الاتفاق الإماراتي – الإسرائيلي.. صفقة دبلوماسية تتجاوز مفهوم “التطبيع” إلى “التحالف”

كتب بواسطة نبال خماش

قبل ثمانية أشهر من الآن، نُشرت في مجلة “الفلق الالكترونية” قراءة في كتاب “مكان تحت الشمس” لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ومن خلال استعراض لأهم ما تضمنه الكتاب من أفكار ومشاريع طرحها صاحب الكتاب قبل ثلاثين عاما تقريبا، ومقارنتها بالتطورات والمستجدات الراهنة؛ خلصت القراءة إلى جملة من النتائج، في مقدمتها أن النجاح الأبرز الذي يعوّل عليه نتنياهو في تحقيق الحلم الصهيوني، الذي وظفه وسخره لتحقيق طموحاته الشخصية، يكمن بمدى “نجاحه في اختراق منظومة دول الخليج العربي، والانخراط في عملية تطبيع مع أنظمتها السياسية”. والآن، وفي حال أردنا استكمال الفكرة السابقة بناء على الإعلان الذي صدر مؤخرا حول صفقة دبلوماسية بين أبو ظبي وتل أبيب برعاية واشنطن، فإنه وبعد قراءة بنود هذا التفصيل يمكن إضافة تعديل جوهري لما كان قد نشر، باعتبار أن هدف الاختراق الإسرائيلي لمنطقة الخليج العربي، وفقا للمعطى الجديد، يتجاوز مفهوم “التطبيع”، ليبلغ شكل العلاقة المستقبلية بين تل أبيب والعواصم الخليجية إلى مرحلة “التحالف”، بأبعاده السياسية والأمنية والاقتصادية.
ليس سرًّا أن كافة دول الخليج العربي هي في مسعى جاد للتقارب مع إسرائيل، وأن أيًّا من هذه الدول لا يضع اشتراطات حقيقية أمام تل أبيب في سبيل التوصّل إلى حلٍّ عادل في ملف القضية الفلسطينية، أو بالحد الأدنى أن تقدم إسرائيل مبادرات تترجم على الأرض يقبلها أو يتقبلها الفلسطينيون، على نحوٍ يكون متوافقا مع مسيرة النضال الطويلة. فقد بات واضحًا وبحكم المؤكد، أن هذه المسألة هي في حقيقة الواقع السياسي قضية هامشية، وهذا الواقع السياسيّ ليس مقتصرًا على دول الخليج العربي فحسب، وإنما تنسحب تداعياته لتشمل عموم الدول العربية التي باتت كل واحدة منها مشغولة بشأنها الداخلي، وحماية نظامها السياسي من تهديدات متعددة.
باعتبارها صاحبة السبق في افتتاح بازار “التطبيع” أو “التحالف” الخليجي مع إسرائيل، فمن المؤكد أن الإمارات العربية لم تقدم على هذه الخطوة إلا وقد أجرت تقييمات متعددة للمكاسب (بالدرجة الأولى) التي يمكن أن تحققها جرّاء إبرامها هكذا تحالف، وعلى الأرجح، إن لم يكن من المؤكد، فإن البند الأول في التقييم “الإيجابي” لهذه الخطوة، أن تعمل هذه الصفقة على تعزيز مكانة دولة الإمارات في الخليج العربي، على وجه الخصوص، وأن هذا التعزيز سيكون مدعوما من الأمريكان والإسرائيليين على حد سواء، ما يتيح لها وفق حسابات مهندسي الصفقة الإماراتيين، أنه بات بمقدور دولتهم لعب الدور السياسي الذي تسعى لتحقيقه منذ سنوات، وأن الفرصة في ظل المتغير الجديد باتت مهيأة لاستكمال باقي تفاصيل المشروع الإماراتي على مستوى الجيوسياسي.
وبالإضافة إلى هذا البند الكبير، الذي تتفرع منه بنود عديدة، فإن الأجندة الإماراتية حافلة بالبنود والأولويات. وباعتبار أن للإسرائيليين كذلك أجندتهم الاستراتيجية الكبرى، التي هي في الحقيقة “أم الأجندات السياسية” في المنطقة كلها، فعلى الأرجح أن الإماراتيين بذلوا جهدا غير قليل حتى لا تتعارض أي من بنودهم “الوطنية” مع البنود الإسرائيلية، مع مراعاة ألا تتفوق أي من أجندات الدول الشقيقة على البنود الإماراتية، وتقدم للإسرائيليين ما لم يخطر على بال السياسي.
وإذا كان لكل دولة من دول المنطقة أجندتها الخاصة على المستويين المحلي والإقليمي، والقسم الأكبر من هذه الأجندات في حالة تعارض تبلغ في بعض الأحيان مستوى الصدام مع تطلعات وطموح الجوار، فإن هذه الحالة مقروءة وعلى نحو دقيق في تل أبيب، التي لديها القدرة على استيعاب هذه الأجندات الإقليمية، وتفكيكها وإعادة ترتيب أولوياتها، إضافة إلى الاستثمار فيها جميعا وتوظيفها في خدمة مشروعها التوسعي… وإذا كانت صيغة “التحالف” مع إسرائيل هي المعنى الأكثر ملاءمة لواقع علاقة دولة الإمارات العربية مع إسرائيل، وهي ذات الصيغة التي ستعتمد في إعلانات خليجية لاحقة، فإن الإعلانات المقبلة ستكون أداة إضافية في تعميق حالة انعدام الثقة والانقسام بين هذه الدول، وأن دور تل أبيب في المرحلة المقبلة، ووفقا لتنامي أوجه التعاون الأمني تحديدا مع دول المنطقة، يتلخص في القدرة ليس فقط على إبقاء الخلافات الخليجية وإدامتها، وإنما في إدارة هذه الخلافات والاستثمار فيها وتعزيز مناخات التنافس والتكايد التقليدية. ومع ذلك؛ فسيبقى الجهد السياسي في هذه الدول تحت ضغط يكاد لا ينقطع في سبيل بلوغ الرضى الإسرائيلي، الذي لن يبلغه في النهاية أحد.
لو أخذنا الملف الإيراني وأثره في العلاقات الخليجية الإسرائيلية كنموذج لحالة التوظيف -في البعد الإسرائيلي-، والتنافس -في البعد الخليجي- وهو بالتأكيد من أكبر الملفات وأخطرها التي تشغل السياسة الإسرائيلية. فمن المرجح أن تدخل كل من أبو ظبي والدوحة في تنافس لإظهار مدى صلاحيتهما ونفعهما للأجندة الإسرائيلية، وسيقدم كلا الطرفين نفسه باعتباره الجهة الأكثر قدرة ونفعا للقيام بدور وسيط “ممتاز” بين تل أبيب وطهران، والحديث هنا عن ملف منح الدبلوماسية العمانية على وجه الخصوص عددا من المزايا الوازنة على صعيد الإقليم. وتحت وطأة الشعور بفقدان هذه الميزة النوعية، أو على أقل تقدير فإن التحرّك العماني مستقبلا سيكون باتجاه أكبر نحو إسرائيل. وهذه الرؤية يمكن تدعيمها بالاجتماع العلني الذي أجراه الراحل، السلطان قابوس بن سعيد، في فترة حياته الأخيرة، الذي اعتبره تحليل نشر بوقتها على هذه المجلة الإلكترونية، باعتبار أن هذه الخطوة المفاجئة التي أقدم عليها السلطان قابوس تهدف إلى ” أخذ الاحتياطات والضمانات اللازمة لغاية حفظ التوازن وضمانة الاستقرار الداخلي، في مرحلة ما بعد قابوس، أمام الصراعات الملتهبة المحيطة بالسلطنة”.
التأني السعودي، وعدم الاستعجال في الانخراط بعقد تحالف مع إسرائيل، له ما يبرره وفق حسابات الرياض، وهذا يستدعي الانتظار بعض الوقت قبل بلوغ لحظة الإعلان التي ستحرص تل أبيب على تحقيقها في المدى القريب، أو المتوسط بأبعد تقدير، باعتبار أن السعودية هي الجائزة الكبرى للمشروع الإسرائيلي. وفي الوقت التي تقضيه الرياض بالانتظار والمراقبة، سنشهد في الفترة القريبة مزيدا من الاختراقات الإسرائيلية للعواصم الخليجية، وسيصدر الإعلان “التطبيعي/التحالفي” الثاني من المنامة، وبعد فترة من الدوحة.

العاشر بعد المئة سياسة

عن الكاتب

نبال خماش

كاتب أردني

اترك تعليقاً