رونيه ديكارت وأُسس فلسفته العقلانيّة (2)

كتب بواسطة محمد كزو

صورة بعدسة الكاتب لكنيسة “سان جرمان دي بري”، الشاهقة والضخمة، حيث يوجد قبر “رونيه ديكارت”، وسط العاصمة الفرنسية “باريس”

الأساس الثّاني: ثنائية النّفس والجسد

         لابدّ هنا من البدء بالأسئلة الآتية: ما هي النّفس؟ ما هو الجسد؟ كيف يتواصلا؟ لماذا النّفس خالدة؟ ولماذا يفنى الجسم؟ ما غاية ديكارت في التّفريق بينهما؟ وما الهدف من دراسة هذه الثّنائية؟ ما الفرق بين الجوهر والامتداد؟ لماذا أعاد وصلهما من جديد في منهجه؟ بأيّ مِنهُما نوجد؟ ولأيّ منهما تُنسب الأفعال والأخطاء؟

         في هذا المحور يؤكّد ديكارت أنّ معرفة النّفس أوضح مِن معرفة الجسم، إذ حين نفكّر في الأشياء، سواء كانت موجودة أم لا باطلة أم صحيحة، فنحن موجودون بفكرنا لا بأجسادنا، «ويبدو لي أيضاً أن هذا المسلك هو خير المسالك التي نستطيع أن نختارها لكي نعرف طبيعة النّفس وأنّها جوهر متميِّز كلّ التّميّز عن البدن: لأنّنا حين نفحص عن ماهيتنا نحن الذين نفكّر الآن في أنّه ليس خارج فكرنا شيء هو موجود حقًّا، نعرف جليًّا أنّنا لا نحتاج لكي نكون موجودين إلى أيّ شيء آخر يمكن أن يعزى إلى الجسم، وإنّما وجودنا بفكرنا وحده، وإذن ففكرتنا عن نفسنا أو عن فكرنا، سابقة على فكرتنا عن الجسم، وهذه الفكرة أكثر يقيناً. بالنّظر إلى أنّنا لا نزال نشكّ في وجود أيّ جسم في حين أنّنا نعرف على وجه اليقين أنّنا نفكّر»(1)، وهذه المعاني واضحة بذاتها، وتصير غامضة حينما تُفَسَّرُ بطريقة قديمة دون منهج سليم، فحيث يعتقد النّاس أنّهم موجودون، ويثقون في وجودهم كثيراً، وبفهمِهِم الوجود جسداً لا نفساً، فَهُمْ ينسِبون الخطأ للجسم لا للنّفس.

        على الصّعيد نفسه، يقترح ديكارت ثلاثة أنواع مِن التّمييزات، لتفادي هذه الكلّيات أي الأخطاء والأفكار العامّة، أوّلها التّمييز الواقعيّ بين جوهرين أو أكثر، هنا يُقَدِّم ثنائية النّفس والجسد رغم الاتّحاد الظّاهر بينهما، فـ«الحجج التي تثبت أنّ روحنا هي من طبيعة مستقلّة كلّ الاستقلال عن الجسم، وأنّها تبعاً لهذا ليست عرضة للموت معه، ثمّ إنّه على مقدار كوننا لا نرى غير الموت علّة لفنائها، فإنّه يحملنا ذلك بالطّبع على أن نحكم من هذا بأنّها خالدة»(2)، إذ كلّ شيء يفصل الله بينه أو يحفظه منفصلًا يكون متميّزاً في الواقع؛ أما ثانيها التّمييز مِن حيث الحال ويكون بنوعين، الأوّل في الشّكل والجوهر، فحين نعرف الجوهر بوضوح نعرف الشّكل، والثّاني فهو وَجهان لجوهر واحد فيكفي معرفة أحدهِما؛ وثالثها التّمييز المنطقيّ، وبعبارة أخرى التّمييز بالفكر، إذ يُعرف الجوهر بصفة مِن صفاته دون عزلها عن باقي الصّفات.

         بالاستناد لِمَا ذُكر مِن أنواع التّمــيـيزات، فالامتداد جسم بمعنى جوهر جسمانيّ، والفكر نفس بمعنى جوهر عاقل، فالفكر والامتداد هما الجوهر نفسه المُفكِّر والمُمْتد، أي النّفس والجسم؛ ممّا يعني أنّ الفكر صفة للنّفس والامتداد صفة للجسد، وهما حالان مختلفان يجتمعان في جوهر واحد، يقول ديكارت: «وصفتُ النّفس النّاطقة بعد ذلك، وبيَّنت أنّها لا يمكن البتّة أن تكون منتزعة من قوّة المادّة كما تنتزع الأشياء الأخرى (…) ولكن يجب حتماً أن تكون مخلوقة. وبيّنت كيف أنّه لا يكفي أن تكون ساكنة في الجسم الإنسانيّ كما يسكن البحّار في سفينته. لا يكفي هذا إلّا في أن يمثّل تحريكها لأعضائه، بل إنّ هناك حاجة إلى أن تكون متّصلة بالبدن ومتّحِدة معه على وجه أوثق حتى يكون لها عدا ذلك عواطف وشهوات مماثلة لما عندنا منها بذلك يتألّف إنسان حقيقيّ»(3)، جدير بالذّكر هنا، أنّ خاصيات الفكر هي: الفهم، الإرادة، التّخيل…، وخاصيات الامتداد هي: الأشكال جميعها، أجزاؤها، حركاتها…

         بيد أنّ، الأحاسيس والانفعالات والشّهوات نعرفها بوضوح، ونخطئ إذَا حكمنا عليها لسبب واحد، هو اعتقاد كوَّنَّاه عنها بداية حياتنا أنّها توجد خارج ذهننا، وتشبه أفكارنا عنها؛ يُقابِل ذلك أنّنا نخطئ الحُكم، كوننا نحس ألماً في بعض أجزاء جسمنا، وأيضا نخطئ في سائر أحاسيسنا؛ فالدّغدغة والألم ينتميان لنا في جسمنا، وليس للأشياء المُسبِّبة لهما. لابدّ مِن القول: أنّه يلزم التّفرقة في أحاسيسنا بين الجَلِيّ في الذّهن، إذَا حكَمْنا عليه بالفكر فقط، وبين الغامض خارج الذّهن، بِمَا يقبل الشّك والتّنقيح.

         تجدر الإشارة إلى أنّ ثنائية النّفس والجسد، كانت العنوان الفرعيّ لكتابه “تأمّلات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى”، وكان يطمح أن يفرّق بينهما، ليقول للكنيسة: أنّ النّفس خالدة والجسم يفنى، مُهادَنة لها ولأفكارها، “فالتّأملات” تعني الميتافيزيقا أي الله المطلق الأزليّ، و”الفلسفة الأولى” التي تأمّلَ فيها، تعني فلسفة أرسطو التي سيشيِّد على أنقاضها فلسفته الثّانية الجديدة ركيزة للحداثة، وهذه هي الحقيقة التي أخفاها طيلة الكتاب الذي ضمّ ستّة مبادئ؛ تحدّث فيها عن الخلود بشكل مقتضب في كلّ واحدة منها بإيجاز أو بإشارة حتّى، عكس التّأمل الثّالث الذي جاء بعنوان: “في الله وأنا موجود”، والشّيء نفسه في التّأمل الخامس بعنوان: “في ماهية الأشياء المادية والعودة إلى الله ووجوده”. فيمكننا هنا أن نطرح الأسئلة التّالية: لماذا لم يتطرّق للخلود حتّى المبدأ الثّالث؟ بمعنى، أنّه تجاوز مبدأين كاملين؟ ولماذا عاد لإثبات وجود الله من جديد في التّأمل الخامس؟، فيكون الجواب أنّه أوغل في المسائل العِلميّة التي تهدم مبادئ أرسطو، فخاف أن ينكشف أمره، وعاد ليُطمئن الكنيسة من جديد، فيذكّرها بأنّه مازال على إيمانه، وعلى مبادئه الأولى، وأنّه يخدم المؤمنين ضدّ الكافرين. ويبدو جليًّا في هاته المسألة، أنّ ديكارت لم يترك أبداً هذه الفكرة تغيب عن باله أثناء الكتابة، فكان كمَن يجسّ النّبض ويقيس حرارة أفكاره؛ إذ أنّه تارة يغوص في فلسفته، وتارة أخرى يعود لأحضان الكنيسة وهكذا. ومع ذلك لا يخفى أنّ ديكارت تلاعب، إن صحّ التّعبير، بالمصطلحيْن كثيراً، حتّى أنّه اعتبر الجسم آلة يجري عليها ما يجري على مكوّنات الطّبيعة، فهو شيء من الأشياء، بتعبير آخر، مادّة من الموادّ، يقول: «كذلك إذا نظرت إلى جسم الإنسان باعتباره آلة (ماكينة) قد رُكِّبت من العظام والأعصاب والعضلات والشّرايين والدّم والجلد، بحيث أنّه وإن لم يكن فيه نفس لم يخل من أن يتحرّك على جميع الوجوه التي يتحرّك عليها الآن حين لا يتحرّك بتوجيه إرادته، ولا بالتّالي بمعونة نفسه، بل بهيئة أعضائه»(4)، فمبالغة ديكارت هاته في الحديث عن النّفس والجسد، تخدم منهجه العِلميّ في المقام الأوّل وبدرجة كبيرة جداً، إذ الجسم مادّة عاطلة يُفعل بها ولا تفعل، خاضعة لقوانين الطّبيعة لا حول لها ولا قوّة، فهي مجموعة من الأشلاء المركّبة بعناية أي آلة تتحرّك، أما النّفس الغير مرئيّة فبها يوجد الإنسان، وبها يفكر، حتى أنّ رجال الدّين استساغوا الفكرة، وانطوت عليهم الحيلة بخلود الرّوح وفناء الجسد.

         كانت هذه الثّنائية هدفًا أصابه ديكارت، ليستخرج منه “مبدأ العطالة” أو ما يسمى “بالقصور الذّاتي”، وهو المبدأ الذي ساد إبّان القرن السّابع عشر ميلادي؛ مع الصّياغة “الجاليليّة” الفيزيائيّة للمبدأ أوّلاً، ونبوغ ديكارت في الصّياغة الفلسفيّة لنفس المبدأ ثانياً…

الإحالات والهوامش:

(1) مبادئ الفلسفة، رونيه ديكارت، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، سلسلة النصوص الفلسفية (6)، ص: 56.

(2) مقال عن المنهج، رونيه ديكارت، ترجمة محمد محمود الخضيري، مراجعة وتقديم محمد مصطفى حلمي، دار الكتاب العربي القاهرة، ط2/1968م، ص: 187.

(3) المصدر نفسه، ص: 186-187.

(4) تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى، رونيه ديكارت، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين، تصدير مصطفى لبيب، المركز القومي للترجمة، العدد 1297، ط1/2009م، ص: 260.

Hits: 234

الثالث عشر بعد المائة العدد الأخير ثقافة وفكر فلسفة

عن الكاتب

محمد كزو

اترك تعليقاً