العاشر بعد المئة

هل ماتت الفلسفة؟

Written by علي داود

لربَما يصعب تحديد بداية التفكير الفلسفي توقيتًا وموقعًا، خاصة إذا ما أخذنا البشرية كلّها في عين الاعتبار، وليس الغرب أو الشرق فقط. وإذا عرّفنا الفلسفة على أنها حب الحكمة – حسب الأصل اليوناني للكلمة – سواء كانت كأسلوب في الشك وإثارة الأسئلة أم كطريقة في معرفة الأشياء والحقيقة أم كفنّ خاص للعيش(1)، فإننا نستطيع اعتمادا على مكتشفات علم الآثار أن نعتقد أن التفكير الفلسفي رفيق الإنسان منذ البداية إن جاز التعبير، إذ عثر الباحثون على آثار طقوس دينية تمتد إلى أنواع بشرية أخرى منقرضة مثل النياندرتال(2)، والطقوس الدينية بطبيعة الحال دليل على وجود نوع من محاولة لفهم العالَم، وإن كانت محاولة بدائية حسب البعض.

أما بالنسبة للفلسفة بوصفها عملًا فكريًا منهجيًا دقيقًا؛ فقد قسّمها أرسطو إلى نوعين: نظرية وعملية. وقسّم الفلسفة النظرية إلى ثلاثة أقسام: الإلهيات والطبيعيات والرياضيات، وقسم الفلسفة العملية إلى ثلاثة أقسام أيضا: الأخلاق وسياسة المدن وتدبير المنزل(3). تدريجيا، أصبحت كلمة الفلسفة تٌطلق تحديدًا على القسم الأول من الفلسفة النظريّة، أي الإلهيات، وهكذا نلاحظ الشبهة في طرح مسألة انفصال العلوم الطبيعية كالفيزياء والأحياء عن الفلسفة بمعنى الإلهيات. فالعلوم الطبيعية لم تكن جزءًا من الإلهيات وإنما جزءًا من الفلسفة، والفلسفة تاريخيًّا كانت تعني كل العلوم والمعارف المتوفرة(4). ويُعدّ أرسطو وغيره من الفلاسفة الإغريق القدماء أصحاب طرق علمية في مجال العلوم الطبيعية، فقد اعتمدوا الملاحظة أسلوبًا للتحقيق فيها، وتوصّلوا إلى تفسيرات صائبة أحيانا وخاطئة أحيانا أخرى، وما زالت بعض اختراعاتهم ونظرياتهم تُستخدم حتى اليوم، ولعلّ اعتمادهم الشديد – وخاصة أرسطو – على المنطق الصوري أو أسلوب الاستنباط من العام إلى الخاص(5) هو ما جعلهم يقللون من أهمية الملاحظة ويقعون في الكثير من الأخطاء(6). لقد كان الفيلسوف منذ أيام ما قبل أرسطو وحتى عهد قريب يمتدّ إلى كانط يساهم في العلوم مساهمة العالِم، فتكون له نظرياته وتفسيراته العلمية، وذلك على اختلاف أو تطور الأساليب والأدوات العلمية(7).

مع نهاية الربع الأول من القرن العشرين حصلت طفرة استثنائية؛ حيث اجتمع مجموعة من الفلاسفة في فيينا لوضع حد للجدل الفلسفي الطويل في مواضيع تندرج من حيث الأصل تحت قسم الإلهيات (أو الميتافيزيقيا كما تسمى أحيانا) منبهرين بالنجاح الذي حققته العلوم الطبيعية. يمكن – مرة أخرى – هنا ملاحظة الخلط بين قسمي الطبيعيات والإلهيات، فوضع حد للجدل الفلسفي الطويل حول مواضيع الميتافيزيقيا ينبغي – من حيث الأصل – أن لا يكون له علاقة بمجال العلوم الطبيعية وتطورها، فهذا قسم وذاك قسم آخر، ولكن – هذا الخلط – مفهوم باعتبار أنه في الواقع امتزجت الأدوات والأساليب المستخدمة في كلا الفلسفتين، فأسلوب القياس المنطقي الصوري ظل مهيمنا في كليهما لمئات القرون، أضف إلى ذلك تقارب الميتافيزيقيا والعلوم الطبيعية في بحث الواقع وتحقيقه: الأولى عن طريق نظرية المعرفة(8)، والثانية عن طريق الفيزياء الحديثة. اتفقت هذه الجماعة على أن كل المواضيع والقضايا الميتافيزيقية لا معنى لها؛ لأنها لا يمكن التثبت من صحتها ولا تحدِث أي تغيير ملموس، وأنَ وظيفة الفلسفة الصحيحة هي وضع منطق للعلوم نظير المنطق الرياضي الذي طوره كلٌّ من فريج وراسل وهيلبرت(9). سُميت هذه الجماعة بالوضعية المنطقية، وفي محاولتها لتطبيق معيارها الجريء تعرّضت للكثير من الفشل، وانتهت إلى موقف أكثر تواضعا معتبرة أن مهمتها الرئيسة هي فهم المبادئ التي جعلت من العلوم الطبيعية ناجحة لهذا الحد، واعتماد المنطق الرياضي لتطوير أي منهج علمي(10).

امتدادا لهذا التوجه الجديد في الفلسفة نشأت فلسفة العلوم، ويُعدّ كارل بوبر وتوماس كون من أهم المؤثرين المعاصرين فيها، وبقاء تأثيرهما بل وتأثير مدرسة الوضعية المنطقية بشكل عام في الوسط العلمي اليوم لهو دليل على أن الفلسفة ما زالت حيّةَ وتقوم بدورها الفعّال في توجيه العلوم. إن دعاوى موت الفلسفة في الوسط العلمي كالتي أطلقها ستيفن هوكنج في كتابه ‘التصميم العظيم’ إنما هي نتاج تأثير الوضعية المنطقية التي رفضت الفلسفة بمعنى الميتافيزيقيا. وفي الحقيقة، رفض الفلسفة نفسه يحتاج إلى فلسفة، وهذا ما يفعله العلماء تحديدا عندما يدّعون موت الفلسفة. إنهم يبتكرون أو يتبنّون منهجا أو طريقة فلسفية في التحقيق العلمي دون غيرها(11).

إن الطريقة الفلسفية السائدة حاليا في الوسط العلمي تعتمد على فكرة ‘قابلية الدَحض’ في النظريات العلمية التي نظّر لها كارل وبوبر، وفكرة ‘اللامقايسة’ بين الثورات العلمية التي نظّر لها توماس كون. الأولى تعني أنه ليس من وظيفة العلم إثبات أو ترجيح صحة أي نظرية، بل كل ما يقوم به العلم هو التحقيق في عدم خطئها، فنظرية النسبية لإينشتاين مثلا – حسب فكرة بوبر – ليست مثبتة ولا حتى مرجحًا أن تكون صحيحة حتى لو وافقت أو نجحت في تفسير عدد من الملاحظات، وذلك لأنه من الممكن أن تظهر ملاحظة جديدة تثبت خطأ النظرية، وهكذا يصبح العالِم مستمرا في تحقيقاته بشكل أعمى، لا يواصل بناء العلماء الذين سبقوه. كذلك تفعل فكرة ‘اللامقايسة” عند توماس كون، التي تفصل بين الثورات العلمية المميزة في تاريخ العلم فصلا تاما، بحيث تتطلب كل ثورة علمية هدم كل البناء العلمي السابق والبدء من جديد، فالفيزياء – مثلا – بعد إينشتاين لا يمكن قياسها بالفيزياء التي قبله، ولابد من إعادة فهم وتفسير كل شيء من جديد وفقا للتصورات والمبادئ الجديدة التي طرحها إينشتاين(12).

لقد أدت هذه الأفكار إلى عرقلة التقدم العلمي، وفي أقل تقدير فإنها لا تتوافق تماما مع واقع العلم والعلماء. فالعلم ليس موضوعيا أو نقديا دائما بحيث يستمر في إثبات خطأ نظرياته. هناك معلومات ونظريات يعتبرها العلماء في كل تخصص حقائق ومعطيات يسلّمون لها ويبنون عليها، كما أن الفصل التام بين الثورات العلمية محل جدل بين فلاسفة العلم، إذ يعتقد بعضهم بوجود نوع من الاتصال بينها بحيث يمكن القول إن هناك تقدما علميا مستمرا، وأن المقايسة بينها وتحديد الأفضلية ممكن في حال تمكنت الثورة العلمية الجديدة من حل كل أو معظم الألغاز التي كانت مستعصية قبلها، بحيث حققت نوعا من الطمأنينة والثقة لدى العلماء(13). أضف إلى ذلك الأزمة الحقيقية لفيزياء الكم التي تتراكم فيها النظريات والتفسيرات المختلفة، وتجد لها مؤيديها رغم عدم قدرة أي طرف على إثبات نظريته بالتجربة دون نظرية الطرف الآخر(14).

إن العلم اليوم بحاجة إلى أن يخرج من سلطة التطبيع مع طريقته العلمية هذه، التي يتبعها على الأغلب من دون إدراك أنها نتاج فكر فلسفي(15)، وهنا تأتي أهمية الفلسفة، فلسفة العلوم تحديدا، في تحديث أو تغيير التصورات والمفاهيم الذهنية وفتح آفاق علمية جديدة عبر النقاش في الأسس والبدهيات والأساليب، إضافة إلى المساعدة في حل أكثر الأسئلة العلمية أهمية اليوم، والتي لا تخلو من مسحة ميتافيزيقية لاستعصائها أمام تجارب المختبر، مثل: ما الزمن؟ ما المكان؟ هل الواقع حتميّ أم احتماليّ؟ ما الوعي؟ هل هناك إرادة حرّة؟(16).

لقد ناقش كبار العلماء مثل نيوتن وإينشتاين وهايزنبيرج قضايا فلسفية وميتافيزيقية ولم يترددوا في إبداء آرائهم فيها، واعترفوا بتأثرهم بكبار الفلاسفة وفضل الفلسفة على نظرياتهم، فلقد كانت لنيوتن آراء مهمة في الإلهيات والدين متأثرة بنظرته الميكانيكية لطريقة عمل الكون(17)، كما أجاب إينشتاين بالموافقة على رسالة لأحد زملائه على أهمية إدخال فلسفة العلوم ضمن المنهج التعليمي للفيزياء، نظرا لأهمية الخلفية الفلسفية في الاستقلال عن الأحكام السابقة وتمييز الباحث الحقيقي عن مجرد متخصص حرفي(18). أما هايزينبيرج – أحد الآباء المؤسسين لميكانيكا الكم – فقد ألقى محاضرات مهمة في العلاقة بين الفيزياء والفلسفة في جامعة سانت أندرو بأسكتلندا عندما طُلب منه ذلك سنة 1955(19). ولكن المشكلة ليست في رفض العلماء للفلسفة فحسب؛ بل تمتد لتشمل تجنب بعض الفلاسفة للعلم. وكما أشرتُ في مقال سابق فإن الفلسفة في منطقتنا العربية وحدودنا الإسلامية ينبغي أن تقترب من العلم وإلا فإنها ستموت – على الأقل – من تضاءل الاهتمام بها(20)، وهناك بعض المحاولات الجادة لتجنب ذلك، وإن كانت من نوع اقتراب الميتافيزيقيا من العلم(21). أما في الثقافة الغربية، فالفلسفة بعد ميتافيزيقيا هيدجر(22) قد تكون تركت أثرها في ابتعاد بعض الفلاسفة عن العلم بل تفاخرهم بعدم تبعيتهم للعلم، إلا أن جدلية الطريقة الصحيحة لفعل التفلسف في الثقافة الغربية هو جدل فلسفي-فلسفي بالدرجة الأولى، وليس فلسفي-علمي(23)، ولعل القرن الحادي والعشرين بتحدياته المعرفية قد يشهد مزيدا من تقارب الأضداد: العلم وفلسفته من جهة والميتافيزيقيا من جهة أخرى دون أن يلغي أي منهما الآخر.


(1) دورتيي، جان فرانسوا. (2009). فلسفات عصرنا. بيروت، لبنان: الدار العربية للعلوم ناشرون
(2) السواح، فراس. (2002). دين الإنسان. دمشق، سورية: منشورات دار علاء الدين
(3) الرفاعي، عبدالجبار (2005). مبادئ الفلسفة الإسلامية. بيروت، لبنان: دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع
(4) الطباطبائي، محمد حسين (2017). أصول الفلسفة والمنهج الواقعي. قم، إيران: دار زين العابدين
(5) المنطق الصوري الذي أعدّه أرسطو هو أسلوب في التفكير والاستدلال يعتمد على استنباط القضايا الخاصة من القضايا العامة، ويفيد اليقين بشكل حتمي، ومثاله: كل إنسان يموت، زيد إنسان، إذن زيد يموت. وقد سمي بالصوري لأنه يكتفي بصحة شكل وصورة الاستدلال بغض النظر عن محتواه ليكون استخدامه صحيحا.
(6) 2020. [online] Available at: https://www.ancient.eu/Greek_Science/.
(7) Plato.stanford.edu. 2020. Kant’S Philosophy Of Science (Stanford Encyclopedia Of Philosophy). [online] Available at: https://plato.stanford.edu/entries/kant-science/#Mec.
(8) نظرية المعرفة أو الأبستمولوجيا هي إحدى فروع الفلسفة التي تهتم بالبحث في طبيعة المعرفة ومصدرها وأدواتها الصحيحة.
(9) جاء المنطق الرياضي أو الرمزي كمطور أو مصحَح للمنطق الصوري القديم، ويساعد على عملية الاستدلال بأقل استخدام للبدهيات، معتمدا على الرموز بدل اللغة الشائعة.
(10) Encyclopedia Britannica. 2020. Philosophy Of Science. [online] Available at: https://www.britannica.com/topic/philosophy-of-science.
(11) Rovelli, C., 2020. Physics Needs Philosophy / Philosophy Needs Physics. [online] Scientific American Blog Network. Available at: https://blogs.scientificamerican.com/observations/physics-needs-philosophy-philosophy-needs-physics/.
(12) المصدر السابق
(13) Youtu.be. 2020. Philosophy Of The Humanities. [online] Available at: https://youtu.be/euE7PP_RUfk.
(14) Lawrence, J., 2020. [online] Quaora. Available at: https://www.quora.com/What-is-the-relationship-between-philosophy-and-physics-today [Accessed 18 July 2020].
(15) يذهب ميشيل فوكو إلى أن أشد أنواع السلطة شيوعا وأكثرها خطورة هي سلطة التطبيع، التي تمارسها جهات ومؤسسات قد لا تخطر على البال مثل الجامعات، وذلك بتعليمها أسلوبا محددا في اكتساب المعرفة أو التحقيق أو العيش، فيصبح الفرد يعتقد أن ذلك الأسلوب هو الطبيعي وغيره شاذ عن الطبيعة. وتكمن خطورة هذا النوع من السلطة في أنها لاواعية، وتحتاج إلى فترة زمنية طويلة قد تمتد لقرون حتى يتم التغلب عليها.
(16) يتميز القرن الحادي والعشرين بالثورة الصناعية الرابعة المتركَزة حول الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وبالتالي السؤال عن ماهية الوعي البشري والإرادة البشرية. ويؤدي فلاسفة العقل في هذا المجال دورا مهما جنبا إلى جنب مع علماء الأعصاب وعلماء النفس وغيرهم.
(17) ناسا بالعربي. 2020. ناسا بالعربي – عشر حقائق غريبة عن نيوتن. [online] Available at: https://nasainarabic.net/main/articles/view/ten-strange-facts-about-newton.
(18) Physicstoday. 2020. Albert Einstein As A Philosopher Of Science. [online] Available at: https://physicstoday.scitation.org/doi/10.1063/1.2169442.
(19) فيرنر، هايزينبيرج (2011). الفيزياء والفلسفة. اللاذقية، سوريا: دار الحوار للنشر والتوزيع
(20) اللواتي, ع., 2020. الفيزياء الحديثة وأسس المعرفة البشرية. [online] مجلة الفلق الإلكترونية. Available at: https://www.alfalq.com/?p=12321 [Accessed 27 July 2020].
(21) محمد, ي., 2020. فلسفة العلم و الفهم | السببية والزمن الفيزيائي. [online] Philosophyofsci.com. Available at: http://www.philosophyofsci.com/index.php?id=107.
(22) ذهب الفيلسوف الألماني هيدجر إلى أن الفلسفة انحرفت عن مسارها الأصلي ومهمتها الحقيقية، وهو البحث في الوجود، كما اعتبر الجدل الفلسفي بين العقليين والتجريبيين زائفا باعتبار أن كليهما يصوران الإنسان كموضوع مستقل عن العالَم، في حين أن كينونة الإنسان – حسب هيدجر – هو أنه في العالَم. وقد واجهت فلسفة هيدجر رد فعل شديدة ومتوقعة من ابن بلده وأحد مؤسسي الوضعية المنطقية رودولف كارناب والذي بدوره أرجع فلسفة هيدجر إلى سوء استخدام للغة.
23)) Aeon. 2020. Heidegger V Carnap: How Logic Took Issue With Metaphysics – Sam Dresser | Aeon Essays. [online] Available at: https://aeon.co/essays/heidegger-v-carnap-how-logic-took-issue-with-metaphysics.

عن الكاتب

علي داود

اترك تعليقاً