المحاضر في حقل الفلسفة وتساؤلاتها؛ لتسجيل حضور فيها ليحظى باحترام المتلقي وكل ذلك مشروع، ولكنه قابل للتمحيص والنقد. أتوقّف في المقال على ثلاث قضايا تمثِّل عينة من الطرح المشوّه في محاضرة الهادي بشأن الفلسفة؛ الأولى تتعلق برينيه ديكارت، والثانية بإيمانويل كانط، والثالثة بالبراغماتية المختزلة والمغلوطة لا سيما في الأوساط الدينية، كما أنني سأحرص أن يكون الحديث مكثفا ومركزا دونما استطرادات لضيق المقام؛ لأن الهدف هو الكشف عن الإشكالات وليس تقديم شروح عن النظريات. إن البعد الهُوياني الذي يؤدي إلى تماسك الأمة باشتغاله الدائم بوصفه عاملا مهما وحاسما لا يمكن أن يتشكل دون وجود نزعات دينية، وعدو يتربص بالأمة، وعندما تفتقد التياراتُ الدينية أو الأصوات المحذِّرة من غياب التماسك “العدوَ المتربِّص” فإنها تلجأ إلى صناعة العدو وتكريس الخوف منه في الأفراد والمجتمعات، فالعدو موجود في كل الحالات سواء أكان حقيقة أم وهما؛ كما أن البعد الديني اليوم لا يمتلك العُدة المنهجية التي يستطيع بها أن يقدم جدلا علميا متماسكا إزاء العقائد فضلا عن الفلسفة؛ لذلك يلجأ الخطاب الديني إلى البرهنة على أن العدو يتهاوى بسبب ضعف أفكاره وأطروحاته، وهذا الهاجسُ دفع المحاضر دفعا واضحا إلى الدخول في منظومة خطابية لسرد أسماء الفلاسفة ابتداء بديكارت؛ ليعلن أن نظرياتهم لا تقوى على الصمود أمام الحقيقة الإسلامية الكبرى، وأن الغرب يعاني من صراع فكري مقابل تماسك المسلمين وقوتهم استجابة من المحاضر إلى نداءات الخطاب الديني السائد لا سيما بشأن العقل والتفكير وقضايا النص والماضي مقابل الواقع اليومي. إن معظم الفلاسفة الذين طرح الهادي أسماءهم، وزج بهم في عِقد المؤامرة التي يدّعيها هم مفكرون وأصحاب نظريات إما في الفلسفة الأخلاقية، وإما في المنطق وفلسفة العلم، وإما في الفلسفة السياسية، أو السيكلوجيا واللسانيات أو في جميعها، ولهم إسهامات رصينة ما تزال المجتمعات الغربية والشرقية تحصد منهم في تنظيم بلدانهم الخير والصلاح؛ فهاجس تطوير المنطق، وإيجاد سبيل لوضع منهج رصين للفلسفة هو الذي يشغل هؤلاء الفلاسفة؛ والذين كان لبعضهم – مثل كانط – الفضل في استقبال اللاجئين المسلمين في بلدانهم بسبب نظريته الأخلاقية في الواجب والإرادة الخيرة.  بدأت المحاضرة برينيه ديكارت من حيث إنه نقطة الحداثة؛ بتعبيرات اختزالية سلكها المحاضر، وحتى نقارب صورة الفكر الديكارتي نشير إلى مرتكزات مهمة في فلسفته:أولا اكتشاف الكوجيتو فهو يرى أن تشعب القوانين وكثرة الحدود في الدولة لا يمنع الناس من ممارسة الرذيلة بقدر ما تؤدي إلى تقديم أعذار لها، ويمكن أن تكون الدولة أكثر تنظيما بقوانين قليلة؛ لقد وازن ديكارت بين الدولة والفكر وناظر بينهما واختزل قواعد المنطق الطبيعي في أربعة مبادئ؛ تمثلت في أن لا يقبل أيَّ شيء على أنه حقيقة دون فحص ومعرفة واضحة؛ وضرورة الابتعاد عن التسرّع والظن، وتقسيم كل الصعوبات إلى أجزاء لحلها، وتسيير الأفكار وفق نظام يبتدئ بأبسط المواضيع إلى أكثرها تركيبا، وأخيرا أن يقوم الفكر بتعدادٍ على درجة من الاكتمال، ومراجعات شاملة لا يشذ شيء منها (ديكارت، 2008)، وكان يدرك عندما اعتقد أن كلَّ الأشياء التي تسربت إلى ذهنه خاطئة أو موهومة أنه كان هو الذي يسعى إلى هذا التفكير فهو واع به وبعملياته، قائلا: “أن أكون أنا الذي فكرت ذلك شيئا ما، ولما رأيت أن هذه الحقيقة: أنا أفكر، إذاً فأنا كائن على نحو من اليقين والثبات؛ بحيث لا تستطيع أن تزعزعها أكثر افتراضات الريبيين شططا، حكمتُ بأنني أستطيع قبولها، دون تحفظ بوصفها أول مبدأ للفلسفة التي كنت أبحث عنها” (ديكارت، 2008: 161- 166). ثانيا: مُعتمد الكوجيتو “الأنا أفكر” الديكارتي هو الشكٍّ المنهجي المصطنع، انطلاقا من هذه الذات المفكرة، فديكارت ليس شكوكيا أو هدّاما للعقل؛ وحتى يتضح الأمر عند المحاضر وغيره فإنني أودّ الإشارة إلى أن إدراك الذات ليس أولية ديكارتية كما أنه ليس تأليها للعقل أو مؤامرة ضد المسلمين فهو يفكر في المنهج بعيدا عن المسلمين؛ علما بأن هذا التفكير بالذات ليس غريبا عن الحضارة الإسلامية؛ إذ نلاحظ وجوده في التراث الإسلامي نفسه عند كلٍّ من الرئيس ابن سينا (ت 427هـ) في برهان الرجل المعلق، والسهروردي (ت586هـ) شهاب الدين المقتول في إثبات تجرُّد النفس؛ على أن الفرق بين ديكارت وفلاسفة الإسلام في أن إثبات النفس هو إثبات للوجود عند المسلمين؛ لذلك جعل الصدر الشيرازي أولى الأوليات التصورية هي الوجود، وأولى الأوليات التصديقية هي مبدأ عدم التناقض، وفي ذلك إشارة أخرى في اتفاق إسلاميٍّ مع إمانويل كانط حول مضمونية المنطق المجاوز مقابل المنطق الرياضي الصوري العام؛ وهنا تأتي أهمية تجريد النفس عند شيخ الإشراق بحيث إنك لا تغيب عن ذاتك عندما تغفل عن أعضائك؛ فذاتك معقولة لك دون أجزاء بدنك وهيئاتها (السهوردي، 2014: 124- 125)؛ والذات لا تدرك ذاتَها فحسب، وإنما تدرك تفكيرها؛ فعدم غياب الذات عن الذات يُعدُّ تمفصلا لها وموضوعا لها كذلك.  يقول الرئيس ابن سينا: “ارجع إلى نفسك وتأمل هل إذا كنت صحيحا بل وعلى بعض أحوالك غيرها بحيث تفطن للشيء فطنة صحيحة هل تغفل عن وجود ذاتك ولا تثبت نفسك. ما عندي أن هذا يكون للمستبصر حتى أن النائم في نومه والسكران في سكره لا يَعزُب ذاته عن ذاته، وإن لم يثبت تمثله لذاته في ذكره، ولو توهمت أن ذاتك قد خلقت أول خلقها صحيحة العقل والهيئة وقد فرض أنها على جملة من الوضع والهيئة لا تُبصر أجزاؤها ولا تتلامس أعضاؤها؛ بل هي منفرجة ومعلقة لحظة ما في هواء طلق وجدتها قد غفلت عن كل شيء إلا عن ثبوت إنيّتها” (ابن سينا، جـ2/ 292)، وعند العودة إلى اللوغوس Logos نلاحظ أن من بين دلالاته الخطابَ أو اللغة؛ بحيث يمكن القول إن الذات المتكلمة هي ثابت اليقين في القرآن أيضا: ” فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ”، وفي تقسيم ديكارت للأفكار إلى فطرية، وعرضية، ومركبة نلاحظ أن الفطرية هي الغريزية المتأصلة في الإنسان كفكرة الله، والامتداد، والنفس، وهي تقوم في العقل سابقة على كل تجربة (لزيق، 2014)؛ فلا أدري ما علاقة ديكارت بالصدمة وما يريد الهادي إثباته دون قراءة متأنية من تأليه العقل كما يدعي؟ تأتي المحطة الثانية متمثلة في ادعاء المحاضر أن إمانويل كانط قد حدد العقل بمقولات، وجعل إنتاجه في ظرف الزمان والمكان، وهذا لعمري اختزال غريب ينم عن إشكال في الفهم والطرح؛ بحيث إن الإنسان لا يحترم عقل المتلقي ولا مسارات المعرفة أو مناهجها ومظانّها، ولا يكلف نفسه لقراءة النظريات قراءة تجعل الذات متشبعة ومستوعبة لها؛ ويمكن توضيح الموضوع في الآتي: أولا: يجب التفريق بين المنطق العام وفلسفة المنطق أو أساسه الإبستمولوجي؛ فالأول هو الذي وضعه أرسطو، وهو المنطق الصوري العام الذي يهتم بشكل الفكر بصرف النظر عن مضمونه، فأرسطو لم يكن واضحا في تفسير أساس المنطق، ويُقصد بالأساس الأرضية التي تجعل التفكير يسير بهذه الطريقة المسماة بالمنطق؛ وعليه فإن كانط هو أول من يدرك أن نظرية في المعرفة لا يمكن تأسيسها بمعزل عن المنطق العام لتكون أساسا لهذا المنطق الصوري؛ لأنه رأى أن دراسة طريقة التفكير يجب أن تنصرف إلى البحث عن مضامين التفكير وليس شكله فحسب؛ أو عن كيفية حصول الفكر الإنساني على التصورات المنطقية في خبرته المعرفية قبل ترتيبها في الأشكال الصورية، وهذا المنطق هو منطق قبلي مجاوز للمنطق العام ومؤسس له وهو المنطق الترنسندنتالي (منصور، 2016). ثانيا: لا أدري كيف تصور الهادي أن كانط هو الذي حدد العقل بالمقولات؟ ولو تمعن في الأمر لوجد أن كتب الأوائل من المسلمين متوفرة على المقولات العشر التي يزعم أنها محددات كانط للعقل لا سيما وهو ينتمي إلى حقل الدراسات الإسلامية ويدرك أن التعاطي في العقائد وأصول الفقه لا يمكن إتقانه إلا بالمنطق؛ فنظرية المقولات هي نظرية أرسطية وليست من اختراعات كانط، بل يلاحظ أن أرسطو عالج المقولات في تراثه مرتين: مرة في مباحث المنطق (الأورغانون) ومرة في الميتافيزيقا؛ فهي في الأولى وظيفة التفكير، وفي الثانية الهيئة التي تترتب عليها الأشياء في العالم (منصور، 2016) وقد نقلها إسحاق بن حنين وعنونها بـ”كتاب أرسطوطاليس المسمى “قاطيغوريا” أي المقولات” (أرسطو، 1980)، كما نقل أبو عثمان الدمشقي “إيساغوجي فرفوريوس” والذي كان للمسلمين به اهتمام واضح، ويمكن العودة إلى الكتاب العظيم الذي تركه أبو الوليد ابن رشد في تفسير ما بعد الطبيعة لأرسطو الصادر عن دار المشرق (1986) ليدرك المتابع أنها من العلوم الإسلامية المنقولة والمندمجة في حزمة الأدوات المنهجية لتحليل النص الشرعي، ولو رجع الهادي إلى كتاب ابن حزم “التقريب لحد المنطق” لوجد الكليات كما هي في إيساغوجي، ولوجد المقولات العشر الأرسطية في عمق الثقافة والفكر الإسلامي؛ بل إن أبا بكر أحمد بن عبدالله الكندي وضع كتابه “الجوهري المقتصر” بناء على مقولة “الجوهر الفرد” عند أرسطو؛ فكيف يتسنى لنا القول إن كانط حدد العقل بالمقولات لنثبت افتراضا مسبقا بُغية مصادرة العقل وفاعليته والمدعي لا يدري ما المقولات وما مظانّها؟ إن ما قام به كانط بشأن المقولات الأرسطية هو إعادة تنظيم لوحة المقولات لكي يبحث في الشروط القبلية للتفكير، والتي تُمكِّن ملكة الفهم من تنظيم الحواس؛ لذلك اهتدى إلى أن أحكام المنطق العام تعد خيطا هاديا ودليلا يقدم شكل التفكير بطريقة صورية (منصور، 2016)، وهو يقر بالتجربة والمعرفة الحسية؛ كونها العامل المحفّز للعمل الذهني والفكري عند الإنسان تماما كما هو في النص القرآني: ” وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”؛ مما يعني أن التجربة عند كانط لا تستطيع بناء المعرفة وإنما هي مشروطة بالقبليات؛ إذ يقول: “تبدأ معرفتنا كلها مع التجربة، لا ريب في ذلك البتة، إذ كيف ستستيقظ قدرتنا المعرفية إلى العمل إن لم يتمّ ذلك من خلال مواضيع تصدم حواسنا، فتسبب من جهة حدوث التصورات من تلقائها، وتحرك من جهة أخرى نشاط الفهم عندنا إلى مقارنتها وربطها أو فصلها، وبالتالي إلى تحويل خام الانطباعات الحسية إلى معرفة بالمواضيع تسمى التجربة” (كانط، 2015: 53) وهو التوافق بين الطرح القرآني وما يريده كانط في النص السابق؛ لذلك يميز بين “مادة المعرفة” متمثلة في تلقي الانطباعات، و”صورة المعرفة” وهي القدرة على معرفة موضوع التصورات، تلقائية المفاهيم (لزيق، 2014) أو (كانط، 2015: 71) وبالتالي عندما تدعو التيارات الإسلامية إلى كبح جماح العقل فإنما يريدون من الإنسان أن يتحكم في عملية كعملية الهضم وهو ما ليس في وسعه؛ لأنه يشتغل فور تلقي الانطباعات الحسية، وهذا يدل على عدم تمييزهم لـ”ماهية العقل” التي يطرحون حولها المحاضرات، ولا طبيعة إنتاجه في تشكيل الحدوس، كما أن الزمان عند كانط ليس تصورا تجريبيا، وإنما هو وعي باطني وتصور ضروري يشكل أساسا لجميع هذه الحدوس (كانط، 2015: 77). يزعم المحاضر في المحطة الثالثة أنه “لما جاء جون ديوي، ووليم جيمي وبنتام ابتكروا طريقة جديدة في التعامل مع النفس الإنسانية قائمة على البراغماتية أي على تحقيق النفع” وهي عبارة قلقة غريبة واختزالية غير مقبولة؛ وكأن الطريقة الجديدة التي ابتكرها هؤلاء الثلاثة منبثقة عن مذهب قائم مسبقا هو البراغماتية Pragmatism وهي النفعية Utilitarianism كما تزعم المحاضرة، وهذا الطرح يحمل في طياته تشويها معرفيا ومنهجيا وتاريخيا وإشكالات من بينها: أولا: ليست البراغماتية انتهازية أو مكيافيلية حتى يُدعي أنها سبيل إلى الاستبداد والقتل وأن سياسة الولايات المتحدة تنبثق منها، وإنما انبثقت البراغماتية من الاتجاه التجريبي في النادي الميتافيزيقي بين العامين (1872- 1874م)، فالأساس هو الربط بين الفلسفة والاتجاه المعملي والعملي؛ ولذلك كان خليل حامد يرى أن المنطق البراغماتي في التفكير هو منطق إسلامي؛ فالنظر إلى المآلات والنتائج وارد في القواعد الفقهية؛ مثل قاعدة “الأمور بعواقبها” حيث إن أحكام تصرفات المكلفين إنما تترتب على النتائج، ولا يجب الحكم بناء على الفعل قبل معرفة نتائجه وعواقبه (الغزي، 1997)؛ والعلوم الإسلامية في الغالب قائمة على أساس النتائج التي تحققها وهذا اتجاه براغماتي؛ لذلك اعترض أبو الوليد ابن رشد في الضروري من أدلة الاعتقاد على الأشاعرة بسبب عدم انبناء العمل على العقائد وتعقيدها وتشعيبها، ولو رجعتَ إلى المآخذ التي أخذها الناس ودونها نور الدين السالمي في الحق الجلي على الإمام المحتسب وبررها لوجدت أنها تبرير للوسائل لبلوغ الغايات وهذه هي المكيافيللية الإسلامية التي تتكرر في التاريخ الإسلامي كله عندما يتعلق الأمر بأهواء السلطة والسياسة والثروة (الزدجالي، 2018: 83- 89)؛ لذلك فإن وليم جيمس يقول بعد قصة السنجاب والدوران: “إن الطريقة البراغماتية هي في الأصل وبصفة أولية طريقةٌ لحسم المنازعات الميتافيزيقية التي لولاها وبدونها ما كان يمكن لها أن تنتهي.. هي محاولة تفسير كل فكرة بتتبع واقتفاء أثر نتائجها العملية” (جيمس،2008: 63- 64)، وهذا ما دفع جون ديوي إلى وضع كتابه “إعادة البناء في الفلسفة” عندما انعدمت الثقة فيها بسبب الاهتمام الكبير بالأدوات والمناهج والانكفاء على دراسة الفلسفة القديمة ووضع التبريرات لها، وهو شأن المسلمين اليوم إذ يعيشون في ماضيهم وصراعهم ثم يدعون التآمر عليهم من غيرهم؛ إذ لا يمكن دراسة الماضي الذي لا صلة له بالواقع (ديوي، 2010: 18) ثانيا:  من اللافت للنظر والمثير للاستغراب أن تجمع محاضرة الهادي كلا من البراغماتية والنفعية في سلة واحدة كونهما الشيءَ ذاته؛ لذلك لا ينبغي للتيارات الدينية أن تتعاطى مع الفكر من علُ، دونما فقه وقراءة متأنية؛ وإنما الأمر لمن كابده، فالنفعية Utilitarianism نشأت مع جيرمي بنتام (1748- 1832) Jeremy Bentham  وأعاد صياغتها جون ستيوارت مل (1806- 1873) J. S. Mill في كتابه “النفعية” الذي ترجم إلى العربية، وحتى يتضح الأمر فأنا أحيل إلى مقال الباحث أحمد (اليعربي، 2017) على مجلة الفلق لتكوين رؤية قريبة من الوضوح لا تغني عن قراءة المصادر، أمّا البراغماتية Pragmatism فمثلما أشرتُ أنها نشأت في النادي الميتافيزيقي ومؤسسها الأول هو الفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس C. S. Pierce عبر مقالين مهمين الأول في نوفمبر (1877) بعنوان “تثبيت الاعتقاد”  The Fixation of Belief ، والثاني “كيف نوضح أفكارنا” How to Make Our Ideas Clear في يناير (1878) وقد أشار إلى ذلك كلٌ من وليم (جيمس، 2008) وعزمي إسلام في المنطق الصحيح Exact Logic، كما بين بيرس أن الأساس عنده هو تأكيد صدق الخبرة؛ لأن “الخبرة اليومية التي تؤثر في عقل الإنسان وتنطبع عليه في كل ساعة من حياته لا يمكن الشك فيها.. وهذا هو المصدر الأساسي الذي يحق للمنطق أن يؤكده” (إسلام، 154) وقد جاء النص في المؤلفات الكاملة لتشارلز بيرس في الفقرة (2: 75):” Everyday experience, such as presses in upon every man, at every hour of his life, is open to no other doubt than that it may not have been correctly formulated in general terms. This must be the main source of what little matter of fact logic has occasion to assert”.ويمكن أن يكون ذلك مدخلا لفهم المنطق البراغماتي والفلسفة البراغماتية عند مؤسسيه: بيرس، ووليم جيمس، وجون ديوي دون تخليط أو ادعاءات بأن أمريكا تمارس البراغماتية؛ وإنما إشكالاتنا في صراعاتنا وأوهامنا وهي التي تفتح المجال لغيرنا لتحويلنا إلى سوق لانتهازيتهم.

2 1415 16 يوليو, 2019 الثامن بعد المئة, ثقافة وفكر يوليو 16, 2019

1 comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.