رونيه ديكارت وأُسس فلسفته العقلانيّة (4)

كتب بواسطة محمد كزو

صورة بعدسة الكاتب لأعمال “رونيه ديكارت” جميعها، الفلسفيّة والعلميّة والرّياضية وكذلك مراسلاته مع أصدقائه خاصّة “الأب مرسن” صديق طفولته، في مكتبة داخل المنزل الذي وُلد فيه غرب فرنسا

الأساس الرّابع: المنهج الدّيكارتي

         هنا يمكن أن نتساءل: ما الجديد في منهج ديكارت؟ ما هي خطواته؟ ما هي الأخطاء الشّائعة التي يجب تجاوزها؟ ما الفرق بين المنهج الدّيكارتيّ والمنطق الأرسطيّ؟ ما هي أهمّ مميّزات المنهج الجديد؟ وما هو دور سلطان العقل فيه؟

         بناء على ما تقدّم، خَطَّ ديكارت منهجاً يسير وفقه في عزل معرفته النّسبية، والتّفريق بينها بعد الشّكّ فيها، فيُجمل ديكارت أخطاء أغلب النّاس، كالتّالي: أوّل وأكبر خطإ، حُكم ناقص تعلّمناه في صغرنا نطبِّقه أنّه حقيقة، هنا سيتحدّث بشكل صارخ، وبوضوح كبير في هذا النّص الطّويل الذي نسوقه لأهمّيته الشّديدة، عن اكتشافاته العِلميّة الفيزيائيّة والرّياضية، التي أضمرها سابقاً في المرحلة الأولى من حياته، خوفاً مِن الكنيسة، «ومتى اعْتَقَدَتْ –أوهام تعلّمناها بداية حياتنا- بأنّ للحجر أو المعادن نصيباً مِن الجوهريّة أو الجسمانيّة أوفر مِن نصيب الهواء أو الماء، لأنّها أحسّت في الحجر والمعادن زيادة في الصّلابة والثّقل. ولم تكن ترى في الهواء ما يزيد على العدم إذَا لم يتحرّك بالرّيح أو لم يبدلها حارًّا أو بارداً. ولمّا كانت النّجوم لا تجعلها تحسّ مِن الضّوء أكثر ممّا يكون مِن الشّمعة المضيئة، فإنّها لم تتصوّر أنّ كلّ نجمة أكبر مِن الشّعلة التي تبدو في طرف الشّمعة المحترقة. ولمّا كانت النّفس لم تُدْرِك بعد، أنّ الأرض يمكن أن تدور حول محورها، وأنّ سطحها مُنْحَن كسطح الكرة، فقد حَكَمَتْ أوّل الأمر بأنّها ثابتة، وأن سطحها منبسط. وقد وصلنا مِن هذا الطّريق إلى آلاف أخرى مِن الأحكام المُبتسرة، وجعلناها معتقدات لنا حتى حين أصبحنا قادرين على استعمال عقولنا. وبدلاً مِن أن نسلِّم بأنّ هذه الأحكام قد انعقدت في أذهاننا حين كنّا عاجزين عن الإصابة في الحكم، وأنّها تبعاً لذلك يمكن أن تكون أدنى إلى الزّيف منها إلى الحقّ، تلقّيناها على أنّها يقينيّة، وكأنّنا عرفناها معرفة متميّزة عن طريق حواسّنا، كما أنّنا بعدنا عن الشّكّ فيها بعدنا عن الشّكّ في المعاني الشّائعة»(1)، في حين أنّ الخطأ الثّاني عجزنا نسيان أحكام تعوّدنا عليها، وإنْ بلغنا مرحلة نُضجٍ وأصبحنا نستعمل عقولنا في الأحكام، فــ«نَجِدُ مثلًا أنّنا لا نستطيع التّخلّص مِن تخيّلنا النّجوم صغيرة جدًّا، بسبب ما ألفناه مِن تخيّل لها إبّان طفولتنا، مع أنّنا نعرف بأدلّة علم الفَلك أنّها كبيرة جدًّا. فما أعظم ما للفكرة الأولى مِن سلطان علينا!»(2)، وترتّب عليه الخطأ الثّالث، أنّ فكرنا يتعب مِن كثرة النّظر مدّة طويلة لأشياء نحاول الحُكم عليها، سيما العقليّة المحضة؛ لأنّ الإنسان أَلِفَ التّعامل مع الموجود أمامه مِن الأشياء المحسوسة، لا الذّهنيّة الفكريّة [الجوهر]، فلا غرابة أنّ أكثرهم لا يفهمون الأشياء فهمًا صحيحاً، لأنّهم يجهلون منهجاً سليماً لقيادة عقلهم، ثمّ أخيراً الخطأ الرّابع عندما نترجم الأفكار بلغة غير دقيقة، إمَّا لِقُصورنا اللغويّ أو تعلّمناها هكذا منذ زمن بعيد، وبَقِيَت في ذهننا.

         في سياقٍ موازٍ، وبعد سرد الأخطاء الشّائعة هاته، يعطي ديكارت خطوات التّفلسف الصّحيح، وهي: التّخلّص مِن الأحكام السّابقة بمعنى البدء من جديد، فمراجعة الآراء التي سلَّمْنا بها سابقاً لغربلتها أي استعمال مبدأ الشّكّ المنهجيّ، ثمّ مراجعة التّصوّرات الجاهزة الموجودة في ذهننا بحيث نحكم عليها بالعقل وحده، وأخيراً معرفة أنّنا نفكّر بوجود إله نعتمد عليه، فالله أساس الانطلاق، بينما يقول في هذا الصّدد: «فكَّرت في وجوب البحث عن منهج آخر يكون خالياً من العيوب»(3).

         بحيث يصرّ ديكارت، دائماً، أنّ المعرفة الإنسانيّة المليئة بالأخطاء، تأتي عن طريق التّصورات المُكتسبة بلا تأمّل، وتجربة الحواسّ، وأحاديثنا مع غيرنا، وأخيراً مطالعة الكتب والمناهج القديمة؛ وهذه الطّرق نابعة مِن فكر أفلاطون وأرسطو وأتباعهما، يقول مُوضّحاً: «لقد أصاب هذان الرّجُلان مِن الألمعيّة والحكمة، التي تُكتسب بالوسائل الأربع السّابقة، ما أضفى عليهما سلطاناً كبيراً جعل مَن جاؤوا بعدهما يَقِفُون عند متابعة أرائهما أكثر ممّا يسعون إلى شيء أفضل»(4)؛ والشّيء الأفضل هنا أنّ الخلاص في الذّهن، لأنّ بَعْدَ أفلاطون وأرسطو نشأ مذهبان؛ الشّكّ المطلق، واليقين المطلق، دون استعمال العقل للتّمحيص والمُساءلة في كليهما، فالذين لم يُوظّفوا بداهته «قد تابعوا أرسطو متابعة عمياء، حتى إنهم كثيراً ما أفسدوا معنى كتاباته، ناسِبِينَ إليه آراء مختلفة ما كان لِيُقِرَّ نِسْبَتَها إليه لو أنّه عاد إلى هذه الدّنيا»(5)؛ ويعطي هنا مثالًا لِمسافر يُدير ظهره للمكان المقصود، فحتماً سيبتعد كثيراً عن هدفه، «وكذلك شأن الفلسفة، إذَا اصطنعنا فيها مبادئ فاسدة، كان ابتعادنا عن معرفة الحقيقة، ومعرفة الحكمة بمقدار ما نبذل مِن عناية في تعهّدهما، وما ننفق مِن جهد في استخلاص مختلف النّتائج منهما، ونحن نظنّ أنّنا نحسِنُ التّفلسف، مع أنّنا نكون قد أمعنّا في الابتعاد عن الحقّ»(6).

         يتابع ديكارت نحت معالِم منهج بديل، مؤكّدًا الحاجَة لمنطق جديد، يُوجِّه العقل بالمنهج السّليم للتَّعلُّم، بدل منطق قديم يعلِّمُنا كيف نُفْهِمُ الآخر أشياء نَعْلمها بالجدل؛ فالمنطق يشرح ويعرض ويبسِّط، فإذَا كانت المنطلقات سليمة تكون النّهاية سليمة، وإذَا كانت فاسدة تكون النّهاية كذلك؛ أما المنهج، فيُعلِّمُ المرء توجيه عقله لكشف حقائق يجهلها، بيد أنّ الفلسفة الحقّة تنقسم إلى ميتافيزيقا [وجود الله لا مادّية النّفوس]، وفيزيقا [الأرض والأجسام]، وهي فلسفة غايتها الأولى ربط الميتا بالفيزيقا؛ فمنهج ديكارت الجديد سيكون واضحاً مختصَراً عكس المنطق القديم، فضمّنه أربع قواعد واضحة سَلِسة، فـ «الأوّل ألّا أقبل شيئاَ ما على أنّه حقّ، ما لم أعرف يقيناً أنّه كذلك: بمعنى أن أتجنّب بعناية التّهوّر، والسّبق إلى الحكم قبل النّظر، وألّا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثّل أمام عقلي في جلاء وتميّز، بحيث لا يكون لديّ أيّ مجال لوضعه موضع الشّكّ. الثّاني: أن أقسّم كلّ واحدة من المعضلات التي سأختبرها، إلى أجزاء على قدر المستطاع، على قدر ما تدعو الحاجة إلى حلّها على خير الوجوه. الثّالث: أن أسيِّر أفكاري بنظام، بادئاً بأبسط الأمور وأسهلها معرفة كي أتدرّج قليلًا قليلًا حتًى أصل إلى معرفة أكثرها ترتيباً، بل وأن أفرض ترتيباً بين الأمور التي لا يسبق بعضها الآخر بالطّبع. والأخير، أن أعمل في كلّ الأحوال من الإحصاءات الكاملة، والمراجعات الشّاملة ما يجعلني على ثقة من أنّني لم أغفل شيئًا»(7).

         ليس هذا فقطّ، بل انتقد المتسرّعين للرّد عليه، كَوْنَ الإنسان يقطف الثّمرات مِن أطراف الأغصان، لا الجذور أو الجذوع، فكذلك تعتمد منفعة الفلسفة عمّا نتعلّمه آخراً؛ وهي ثمرات عدَّها كالآتي: اكتشاف حقائق مجهولة، استعمال المنهج بالطّريقة الصّحيحة، وضوح الحقائق ومدى الهدوء والإحساس بالرّضى الذي خلّفته، اكتشاف الحقيقة باستخدام المنهج.

         بالمُقابل، نحكم على ما نجهلُ بغموض، حتّى إن صادف الحُكْم الصّواب، ومعناه أنّ الفهم الواضح معرفة ظاهرة أمامنا بجلاء، حيث نحكم عليها بعقل يقظ، «فالمعرفة يمكن أن تكون أحياناً واضحة دون أن تكون متميّزة، ولكنّها لا يمكن إطلاقاً أن تكون متميّزة دون أن تكون بهذا واضحة»(8)؛ فَلِكَي نتجاوز أفكارنا المُلقاة، ينبغي فحْصها لنعرف الواضح منها، والنّتيجة: تكون معرفتنا إما فكريّة تخصّ العقل والجوهر، أو جسمانيّة تخصّ الامتداد طولًا وعرضاً، أو تجمعهما [بمعنى الانفعالات وتطبيقاتها على الجسم].

         كذلك، فالحقيقة تُبنى مِن الإنسان، فلا فائدة مِن تقديمها جاهزة له، وإلا أصبحت أفكاراً مُلقاةً؛ لكنّ هذا البناء لا يتمّ بالشّكل نفسه عند الجميع، ما لم يتحرّروا مِن أحكامهم المُسبقة، رغم كون العقل، أعدل قسمة بين النّاس، كما أكّد ديكارت نفسه.

         تجدر الإشارة، لكونِ الكلِّيات عند ديكارت هي الأفكار العامّة كما أسلفنا القول، بمعنى: «الأفكار التي تقوم في أذهاننا حين نستعمل فكرة واحدة نعقل بها أشياء كثيرة جزئيّة بينها علاقة معيّنة»(9)، وفي الإطار نفسه، يعطي مثال حجرين -العدد اثنان- بلا تفكير في طبيعتهما، كذلك عصفورين، شجرتين…، ليس هذا فقط، فحتّى شكل مِن ثلاثة أضلاع مثلّث حسب الأفكار الكلِّية؛ لكن توجد أنواع مِن المثلّثات يجب تمييزها: قائم الزّاوية، متساوي السّاقين، متساوي الأضلاع، مختلف الأضلاع.

         فهذه الأخطاء العامّة والشّائعة انتصر عليها ديكارت باليقين والمنهج السليم، إذ نجح في بناءٍ صلب على أساسٍ صلب كذلك، ليتجاوز ما كان يراه مهترئاً وقديماً، لا يرقى لأن يكون فكراً متيناً يمكن تحمّل ثقل المعرفة الجديدة، يقول: «كان كلّ مقصدي لا يرمي إلّا إلى اليقين، وإلى أن أدع الأرض الرّخوة والرّمل، لكي أجد الصّخر أو الصّلصال، والذي نجحت فيه، على ما يبدو لي، بعض النّجاح، هو أنّني لما اجتهدت في كشف البطلان أو الشّكّ في القضايا التي كنت أمتحنها، لا بفروض ضعيفة، ولكن بحجج ويقينيّة، لم أجد في شيء منها ما كثر فيه الشّكّ إلى ألّا استخلص منه نتيجة على حدّ من اليقين»(10).

الإحالات والهوامش

(1) مبادئ الفلسفة، رونيه ديكارت، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، سلسلة النصوص الفلسفية (6)، ص: 97.

(2) المرجع نفسه، ص: 98.

(3) مقال عن المنهج، رونيه ديكارت، ترجمة محمد محمود الخضيري، مراجعة وتقديم محمد مصطفى حلمي، دار الكتاب العربي القاهرة، ط2/1968م، ص: 130.

(4) مبادئ الفلسفة، مرجع سابق، ص: 35.

(5) المرجع نفسه، ص: 37.

(6) المرجع نفسه، ص: 38.

(7) مقال عن المنهج، مرجع سابق، ص: 130-131-132.

(8) مبادئ الفلسفة، مرجع سابق، ص: 80.

(9) مبادئ الفلسفة، مرجع سابق، ص: 87.

(10) مقال عن المنهج، مرجع سابق، ص: 144-145.

الثالث عشر بعد المائة العدد الأخير ثقافة وفكر فلسفة

عن الكاتب

محمد كزو

اترك تعليقاً