عن يوميات الحجر الصحي (2/1)

لـ

لسنا في عزلة اختيارية.. والإبداع لا ينفصل عن المحيط الاجتماعي

“أفضل التفكير يكون في العزلة، أسوأه يكون في الزحام” توماس أديسون

لطالما كانت العزلة مصدر إلهام وإنتاج للعديد من المبدعين والمفكرين والعلماء، كل حسب تخصصه ومجال اشتغاله؛ أما في هذه الظرفية العالمية التي صار معها الحجر الصحي المنزلي ما بين الإجباري والاختياري، واقعا يعيشه نصف سكان الكرة الأرضية بسبب تفشي وباء كورونا. ما جعل من العزلة أمرا حتميا وواقعا يوميا يتعايش معه كل فرد وكل أسرة. 

إذا كانت العزلة الاختيارية ضرورية للإبداع والإنتاج، فهل الوضع نفسه ينطبق على هذه العزلة الجماعية التي نعيشها جميعا؟

وهل كل عزلة تعني بالضرورة إنتاجا وإبداعا ما بتعدد المجالات الإبداعية، أم أن هناك حالات معينة يمر فيها الفرد بعزلة بيضاء؟

في هذا الاستطلاع الذي أنجزناه ضمن حلقتين مع مبدعين وكتاب وفنانين عرب، نقترب من يومياتهم في الحجر الصحي المنزلي، ونتعرف أكثر على منجزاتهم المستقبلية.

هل نحن في عزلة اختيارية؟!

لا ترى الكاتبة العمانية أمامة اللواتي، أن ما نمر به الآن ينطبق عليه وصف العزلة، فتقول: في رأيي أننا لسنا في حالة عزلة الآن؛ لأننا ما زلنا نتواصل مع عالمنا الخارجي بطرق مختلفة، وإن كنا متباعدين جسديا. وهي ليست عزلة اختيارية بالتأكيد؛ بل هي عزلة إجبارية فرضتها الظروف المحيطة بنا.. تباعدٌ أجبرنا عليه، وأُجبرنا على شروطه ومدته وطريقته. وهذا التباعد الاجتماعي والوظيفي والثقافي لا يقتصر على فرد واحد بل يمتد إلى المجتمع كله، ويتجاوزه ليشمل أحبابنا، وهواياتنا خارج المنزل، وحتى لاستنشاقنا للهواء على شاطئ البحر، وكل تلك الأماكن التي نحب ارتيادها.

 وعما إذا كان هذا الوضع ملائما لها للإنتاج الأدبي، تضيف اللواتية: أجد أن هذا النوع من التباعد لا يخدمني وإن كان يمنحني الوقت لإعادة ترتيب الأشياء المادية من حولي، ويمنحني المزيد من الوقت مع عائلتي، لكنه يثير الارتباك في عاداتي وذلك النسق المألوف الذي كونته عبر فترات طويلة، ويجبرني أن أخضع لقيود لم أقم بوضعها. لم أنجز الكثير منذ أن بدأنا نلوذ بمنازلنا، فأنا أحتاج الى الصخب والهدوء معا حتى أنجز شيئا، أحتاج الحركة إلى العمل، إلى رحلات البحر والجبل والأصدقاء والأحباب، إلى التواصل عن قرب. وأحتاج إلى تلك العزلة الاختيارية المقننة بشروطي وحين أرغب بالانعزال والانفصال عن المحيط بي، وأحتاج إلى أن أقطع هذه العزلة حين أرغب في ذلك. أحتاج إلى السفر الذي يحفز فيَّ السؤال عن الأشياء والأماكن والبشر. ربما لا أعد نفسي كائنا اجتماعيا لا يمكنه العيش من غير الانغماس في المناسبات والفعاليات الاجتماعية وهي كثيرة في مجتمعاتنا العربية، لكني لا أعد نفسي أيضا كائنا منزليا متشبثا بعزلته الطويلة. هي عزلة بيضاء كما ذكرتم !

فرصة لاكتشاف دواخلنا

أما الكاتب الجزائري عبد الرزاق بوكبة فقد أوقف كل نشاطاته الثقافية في الميدان كما يقول، وقد كان آخرها مبادرة “كتاب ضد كورونا” وهي مبادرة لإيصال الكتب إلى الناس في بيوتهم لترافقهم في الحجر المنزلي. 

ويقول: لقد وجدت نفسي ملزما بالحجر أيضا بعد أن صار انتشار الوباء جديا في الجزائر. ورأيت أن البقاء مع بناتي في البيت حتى لا يصيبهن الملل بات ضرورة ملحة، فوضعت لهن برنامجا خاصا، يجمع بين الألعاب والقراءة ومشاهدة التلفزيون، وفعّلت حواس الانتباه لاكتشاف مواطن القوة والضعف في شخصياتهن، فأنمي الأولى وأقوي الثانية. وبالموازاة مع ذلك؛ أطلقت سلسلة فيسبوكية سميتها “كورونا، أنا وبناتي” لأرصد من خلالها تلك اليوميات في إطار أدب البيت الذي بت شغوفا به.

ويضيف: أتخذ كل احتياطاتي قبل خروجي للتبضع وأثناءه وبعده، وألزمت نفسي بدخول المطبخ لأرافق زوجتي. كنت أفعل ذلك من قبل، لكنني هذه المرة وجدت الوقت الكافي لأتعلم وصفات جديدة. كما وجدت الوقت لأرمم كثيرا من الثقوب المعنوية في البيت. لقد أخذ منا رتم الحياة الجديدة كثيرا من الوقت والجهد والأعصاب بما جعل من بيوتنا مجرد مراقد نعود إليها ليلا مرهقين فلا نعرف دواخلها كأنها فنادق، وقد منحنا الحجر المنزلي فرصة لاكتشاف تلك الدواخل.

العزلة: صفحة بيضاء

الشاعرة العمانية فاطمة إحسان، ترى أن الضجيج ما زال يشغل الوضع الراهن، والعزلة ما زالت خيارا، فتقول: مثلما كان بوسعك أن تترك ضجيج العالم خلفك في عطلة نهاية الأسبوع، لتحظى بشيء من السكون، ربما بوسعك أن تختار غرفة صغيرة للاختباء من ضجة العالم المختبئ في البيوت الآن؛ لأن الضجيج ما يزال موجوداً، ثمة الكثير مما يحدث حولنا، كثير من الخوف والاحتمالات وكثير مما هو طارئ وجديد، كل هذا يجعل من العزلة خياراً، لأن الانخراط في الزحام والفوضى ما يزال متاحاً على صعيد فكري.

وتقول: أحب التفكير في العزلة على أنها صفحة بيضاء تعقب صفحات ملأى بالارتباطات والمشاغل، على الرغم من أن البياض يبدو مخيفاً أحياناً، لاسيما حين يبدو لانهائياً ومن غير طائل، إلا أن التشاغل القسري ليس إنسانياً أيضاً، أعني حين نجهد أنفسنا في ابتكار قوائم لأعمال ننجزها طيلة الوقت، خوفاً من أن نصطدم بأنفسنا في لحظة فراغ، ونتوه في خواطر واحتمالات لم نتهيأ لها سلفاً.

لعل هذا التماهي مع سيولة الواقع وضبابيته هو ما يمنح العزلة –حتى في صورتها القسرية- سحرها، كأنها تعيدنا إلى طفولة نصرّ على دعسها بأقدامنا لنستمر بالجري إلى خط نهاية لامرئي. 

كأننا في تلك اللحظة من “فيزياء الحزن” عندما يقول غوسبودينوف: “كنت أتمهل في سيري أكثر فأكثر، وأشاهد البيوت، وشوارع يوم الأحد الخالية، وأدركت بوضوح للمرة الأولى أن ما يبقى ليس اللحظات الاستثنائية ولا الأحداث، وإنما هو ما لا يحدث”.

كلّ الأشياء تقود إلى الكتابة

الأديب العراقي عي لفتة سعيد يجِد أنه: لا يمكن العيش في عزلة إلّا في لحظات التوجه الى التدوين والقراءة، وهو أمرٌ مرتبطً بالانعزال حتى عن العائلة، لأنه لا يمكن إنجاز أيّ من الكتابة والقراءة في وسطٍ ليس فيه هدوءٌ حتى لو عائليا؛ ولهذا فإن الأمر قد يكون مرتبطًا بذات المُنتِج للنصّ الأدبي؛ حيث تكون أكثر فترات حياته مع الكتابة والقراءة فيُتّهم بالعزلة، وهناك من يصفها بأنه عزلة جميلة؛ ولذلك فإن ما قاله توماس أديسون أمر بدهي؛ أن تفكر في مكانٍ هادئ، لأن الهدوء لا يأتي إلّا من خلال الانعزال عن الآخرين، لمنح الهدوء قدرة على التوجه إلى مجال التفكير، لتنبثق فكرة ما تتحوّل إلى مجالٍ إبداعي أو علمي.. ومع ذلك لا يمكن أن يكون الانعزال من أجل الهدوء عزلةً عن الانخراط في المحيط.. بمعنى أن المبدع لا يمكن له التخلّي عن محيطه وبيئته وناسه، فهو على اتصالٍ مباشرٍ معهم كونهم أساس الفكرة والانطلاق والتنوّع والتوزيع، ولذلك هم أساس العمل الإبداعي؛ حتى في معرفة أثر وتأثير وآثار الفكرة في المحيط. 

لكن الوضع الحالي فرض علينا عزلةً كبرى.. تختلف عن الانعزال من أجل الإنتاج والتفكير وإدامة فعل المخيلة.. عزلةٌ إجباريةٌ أن تبقى ماكثًا بلا حراكٍ بين جدران بيتٍ هي لا تختلف عن الجدران الأربعة لأية غرفة.. عزلةٌ لا تنتج هدوءا بل هي جزءٌ من صخبٍ كوني يردّد صدى التخوّف من الهلاك الكوني المجتمعي.. العزلة التي تدعوك إلى أن تكون خائفًا من الآخر الذي هو جزءٌ من الديمومة الفكرية.. ولكن الأهون في الأمر أن الانعزال الحياتي الذي يمضيه المبدع في سنوات عمره، أتاح له التكيّف السريع مع العزلة الإجبارية سواء أكانت حجرًا صحيا أو حجرًا إبداعيا.. فكلّ الأشياء تقود الى الكتابة؛ بل قد تزداد ساعات الكتابة والقراءة وقد تقل الحماسة وسط آلية الحياة الجديدة ورتابتها لأنك مجبرٌ على هضمها، على أنها واقعٌ لابد من مجاراته،  فالحالة النفسية وإن كانت متقلبة فهي نتاج اللحظة التي لا تنبثق منها فكرة كتابة أو رغبة قراءة وقد تنتج حالة من الغضب؛ لأن المثقف إنسان حساس، وهذه تأتي حين يكون قوة الوضع أقوى من الفكرة.

ازددت تعلقا بكتبي

الكاتب والتشكيلي المغربي عبد الحميد الغرباوي لم يتغير عنده الوضع كثيرا أثناء الحجر الصحي، إذ يقول: منذ قرابة سنة قبل أن يجتاح الوباء العالم، كنت قد ألزمت نفسي بنظام صارم، أخصص النصف الأول من اليوم لقضاء بعض المآرب، ثم ألزم البيت، وتحديدا مكتبي بقية اليوم ولا أخرج إلا في صباح اليوم الذي بعده، وقد لا أخرج، بمعنى أنني أقضي  أربعا وعشرين ساعة فارضا على نفسي حجرا نفسيا قبل أن يكون صحيا. أمامي في مكتبتي عشرات الروايات والمجاميع القصصية وكتب الشعر، ومع الحجر الصحي المفروض، ازددت تعلقا بها أكثر، فخروجي صباحا لا يتجاوز الربع ساعة  لاقتناء بعض الأغراض الضرورية. قبل الحجر الصحي كان عملي الإبداعي موزعا بين التشكيل والكتابة، ومراجعة وتنقيح نصوص أعدها للنشر، وخلال الحجر شرعت في تجميع مادة  لمشروع عمل جديد، وفي الليل أتابع ما جد من خلال القنوات الإخبارية الفرنسية والعربية، ثم أنتقل إلى قنوات الأفلام أختار قناة منها، وأتابع أحداث الفيلم الذي تبثه، وأحيانا أختار فيلما من خزانة أفلامي، إلى أن “يطيب نعاسي” كما نقول بالدارجة المغربية، فأستسلم للنعاس وأنام على أمل أن يكون الغد أحسن وأفضل.

الحجر الجماعي.. مخيف ومرعب

الشاعر والفنان التشكيلي السوري المقيم بسويسرا، يقول: قبل هذا الوباء كنت أقوم بجولات ميدانية قصيرة حتى تتسلل رائحة الناس إلى جسد إنتاجي الإبداعي. في الماضي، كانت هناك فرصة حقيقية للتفاعل مع أنسجة المجتمع البشري من حولي وكانت جميع الأمكنة استراحات بالنسبة إلي بعد يوم عمل مجهد بين الألوان والكتب. اﻵن وبعد دخولنا الجماعي القسري في الحجر الصحي، أفتقد كل تلك المساحات الواسعة رغم أن قلة الاختلاط من طبيعتي الاجتماعية ولكن بمجرد أن يشعر المرء أنه خاضع لحجر صحي هو وجميع الآخرين فذلك يولد في أعماقي رعبا مخيفا.

ويضيف: نعم، أنفق اﻵن ساعات طويلة في القراءة والكتابة ومشاهدة بعض الأفلام التي أحبها، كما أتمشى لبعض الوقت في أحضان الطبيعة، وأتأمل أشياء أشعر كأني أراها للمرة اﻷولى في حياتي. رسمت في الفترة الأخيرة ( خلال الحجر الصحي) عددا من اللوحات بقياسات كبيرة تروي قبح الإنسان الشهواني اليوم والبعيد عن المثالية وعن المبادئ السامية التي يجب أن يحملها كل فرد منّا؛ فغرائزه صارت بشعة غير سوية؛ فهو قاتل وجشع ومتجاوز لحدود الآخرين، وهنا أصورهم على أنهم شياطين حمر بآذان طويلة وقرون وذوائب وأحصنة وثيران كدلالة على الهيجان الغريزي الإنساني، باﻹضافة إلى كائنات غير محددة الجنس، فرادى وأزواجا لكنها بأيد طويلة.

  • لقراءة الحلقة الأولى، اضغط هنا.
0 458 17 أبريل, 2020 الخامس بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر أبريل 17, 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.