السابع بعد المئة العدد الأخير ثقافة وفكر

مقدمة موسوعة القرآن لـجين دامن مكاوليف (Jane Dammen McAuliffe) ٢/٢

عوامل جديدة في دراسة القرآن: 

وكما وضح الشرح المختصر السابق (الجزء الأول من المقال)، يمكن وصف الدراسات الإسلامية، وغير الإسلامية للقرآن بأنها تشير إلى حوارين، أو طريقتين. حيث أن هذه الجهود أو المحادثات كانت منعزلة فيما بينها، بإستثناء تلك الحوارات الجدلية المحفوظة بينهما. حيث كان مسار الدراسات القرآنية، والتأويلية، عبارة عن تمرين مستقل، قائم بذاته. وبالمثل، فإن مجال الدراسات القرآنية الذي تم إنشاؤه مؤخرا ً داخل المعاهد الأوروبية والأمريكية للتعليم العالي، إعتمدت بالتأكيد على الدراسات الإسلامية التي إمتدت لقرون طويلة، غير أنها نادرا ً ما دخلت في حوار وتعاون مستمر مع عُلماء معاصرين حول علوم القرآن. لكن هذه “العزلة الثنائية” للدرسات القرآنية المسلمة، وغير المسلمة، سرعان ما بدأت تنفتح على الأقل في بعض المناسبات، وبعض السياقات. فالمؤتمرات الدولية المُكرسة للدراسات الأكاديمية القرآنية، قد تزايدت، واجتذبت بشكل ٍ متزايد عددا ً من العُلماء والباحثين من المجموعتين. كما أظهرت المجلات التي تم فصلها عن الجانب الرسمي، تنوعا ً كبيرا ً في أسماء المؤلفين والهويات المؤسسية. بالإضافة لذلك، نجد أن هذه المؤتمرات قد أتاحت الفرصة لإلقاء محاضرات في جامعات العالم الإسلامي لغير المسلمين، وفي المقابل ساهمت أيضا ً في جلب الدعوات والباحثين من الجامعات والمؤسسات الأوروبية وأمريكا الشمالية. 

إلى حد ٍ كبير، كانت نقطة التأثير المُهمة لترسيخ هذا التعاون، هو تدريب الخريجين وإنتاج أجيال جديدة من حملة الدكتوراة في تخصص الدراسات القرآنية.وبشكل ٍ متزايد فإن الطلبة الذين يتابعون عمل الدراسات العليا في الدراسات القرآنية، بالإضافة إلى المجالات الفرعية الأخرى للدراسات القرآنية المختلفة، في الجامعات الأوربية الكبرى والجامعات الأمريكية وكندا وأماكن أخرى، يأتون من أسر مسلمة مهاجرة. فمعظمهم ينتمون لأسر من الجيل الثاني أو الثالث الذين كانوا نتاجا ً للهجرات ما بعد الكولونياليالة للأسر المسلمة في بريطانيا العُظمى، فرنسا، ألمانيا، وأمريكا الشمالية. ونتيجة لذلك، يدخل معظم هؤلاء الطلاب في برامج الدراسات العُليا بخلفيات تعليمية متنوعة، ومجموعة من الإفتراضات الأكاديمية التي لا يمكن تمييزها عن أقرانهم غير المسلمين. فالتنوع الحالي في النشر الأكاديمي في هذا الحقل إنعكس في مستقبله، وحيويته، التي ستُظهر تضخمه وتزايده. 

كما أن المعدل المتزايد بشكل ٍ كبير للتبادل العلمي الذي يسهله التواصل الإلكتروني بما فيه الإنترنت، يزيد من تسريع فرص التفاعل العلمي في مجال الدراسات القرآنية، حيث عزز شكل آخر من توفير المعلومات والبيانات التي من شأنها أن تؤثر بشكل ٍ مستقبلي على هذا المجال. فمن الضروري هنا، إلى حد ٍ قريب فإن القرآن كنص مكتوب، ومتداول، كان متوفرا ً لدى شريحة معينة من نسبيا ً من المسلمين في جميع أنحاء العالم. ذلك أن معظم المسلمين لفترات زمنية وتاريخية طويلة خَبـِروا وعاشوا القرآن بالطريقة الشفهية، حيث كانت معدلات القراءة والكتابة في العصور ما قبل الحديثة أقل بكثير مما هي عليه في الفترات الحالية. ففي القرن الماضي، وبشكل ٍ خاص بعد إنسحاب الهيمنة الإستعمارية من بلدان العالم الإسلامي وما تلاها من تطور في أنظمة التعليم العام، كان له أثر كبير على عملية التغيير في محو الأمية الجماعي. كما أدى النمو في القرنين التاسع عشر، والقرن العشرين، في إنتاج الكُتب إلى تنامي ظاهرة إمكانية الوصول للنصوص بشكل ٍ أكبر من ذي قبل. 

لقد أتاحت المطبوعات الهائلة الإنتشار، والمدعومة في الغالب من قبل المؤسسات الحكومية للشؤون الدينية، أن توفر القرآن لشرائح كبيرة من المسلمين في جميع أنحاء العالم. كما أتاحت الترجمات المتعددة للنص القرآني إلى الكثير من لغات العالم تقريبا ً، التدريس القرآني المباشر دون الحاجة للوساطة المباشرة من العُلماء أو الفقهاء الدينيين. وبالرغم من أن ترجمات القرآن ليست لها نفس وضعية النص العربي، إلا أنها سمحت للكثير من الطلبة غير المسلمين أن يصبحوا طلابا ً للمعنى القرآني الذي لم يكن ممُكنا قبل ذلك. ومن أحد هذه المجالات التي حدثت فيها تغييرات ملموسة هي إمكانية الوصول الأدبي والنصي للنساء المسلمات، حيث وصلت النساء المسلمات حاليا ً إلى درجات علمية، وأكاديمية مرموقة، مقارنة مع الفترات الزمنية السابقة، وهو ما مكنها بطبيعة الحال من وصولها المباشر إلى القرآن. كما نجد في صفحات النص القرآني مصادر للتغيير الديني، والإجتماعي، وصياغات مختلفة لإحداث هذا التغيير، والنتائج المحتملة.

بالإضافة لذلك، تعتبر النُسخ المطبوعة من القرآن وجها ً واحدا ً لسهولة الوصول إلى النص القرآني، وكذلك تكرار علميات البث التلفزيوني والإذاعي لقراءة القرآن، وإستخدام الوسائل التواصلية الحديثة كالتسجيلات الصوتية (الكاسيت)، والأقراص المضغوطة (السي دي) التي تُعتبر شائعة الإنتشار، ورخيصة الثمن، الأمر الذي يجعل من الممكن شراء، وتداول هذه الوسائل والقراءات لأشهر القُراء، في الكثير من مدن العالم التي يوجد بها أعداد كبيرة من المسلمين، سواء في الشرق الأوسط، أو آسيا، أو أمريكا الشمالية. كما أن القرآن بالطبع متوفر على الإنترنت، حيث توفر الآف المواقع الإلكترونية النص العربي، والترجمات إلى اللغات الأوروبية، والآسيوية، والأفريقية، مرفقة بذلك تلاوة متزامنة لكل أو أجزاء من النص أو صفحات لا حصر لها مع الشرح والتعليق. فبعض الإصدارت قابلة للبحث عن طريق بعض الكلمات المفتاحية، أو مقطع الكلمة، أو الفصل، أو حتى رقم الآية. وفي الواقع، تم تطبيق الجانب التحريري في هذه الموسوعة من بنص قابل للبحث على شبكة الإنترنت. 

إنشاء الموسوعة القرآنية: 

إبتدأ التخطيط لكتابة الموسوعة القرآنية (سيشار إليها لاحقا ً بالموسوعة) في عام 1993م، عندما ألتقيت في لايدن بهولندا مع المحرر الأول لبريل، بيري بيرمان، لمناقشة تنفيذ مثل هذا المشروع. وبشكل ٍ سريع، وافق أربعة باحثين ومتخصصين رائعين: وداد القاضي، كلاود جيلوت، ويليام جراهام، وأندرو ريبين، على الإنضمام لفريق التحرير. دفعت الرغبة في في تقييم مجال الدراسات القرآنية العودة إلى مطلع القرن، والإهتمام برؤية إزدهار هذا المجال في الألفية الجديدة في المحادثات الأولية. فمنذ بدايتها، قامت الموسوعة، بإلقاء نظرة إلى الأمام وإلى الخلف على حد ٍ سواء، حيث شكلت هذه الرؤية هيكل هذه الموسوعة. وبصفتنا محررين مشاركين شرعنا في التخطيط، عاقدين العزم على إنشاء عمل مرجعي يجسد أفضل إنجازات هذا القرن في مجال الدراسات القرآنية، غير أننا أردنا أيضا ً أن تكون هذه الموسوعة مُحفزا ً لدراسات ٍ أكثر شمولية حول القرآن في العقود القادمة. ولخدمة هذا الطموح الكبير، تقرر توسيع التنسيق الأبجدي للموسوعة ليشمل سلسلة طويلة من المقالات الشاملة. حيث تصور المحررين المساعدين وأنا بأن هذه المواد عبارة عن بيانات مُجمّعة للحالة الحالية للتفكير، والبحوث حول الموضوعات الرئيسية في الدراسات القرآنية. الجمع بين مدخلات الموسوعة، متفاوتة الطول، ونظرة عامة حول على المقالات الطويلة لمجالات البحث الرئيسية في مجال الدراسات القرآنية هو أفضل طريقة لتكريم هذه الإنجازات في القرن الأخير وتعزيزها أيضا ً. وعلى الرغم من أهمية هذه الرؤية الإسترجاعية، والتقدمية لإنشاء هذه الموسوعة، إلا أن الأهم من ذلك كانت تلك الرغبة في جعل عالم الدراسات القرآنية مُتاحا ً لمجموعة ٍ واسعة جدا ً من العُلماء، الأكاديميين والقراء المتعلمين. لقد أنتجت المجالات المختلفة للدراسات الأدبية عددا ً كبيرا ً من القواميس، الموسوعات، التعليقات، والمعاجم التي لدراسة فترات معينة، مناطق، مؤلفين، وأعمال مختلفة. وبالمثل، كانت الأدبيات الدينية، وبشكل ٍ خاص مواضيع الكُتب المقدسة، موضوعا ً لمئات ٍ من هذه الأعمال، الأمر الذي جعلها تُنتج أعمالا ً جديدة بمعدلات تزداد باستمرار. في المقابل، فإن هذه الوفرة في البحوث العلمية تقف في تناقض صارخ مقارنة مع وضع الدراسات القرآنية. ذلك أن عدد الأعمال المرجعية للقرآن التي يمكن الوصول إليها في اللغات الأوروبية قليلة جدا ً، فالمعلومات المُتاحة جزئية، وغير كاملة، أو متناثرة في مصادر مختلفة يصعب الوصول إليها. 

بطبيعة الحال، فإن الباحثين الذين باستطاعتهم الوصول للمصادر الأصلية باللغة العربية، بإمكانهم الإستفادة من تنوع، وتعدد الآلاف من هذه المصادر التي تتحدث عن القرآن، بما فيها من قواميس، وتعليقات، وتفاسير، على عكس أولئك الذين لا يمكنهم ذلك. فعلى سبيل المثال، تم نشر آخر قاموس إنجليزي عن القرآن عام 1873م، حيث أن هذه المفردات المتاحة باللغة الإنجليزية تعتبر متداولة، وواسعة الإنتشار التي استخدمت نظام الترقيم المستخدم في القرن التاسع عشر، والذي أصبح نادر الحصول عليه. لذلك فإن الباحثين الناطقين باللغة الإنجليزية من حقول ٍ أخرى غير الدراسات الإسلامية، يحصلون على خدمات سيئة عندما يحاولون تعلم أي شيء عن القرآن، إما لأغراض البحث العلمي أو لتقديمه لطلابهم. ومع وضع هذه العوامل في الإعتبار، إتخذنا كباحثين وكمحررين مساعدين، قرارا ً باستخدام وإدخال كلمات باللغة الإنجليزية لهذه الموسوعة. سيقدر زملاؤنا في الدراسات الإسلامية هذا الجهد الذي لم يكن يهدف لإثارة الجدل. ولفترة طويلة كانت موسوعة الإسلام التي تم إعتبارها المعيار الموثوق منه، والواسع الإنتشار، والمرجعي في هذا الحقل، إستخدمت على نطاق ٍ واسع كلمات عربية، وبناء ً على ذلك أصبح هذا هو المعيار المعُتمد. حيث أن هذا النظام من الممكن أن يكون عاملا ً من عوامل فقدان الثقة لحظة إنتقال اللفظ إلى اللغة الإنجليزية. ولنأخذ مثالا ً واحدا ً، لا يوجد معادل عربي دقيق لكلمة “صلاة”، ذلك أن كلمة صلاة تشير إلى الطقس اليومي الذي يؤديه المسلمون خمس مرات في اليوم، بينما تشير كلمة “دُعاء” إلى صلاة شفاعية أقل رسمية. في حين أن “الذِكر” بالمعنى الذي يستخدم بشكل ٍ كبير في الجانب الصوفي، يحتوي على جوانب ومعان ٍ متقاربة، وذات صلة في اللغتين الفصحى والمعُاصرة على حد ٍ سواء. ففي الموسوعة الإسلامية نجد هناك مقاطع أو مقالات عن المفردات الثلاث السابقة، ولكن لا يوجد شيء حول مفردة “صلاة”. وبالتالي، فإن الباحث أو الطالب غير العربي الذي يريد أن يعرف شيئا ً عن هذا الموضوع سيواجه صعوبة كبيرة عند إستخدامه الموسوعة الإسلامية، غير أنه لن يواجه هذه الصعوبات عن إستخدامه للموسوعة القرآنية هذه.

غير أن هناك قرار آخر كان محل جدل، ونقاش يتعلق بنطاق هذه الموسوعة، فالقرآن بإعتباره كجزء رئيسي من الأدب العالمي، وككتاب أساسي لتقليد ديني عالمي واسع، وكبير، ولّد مجموعة كبيرة من التفسيرات المختلفة حوله. فكما تمت الإشارة سابقا ً، فقد أنتج كل جيل من العُلماء المسلمين تعليقات، وتفسيرات، في مجلدات متعددة عن القرآن، وبينما معظمها مكتوب باللغة العربية، فإن بقية لغات الشعوب الأخرى حاضرة إلى حد ٍ ما. حيث تتجلى هذه الشعبية المتواصلة لهذا النوع، في الإنتاجين الكلاسيكي والمعُاصر، من خلال النشر والمبيعات المستمرة. يمكن العثور على أعمال كبار المفسرين الكلاسيكيين، مثل: الطبري، الزمخشري، إبن كثير، والسيوطي، على رفوف اي مكتبة كبيرة الحجم، ومرجعية في العالم الإسلامي، غلى جانب المفسرين المعُاصرين، مثل: المودودي، سيد قطب، والطبطبائي. 

وبناء ً على ذلك، من الضروري الأخذ بعين الإعتبار السؤال التالي: هل يجب أن تكون هذه موسوعة للقرآن؟ أم أنها موسوعة للقرآن وتفسيره؟ فمن الواضح أنه لا يوجد تفريق، أو فصل بين الجانبين.

عمليا ً، كل مقال أو مادة في هذه الموسوعة تعتمد بشكل ٍ مباشر أو غير مباشر، على مجموعة من تفاسير القرآن. ومع ذلك، فإن هناك مطالب بأن يبقى تركيز هذا المشروع على القرآن نفسه. لذلك، لن يجد قُراء هذه الموسوعة مقالا ً منفصلا ً عن الطبري، أو فخر الدين الرازي، بل يجدون إحالات مستمرة ومتكررة لأعمالهم، وتفاسيرهم، وسيسمح المؤشر التراكمي لهذه الموسوعة للمستخدمين بتتبع هذه المراجع من خلال جميع مجلداتهم. غير أن هذا كان خيارا ً تحريريا ً صعبا ً على أمل أن يعاد النظر فيه اذا كانت هذه الموسوعة سوف تُطبع طبعة ثانية، موسعة ومنقحة. 

وجنبا ً إلى جنب مع الرغبة في إنشاء عمل مرجعي من الممكن الوصول إليه من قِبل الباحثين والطلاب ومجموعة كبيرة من التخصصات الإنسانية، والعلوم الإجتماعية المتداخلة، فقد قام فريق التحرير المساعد وأنا، بتضمين معرفة أكاديمية، وصارمة عن القرآن، أخذت بالحسبان تعدد وجهات النظر، والإفتراضات المسبقة، والمتحيزة. الكلمات المفتاحية في الجملة السابقة هي “صارمة” و “أكاديمية”. فكما تمت الإشارة سابقا ً، لا يوجد تقليد أكاديمي واحد في الدراسات القرآنية. ففي القرون الإسلامية الماضية تشكّل خطا ً زمنيا ً تداخل مع أجيال من التفسيرات الغربية للنص القرآني. غير أن هذين الخطين لا يمثلان نهجا ً دقيقا ً، واحدا ً أو متجانسا ً. ففي العالم الإسلامي أو الغربي، أو بينهما، يجد المرء مناظرات حادة، وحيوية، ذلك أن هذه العوالم تتداخل فيما بينها بشكل ٍ متزايد فكريا ً، وجغرافيا ً. فمع النمو السكاني السريع للمسلمين في أوروبا، وأمريكا الشمالية وأجزاء أخرى من العالم، أصبحت كلمات مثل “مسلم” أو “غربي” أقل حدية، وأكثر ضبابية. ذلك أن تدويل هذه المنح الدراسية، والتخصصات الأكاديمية، من شأنها تسريع هذا الأتجاه.  فكما ذكرنا أعلاه، فإن العلماء المسلمين وغير المسلمين يتفاعلون بحُرية كبيرة في المؤتمرات المتعلقة بالقرآن، سواء كانت في لايدن أو لاهور. فالمجلات الأكاديمية في الوقت الحاضر أصبحت أقل تحيزا ً عما كانت عليه قبل جيل، وقد إزداد عدد المسلمين الذين حصلوا على درجات أكاديمية متقدمة من الجامعات، والمؤسسات الأكاديمية الأوروبية والأمريكية في بعض مجالات الدراسات الإسلامية بشكل ٍ كبير. فمن الواضح أنه لم من الممكن ربط المنظور العلمي بدقة بالتعريف أو الهوية الدينية، كما أن الدراسات الجيدة تزدهر وتنمو في البيئات الغنية، والمتعددة. حيث سعى محررو هذه الموسوعة إلى إلتقاط هذه التعددية في صفحات هذه الموسوعة، على أمل أن يمثل هذا العمل أكبر مجموعة ممكنة من البحوث الأكاديمية، والصارمة حول القرآن.

طريقة إستخدام الموسوعة: 

تظهر مواد هذه الموسوعة حسب الترتيب الأبجدي المتعارف عليه ولكنها من نوعين. فالأغلبية إلى حد ٍ كبير هي مقالات متفاوتة الطول، تتطرق لأشكال، مفاهيم، أماكن، قيم، أفعال، وأحداث مهمة، يمكن العثور عليها في القرآن أو لها علاقة مهمة بالنص القرآني. فعلى سبيل المثال، نجد أن لفطة “الإبراهيمية” تتعامل مع شخصية موجودة في النص، في حين أنها تناقش هنا في “الأدب الأفريقي” من الناحية الأدبية. في حين أن الفئة الثانية من هذه المقالات والمواد هي المعالجات الطويلة في بعض المواد لمواضيع مهمة في الدراسات القرآنية. ومرة أخرى، لنأخذ مثالا ً من المجلد الأول من الضروري الإشارة إلى مواد “الفن والعمارة”، و “التسلسل الزمني والقرآن”. حيث طُلب من المحررين في هذه المواد أن تعكس إسهاماتهم الماضي والحاضر و”حالة السؤال” في هذه المواضيع الهامة. وكما هو مذكور أعلاه، فإن قرار إستخدام اللغة الإنجليزية في مواد الموسوعة القرآنية له سلبيات وإيجابيات على حد ٍ سواء. ففي الوقت الذي يجعل العمل مُتاحا ً لنطاق ٍ واسع من الباحثين في مجالات معرفية مختلفة، فإنه في المقابل لا يوفر للباحثين العرب والمسلمين نقطة بداية مألوفة للمصطلحات المترجمة. ولحل هذه المشكلة، تم التخطيط لفهرسة شاملة لكل من الكلمات الإنجليزية والمصطلحات العربية المقابلة لها وذلك في المجلد الأخير. في متن هذه الموسوعة، يمكن للقارئ على أي حال، أن يستخدم الكثافة الصوتية في تحديد هوية الكلمات أو المقالات نفسها، حتى يتمكن المتخصصون من الحصول على الدقة المهمة. وبالطبع، فإن قرار خطة إدخال هذه الكلمات الإنجليزية ليست واضحة بما فيها الكفاية. 

وبشكل ٍ عام، إسترشد محررو هذه الموسوعة بإستخدام معاجم اللغة الإنجليزية المعُاصرة كما هو موضح في القواميس الحالية والأعمال المرجعية العامة. غير أنه إذا كان للإسم العربي الصحيح له مقابل في اللغة الإنجليزية فيتم إستخدامه. وعندما لم يتم ذلك فقد تم الإحتفاظ بالشكل العربي للإسم، مثل: “أدم وحواء” مقابل “ذي الكفل”.

ونظرا ً لأنه تم إنشاء الموسوعة بهدف تقديم فهم علمي للقرآن والترويج له، فقد تم حث جميع المؤلفين على تقديم ببلوغرافيا ذات صلة بمقالاتهم وبحوثهم. حيث سيجد القارئ مدخلات مفيدة لدراسة مواضيع أخرى مختلفة. بالإضافة لذلك، يساعد الإقتباس النصي على المستويين الأساسي والثانوي، الباحثين في مجال الدراسات الإسلامية على تطوير دراسات تفصيلية لمعالجة مثل هذه المواضيع. فإقتباسات القرآن تُعطى برقم الفصل (السورة) والتي تتبعها برقم الآية، على سبيل المثال: السورة 30:46. حيث تُمثل هذه الممارسة خروجا ً عن التقاليد الإسلامية المُتبعة في تحديد السور بالإسم بدلا ً من الرقم، وبالتالي فإن المثال السابق سيكون سورة الروم رقم 30 والآية رقم 30، ولكنه يُسهل كثيرا ًعلى أولئك الذين ليس لديهم دراية كافية بعناوين السور للعثور عليها في المصحف أو الآية بشكل ٍ محدد. فالترقيم هنا يتبع طبعة القاهرة في عام 1924م التي تُعتبر هي المرجعية، والمعيارية، فمعظم النُسخ الإنجليزية المتوفرة من القرآن تتبع  هذا الترقيم الشائع، والمُنتشر. غير أن الإستثناء الوحيد، وغير المعقول هنا هو ترجمة آرثر أربري (ت1969م)، الذي إتبع ترقيم طبعة جوستاف فلوجل (1834م) حيث أن هذا الترقيم من الممكن أن يكون له جوانب سلبية وإيجابية لبعض الآيات من طبعة القاهرة.  وعلى الرغم من هذه الجهود المبذولة الممكنة لضمان دقة الإقتباس القرآني في الموسوعة، إلا أنه لا توجد ترجمة معُتمدة لمثل هذه المشاريع. حيث كان المؤلفون أحرارا ً في إستخدام ترجماتهم الخاصة، أو الترجمات المتُاحة والمتوفرة للمقاطع المذكورة في مقالاتهم. وبالمثل، لم تكن هناك طريقة للتأكد من وجود توحيد للمصادر العربية الكلاسيكية، مثل الحديث أو بعض التفاسير حول القرآن. من المهم الإشارة هنا، إلى أن “تعليمات المؤلفين” كانت تقتضي بإدراج الإصدارات المفضلة لهم، غير إنها لم تكن متوفرة في المكتبات الجامعية، أو الخاصة بالمؤلفين أنفسهم. وعلى الرغم من أنني كنت أتمنى توحيد جميع المراجع، إلا أن الوقت لتحرير هذه المقالات لم يكن كافيا ً مما سيؤدي إلى تأجيل النشر.

وبعيدا ً عن التكرار، أود التأكيد على أن هذه الموسوعة هي جهد أولي، وإفتتاحي. فهي محاولة أولى لإنشاء عمل مرجعي كبير في مجال به موارد قليلة نسبيا ً. فمنذ بداية العمل على هذه الموسوعة، كان المحررون على وعي تام بعدم وجود دقة كاملة لهذه الطبعة الأولى. غير أنه سيكون لدى القُراء والباحثين موضوعات من الممكن إضافتها، وإقتراحها لإدارة هذا المشروع التي ترحب بها. فمن الممكن أن تصدر طبعة ثانية منقحة لهذه الموسوعة إذا كانت هناك تعديلات تقتضي ذلك. 

تعليق ختامي حول المواضيع الجدلية:

كملاحظة ختامية، صادرة من المحرر أو المحررة العامة للموسوعة (غير أن هذا ربما يعتبر شكلا ً من الدراسات والبحوث السائدة في العقدين الأخيرين الماضيين). فهذا الموضوع إلى حد ٍ كبير مثير للجدل. حيث تلقيت الكثير من الأسئلة من الصحفيين والزملاء عما أذا كنت أشعر بالإرتياح من هذا العمل، أو إنني معرضة للخطر بسببه. فكانت الإجابة المستمرة “لا” وعادة ما تكون هذه الإجابة مصحوبة ببعض التعبير بالأسف، بسبب سوء تقديم للحساسية التي يعاني منها المسلمون التي من الممكن أن تثير الكثير من الأسئلة. ومع ذلك، فإن دراسة النص المقدس للملايين من البشر مهمة جدا ً، فالكثير من المسلمين يشعرون بقوة بأنه لا ينبغي لغير المسلم أن يلمس القرآن، ولا يقول شئ عنه، أو يقرأه، أو حتى يُعلّق عليه. ومع ذلك لا يشعر معظم المسلمين بهذا الشكل. ففي حين أن هناك الكثير من الأشخاص يختارون تجاهل البحوث غير المسلمة حول القرآن بإعتباره لا علاقة له، فإن آخرين يرحبون بالمساهمات التي قدمها، ويقدمها باحثون غير مسلمين في هذا المجال.

وبالعكس من ذلك، فهناك عُلماء غير مسلمين حاولوا الكتابة عن القرآن بطريقة لا تثير الحساسيات اللاهوتية للمسلمين. بينما عمل آخرون على أن هذه الإفتراضات لا مكان لها في الخطاب العلمي، والأكاديمي. حيث تختلف الشخصيات، والتوجهات الأيديولوجية، وكذلك الممارسات العملية للعُلماء والباحثين لدى الطرفين. لقد تبنيت عن عمد تعدد الأساليب والرؤى داخل هذه الموسوعة، لكنني أدركت حقيقة بأنه لا يتفق جميع الباحثين والعُلماء المسلمون غير المسلمين مع هذا النهج. فهناك زملاء مسلمون وعُلماء فضلوا عدم المشاركة في هذه الموسوعة خوفا ً من أن يؤدي هذا التعاون للتشكيك في نزاهتهم العلمية. وفي المقابل، هناك زملاء غير مسلمين فضلوا عدم المشاركة أيضا ً لنفس السبب. ومع ذلك، فإن هذه النماذج والردود تعتبر إستثناءات فقط، ليس إلا، فمعظم الذين تمت دعوتهم للمساهمة رحبوا بحماسة كبيرة، وحيوية هائلة لهذه المشاركة، على أمل أن يساهم هذا العمل المرجعي في تطوير الدراسات القرآنية. متمنية مع كل فريق التحرير المساعد، والمؤلفين، وبكل إخلاص أن يساهم هذا العمل في إنجاز هذا الطموح.

جين دامن مكاوليف

محررة الموسوعة

جامعة جورج تاون.

لقراءة الجزء الأول من المقال، اضغط هنا.

عن الكاتب

Avatar

علي بن سليمان الرواحي

كاتب وباحث عماني

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.