إعادة التسمية الجغرافية (2-2)

لـ

استعرض المقال السابق عددًا من العوامل التي تتغير بسببها أسماء المناطق والأمكنة والعلوم المرتبطة بالأسماء وأهميتها في حفظ التاريخ الاجتماعي و السياسي للمكان وفهمه. كما تطرقنا إلى أن القدرة على تغيير أسماء الأماكن مرهون بشكل أساسي بالقوة والسلطة سواء القوة السياسية أو حتى القوة التجارية في بعض الأحيان، كما ذكرنا حين غيّرت قرية أمريكية أسمها إلى Dish  لأن الشركة عرضت على السكان اشتراكًا مجانيًا لمدة ١٠ سنوات. تغيير أسماء المناطق في البلدان الأجنبية ذات النظام الديموقراطي غالباً لا يفرض على السكان، ولكن يتم بالتصويت وأخذ إجماع الأغلبية، أضف إلى ذلك أن تغيير أسماء المناطق لا يتم بشكل متكرر، ذلك أنها في الأصل حالات نادرة الحدوث. كما أن أي تغيير يطرأ يتم توثيقه وحصره، وتقوم المؤسسات المختصة بالقيام بالدراسات لفهم أسباب التغيير والانعكاسات الاجتماعية له، وغيرها من التفاصيل التي من شأنها تعزيز الفهم اتجاه التغيير وآلياته ومسبباته. 

كما أنه من الملاحظ أن الدول التي عانت عقوداً طويلة من الاستعمار الخارجي حين تحصل قومياتها الأصلية ذات الاتجاه اليميني على السلطة تقوم بتغيير جائر لأسماء المناطق التي لها ذاكرة تجذرت مع مرور الزمن، ومثال على ذلك ما يجري في الهند من سيطرة اليمين الهندوسي وسعيه لتغيير تسميات الأماكن غير الهندية سواء أكانت أجنبية (سماها الأنجليز) أو إسلامية عربية. قد لا يعترض أحد حين تتغير أسماء المناطق التي سماها الإنجليز؛ فهم لم يستقروا في الهند، ولكن تغيير التسميات ذات الدلالات الإسلامية العربية يلاقي معارضة المسلمين في الهند فهم هنود غيروا ديانتهم أثناء الفتوحات الإسلامية، نتكلم هنا عن مئات السنين والعديد من الأجيال التي لم تعرف سوى الإسلام ديناً لها، و لا تعرف غير الهند وطنًا لها؛ غير أن الأغلبية اليمينية لها اليوم السلطة و القوة، إذن هي تملك القدرة على التغيير. إن لم يتم تقنين أي سلطة؛ فإن احتمالية استقوائها واردة، وما تغيير أسماء المناطق بشكل عشوائي ونسف تاريخيها إلا مثال للتغيير الجائر بسبب استقواء مجموعة تملك السلطة. والسلطة متغيرة فالله ينزع الملك ممن يشاء والأيام دول. فإذا ما قامت كل سلطة جديدة بتغيير ما قبلها ونسفه؛ فإن إنزال العطب بذاكرة المكان وتاريخه وحضارته سيتكرر. ولما كان التغيير من سنة الحياة فإن أقل ما يمكن فعله هو الحرص والحث على توثيق كل تغيير يمس أسماء وذاكرة المكان وحصره. 

في عمان 

كحال كل البلدان؛ تغيرت في عمان أسماء لمناطق كثيرة، بعضها تغير كما قلنا لأسباب سياسية، وبعضها تغير مع الزمن واختلف نطقه عن سابقه. لسنا هنا بغرض عرض التسميات التي تغيرت لأسباب سياسية كثقل قبيلة معينة على مكان فينسب لها المكان، ولكن سنتعرض لتغيير التسميات لدواعٍ جمالية وذوقية، تلك التي تمت بعد النهضة المباركة تحديدًا. 

ففي البزوغ الأول للفجر الجديد تغير اسم السلطنة من سلطنة مسقط وعمان إلى سلطنة عمان، في دلالة معبرة على لمّ الشمل والوحدة الوطنية. ثم شهدنا بين حين وآخر تغييرًا لأسماء مناطق في السلطنة، وغالباً ما يكون السبب وراء ذلك أن الاسم الذي تحمله قد تكون له دلالات غير لائقة أو غير إيجابية خاصة لنظرتنا لعمان بعد النهضة التي أتت لتجلب الخير وتدفع الشر، والتي بها زال الماضي الصعب ليأتي بسببها الحاضر المشرق فأصبح هناك: الرخاء والعافية والمكارم والمسرات و غيرها. كما كان هناك تغيير من أجل تغيير دلالة مذمومة أو معيبة أو سلبية مثل: وبال، الحمى… وغيرها. وتغيرت  بالفعل أسماء لأماكن كثيرة، غير أن التغيير تطور ولم يكتفِ بتغيير الدلالات غير المحبذة، بل تجاوز ذلك ليغير بدافع التغيير فقط، أماكن لا عيب في دلالتها سوى أن بعضهم يريد اسماً جميلاً.  ومثال على مطالبات أهالي (حيل الحريم) بتغيير اسم هذه المنطقة إلى (حريم المكارم)!!، وقد كان لهم بالفعل ما أرادوا  في إجراءات تشبه تلك المتبعة في تغيير أسماء أطفالهم !. لم يتم تصويت على مستوى المنطقة، ولا نعلم من كان مع الفكرة أو ضدها، ولا نعلم كذلك الكيفية التي اختير بها الاسم الجديد للمنطقة. ما نعلمه أن هناك مطالبات وهناك قرار بالتغيير. وما لاحظته كذلك أننا بالسماح بالتغيير بهذا الشكل العشوائي غير المقنن؛ فإننا فتحنا بابا قد لا يمكن السيطرة عليه، فالكثير كذلك بدأوا يطالبون بتغيير أسماء مناطق يعرفونها لأسماء أجمل في وجهة نظرهم، مع أنه لا عيب في أسماء مناطقهم!. كرغبة أحد الأشخاص في تغيير اسم المضيبي وقرية الميسر ووادي سقم إلى أسماء جديدة جميلة ومبشرة. 

من الشؤم إلى اليمْن ومن الجلافة إلى اللطافة 

كما قلنا فإن العرب خاصة في العهود الإسلامية غيّروا أسماء العديد من المناطق لدفع النحس عنها، كما اعتادوا على تغيير أسماء ما تملكه أيديهم من بشر. وذكرنا أمثلة على ذلك في المقال السابق. أما في عمان فأسماء الناس كذلك تغيرت مع مرور الوقت من أسماء قاسية وربما قبيحة، إلى أسماء جميلة ومحببة. وقد كان الناس في الماضي يعتقدون أن الاسم القبيح غير اللافت يدفع عنهم شر العين والحسد. أما اليوم فيتنافس الناس في اختيار الأميز والأجمل لأسماء أطفالهم. وهذا قد يكون مؤشرًا للطمأنينة والأمان في هذا العهد الذي سبقته عهود من الحروب الأهلية والأحوال الاجتماعية الصعبة. المشترك بين عمان والعهود الإسلامية هو التبشير بالأيديولوجية المثالية التي أتت لتكمل مكارم الأخلاق، فتزيد ما كان جميلًا جمالًا، وتبدل ما كان قبيحا بما هو حسن.  

قبل السبعين 

ولا أعلم بالتحديد إن كان تغيير أسماء الأماكن له تاريخ قبل ١٩٧٠ أم لا، ولكن سمعت قصة تتلخص في رغبة سيدة عمانية ثرية تسكن زنجبار بشراء بعض الأراضي في عمان بغرض الاستثمار، وتحديداً من ولاية العامرات التي كان اسمها وقتها  ( المتهدمات)، وحين عرفت باسمها تشاءمت وتراجعت عن رغبتها تلك. 

ويقال كذلك إن اسم المتهدمات غيّره الشيخ سعيد بن ناصر الكندي، وكان ذلك قبل ١٩٧٠ بحسب سكان المنطقة. 

بعد السبعين 

كانت النهضة المباركة بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله – بمثابة فجر جديد تماماً كما وصفها السلطان في إحدى خطبه الأولى. وهذا الفجر الجديد اتسم بملامح الأمل والتفاؤل، وحاول أن يزيل من الأذهان غمامة التشاؤم والماضي وذكرياته الموجعة من فقر وضنك وضيق حال. فكانت لجلالته جولات شملت كل ربوع السلطنة، وكان في زياراته تلك يغير ما يمر عليه من تسميات ذات دلالات مذمومة أو حتى تلك التي تعكس دلالات تعاكس العيش الهانئ المتمثل في حلم جلالته لعمان المستقبل. وقد تم بعد النهضة تغيير أسماء العديد من الأماكن. ونلخص سمات تغيير التسميات الجغرافية في عمان بعد النهضة إلى : 

  • – استبدال اسم ذي دلالة مذمومة إلى اسم جميل ذي دلالة محمودة ( الغبنة : العفيفة، الحمة: العافية وغيرها). 
  • – استحداث أسماء سيوح المخيمات السلطانية بأسماء ذات دلالات رفيعة: سيح العلا، سيح اليحمدي، سيح المسرات، سيح الطيبات، سيح البركات، سيح الخيرات، سيح الرخاء، سيح النماء، وغيرها). 
  • – استحداث الألقاب للمناطق : عبري : الواعدة / صور : العفية / سمائل : الفيحاء. 

تغيير التسميات في السلطنة عملية غير منظمة، وهي خاضعة للصدفة البحتة، كمرور جلالة السلطان في منطقة معينة أو مطالبة بعض الأهالي بذلك. وهذا ما يفسر وجود مناطق معروفة محتفظة باسمها رغم دلالتها التي قد تكون سلبية: كولاية ضنك مثلًا. 

خطورة التغيير العشوائي غير المنظم

  • – إعاقة عمل أي باحث شغوف بالتاريخ العماني. 
  • – التأثير على الذاكرة المكانية و الإنسانية على حد سواء.

مقترحات: 

  • – العمل على إعداد مرجع توثيقي للتسميات التي تم تغييرها مقرونة بسنة التغيير وأسباب التغيير. 
  • – إلغاء أو تقنين عملية السماح للأفراد بتغيير أسماء مناطقهم دون أسباب معلنة وواضحة، وتتخذ مؤسسات الدولة المعنية القرار بشأنها أو القيام بتنظيم عملية مطالبة الأهالي بتغيير التسميات بطريقة حضارية تكفل حق الجميع عن طريق التصويت وما شابه. 

الخاتمة: 

كحال أي شيء؛ فالإسراف في تغيير أسماء الأماكن قد تترتب عليه آثار جائرة؛ فالأماكن لها تاريخ وذاكرة، ولأسمائها دلالات تاريخية مهمة، وهذا التغيير إن تم بهذا الشكل دون جمع وتأريخ لسنوات التغيير وأسبابها، فسوف يؤثر بشكل كبير على دراسة تاريخ عمان وجغرافيتها. 

ومن منطلق الحرص على عدم العبث بتاريخ المكان في هذه الأرض الطيبة؛ وجدت أنني ملزمة بأن أكتب هذا المقال المتواضع. آملة أن يتم أخذ بعض التدابير التي من شأنها المحافظة على جزء مهم من تاريخ وطننا الغالي. و أن يساهم الشغوفون بالتاريخ و الجغرافيا في كتابة الدراسات المختصة في علوم الاسماء والتغييرات الطارئة عليها لندرة البحوث المختصة في هذا المجال. 

والله الموفق 

لقراءة الجزء الأول انقر هنا.

0 330 24 أكتوبر, 2019 العاشر بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر أكتوبر 24, 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.