حتى نربت بأيدينا على الطفل الذي كناه

Avatar
كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

الجزء الثاني

قراءة مجموعة الرفّة الفاتنة للنجم 

اقرأ الجزء الأول:

للشاعر عبدالله البلوشي

الصادر عن دار نثر للنشر ٢٠٢١م

الأمومة الكبرى:

رأينا الأمومة الصغرى في نص الهضبة والفقد والصمود، وتلك الأمومة تتمدد حتى تسايرنا كذلك في نص طفل الداخل، حيث نتلمس كوننا قراء بشكل أوضح تلك الأمومة الشعرية الأخرى التي لمحناها سابقًا بشكل خاطف:

كم كانت الشمس صنو أمي. ص٣٠

وكيف كانت الشمس رحيمة كالأم: الشمس كانت رحيمة بي كوردة. ص٢٩

في هذا النص نرى مقدسات عوالم الشاعر الطفل: الجمال مقدس. ص٣٠

ونسير مع خطاه التأسيسية كشاعر مستقبلي، حينما انطلق أول مرة نحو هذه اللحظة التي نجسدها هنا بقراءتنا هذه، لأن اجتماعنا حول ديوان الشاعر هذا لم يكن قد حدث بعد في تلك الطفولة، إلا أننا نستعيد الآن عبر القصيدة، نستعيد الجذور الأولى لهذا الغصن، في هذا النص بإيقاعه الدائري الذي يكرر في صغري: في صغري يهطل المطر كالضباب. ص٣١

وذلك يذكرنا بالضباب الذي شاهدنا من قبل في محطة الأبدية.

نحن نسير في طفولة الشاعر، نرى معه تعلمه من صياح الطير: كنت أصيح معها. ٣١، نتلمس أمومة الصوت الشعري: كنت أهتف للطير مثلما أهتف لأمي. ص٣٢، ونستشف من يكون المعلم الذي تعلم الشاعر على يديه: يا للعظات التي كانت تنهمر على من شفاه الكون. ص٣٤

يتكرر الإيقاع ويلازم قراءتنا، في صغري: 

في صغري كانت تستفيق داخلي عوالم ساحرة. ص٣٣

نسمع خفقان القلب الذي كان يحلم به الشاعر: كان قلبي وحيدًا كالغابة المبهرة ينمو وكالمحيط.. ص٣٤

نحن في رحلة شعرية ساحرة وكلمات الشاعر دليل قوافلنا، سيارة الكلمات تتقدم سياراتنا، يشاركنا الشاعر بكل سخاء لا نظير له، يجعلنا نهبط معه منجم ذكرياته الحميمية، ونرى ذهب الصور، التكوين الشعري البدئي، الطبيعة الباهرة، خبايا البيئة، الألوان والسلالم والأمهات على رؤوسهن جرار مياه عذراء. 

في السكينة الطفولية والصمت سكن الشاعر: 

في صغري كانت ترتعد فرائصي من كل صوت نشاز. 

ويفصح عن رفضه الفطري، الشعريّ بالأحرى، العبور لمسالك الكبار:

لأنني كنت كالطفل تحيط بي أقنعة محكمة وساحرة. ٣٦

الموت المائل:

في رحلتنا الشعرية هذه نتعرف على اللحظة الحاسمة، الحادة، لحظة مواجهة احتمالية العدم المبكرة، نرى الموت الناقص بوضوح، تلك اللحظة الحادة التي تركت جرحها على الشاعر:

كانت تهطل على جمجمتي حمى برّاقة لكنني لم أتحطم كنت أحس بلمسة فراشة تهبط في قلبي. ٣٦

كانت الجذور تدفعني كقربان منذور لخرافة مرعبة. ٣٧

نرى أجواء الخرافة المرعبة تلك ونتعرف عليها، نرى الرايات وحلي الفضة وأواني الحنطة، ونسمع ارتعاب الطفل الصغير أمام باب الموت المفتوح على مصراعيه أمام وجهه الصغير، ولنا أن نتخيل الرعب الذي كانت تغرق فيه تلك اللحظات، طفل ما أن يكاد يقبض على الوجود حتى يوشك على خسارته:

كم كنت ارتعب في تلك الساعة نادبًا حظي/ وكأنني عشبة عطشى في قعر الهاوية. ٣٧

مواجهة مبكرة للموت، كانت ستتحطم معها كل الإمكانيات  التالية التي نعيش الآن جزءًا منها، كل هذا كان يمكن ألا يحدث، لا شعر ولا ديوان شعر، ولا حتى هذا القبض على هذه الرقة الفاتنة للنجمة، ولا معرفة الكوكب النابض، تلك كانت اللحظة الحادة.

كانت الريح تهب لتعصف به: ريح العدم: لإزهاق وجه الشمس ٣٩. 

وكان على الطفل الشعري ذاك أن يؤدي بنفسه طقوس خلاصه من تلك الريح العدمية:

كم كنت أهتف ساعتها لذلك النبع المبجل في سريرتي وأنحني إزاءه بسخاء/ موزعًا قطرات مياه شفيفة على رؤوس الطير/ وأخرى كنت أنفثها شحيحة على قمم الأعشاب تلك التي كنت أشعر بدموعها الغزار تعذبني. ٣٩

يدون لنا الشاعر تلك القصة المرعبة لنجاته:

كنت أذوب حقًا/ كما الدمعة الدافئة في مآقي الوردة. ٤٠

إما العبور وإما التحطم الكلي، ليس الوجود هينًا، ولا العدم، يسجل الشاعر كل ذلك بوضوح دقيق كأنما ينقل من دفتر مذكرات، وليس إلا الذاكرة القديمة في المنجم الذهبي ذاك، لكن الطفل الشعري كما نعرف اليوم ينجو: 

يا لحظي الرائع. ٣٧

متى كان ذلك؟:

كان كل ذلك عند انبثاق طهر الكلمة الأولى من فمي ببراءتها الخالصة. ٣٨

عند ولادة الشعرية في الروح، وكانت الشمس الأمومية نفسها هي الدليل تكشف له أكوانًا ملغزة بسحرها، كان يراها هناك، والآن حين يستعيدها اليوم، حين يستعيد نجاته من ذلك الموت المبكر، نجده ممتلئًا بالوفاء لتلك اللحظات الحاسمة التي أنجبته، وبالغفران لذلك الزمن الأمومي الأول، الذي أنجبه من رحم الموت والعدم، يغفر ويصفح ويتفهم:

إذن لا اعتراض على التنكيل الذي تجرعته باكرًا/ لا اعتراض على الفعل الذي أسقطني كالحجر المندفع. ص٤٠

يتذكر الشاعر طفولة باذخة ليس بآلامها بل بذلك الانعتاق، بتلك الولادة الذاتية المبكرة.

يتحول العالم ذو البعد المسطح، الواحد، إلى عالم غني بالأبعاد العميقة الخلابة، الساحرة، النفسية والروحية، حيث تكون مهمة الشاعر إحداث تلك اليقظة الروحية بتعبير اندريه تاركوفسكي حين يقول في أحد أفلامه “لا يكترث الشاعر بمبيعات ديوانه ولا بكم سيكسب من المال إنه معني بشيء واحد فحسب وهو إحداث اليقظة الروحية.

نوغل أكثر في هذا العوالم مع الشاعر، عوالم الطفل الصغير وهو يتعرف على عالمه الشعري، ويدرك وجوده الشعري باكرًا

لقد كنت طفلًا بعد/ ومع ذلك كم بدوت موقنًا بمحنتي المقدرة حقًا. ٤٥

يستعيد الشاعر الآن، في عمر النضج، تبرعمه الشعري الأول، تاريخ انغراسه في الأرض، وكل تلك الصور التي كانت تحدث بموازاة نموه المبكر.

سماء حانية، ذئاب نزقة، قمر أحدب كالفضة القارة في الروح. ٤١

طيات عتمة، رفة نجوم، إنه المهد مثلما الأرض الجاذبة في وفائها العظيم.

ومن هناك يتخيل

تخيلت في غفوتي تلك بحارًا تزأر على حافة قبري المهمل.. ص٤٢

قبر الطفل ماثل إلى الآن، ربما نجا الشاعر، لكن ألا نرى قبور أطفال آخرين لم ينجوا، تزأر البحار على حافة قبورهم المهملة؟

لنعد إلى رحلة الشاعر مع الرفة الفاتنة للنجم ونرى:

النجمة الوضاءة بوميضها كالإغواء الذليل لحظة انسكابه الأول ٤٢

خلجان متلامعة كالفضة المخطوفة ٤٣

جبال مسننة كأمشاط. ٤٤

والقمم الهائلة في الغرب التي كان يؤلمه مرآها لأن تحديقته تنكسر في جباه الجبال والقمم، كان الطفل هناك في تلك العوالم الساحرة، هذه التيكانت تقوده إليها الشمس، وكان هو يراقب:

أراقب الضوء في انفلاته الأرعن. ٤٦

كانت تتسلل زغاريد حداد باذخة على الشاطئ. ٤٧

يا للغصص التي كانت تقربني آنذاك من موت محض كان يدب في صلبي ولا يظهر في العلن. ٤٧

تبدو هذه فتنة النجم، عنوان هذا النص، وفيه يسجل لنا الشاعر ما الذي أنقذه من ذلك الموت:

إنه التسليم المحض فلنؤمن به/ هذا الذي يحيل الحياة المرقّقة أبدًا لتشمخ كالصخور المتعالية. ٤٩

برهافة وعمق وصدق عظيم يستعيد الشاعر صدمته المبكرة، بدقة ذاكرة شفوق يقطع طريقه الطويل عبر الحجر والصخور نحو ذلك الماضي، هذه الاستعادة المؤلمة الآن، لكنها الشافية كذلك، هي تعويض الفقد، إعادة خلق ذلك المهد المفقود في القصيدة.

يكتب الشاعر كأنما ينشد إتمام تلك اللوحة الخلاقة وتخليدها، لهذه التجربة الوجودية الفريدة، هذه الرواية الشخصية الحميمية جدًا لتجربته الجارحة.

لقد كانوا جميعهم بحارة أيتام. ص٤٨

ويسجل رموزه حيث الأمواج تنثني بانتشاء عذري إزاء شجرة أكاسيا

حيث البقعة لا تقل شأنًا عن مخدع الروح. ٥١

وما مخدع الروح غير هذا الجسد، لنرى الطفل يتجاسر ليتأمل الجسد النابض بعذوبته في رحم الأرض، جمال الجسد، مخدع الروح نفسه، هذاالمثال الحي للوجود.

يعرفنا الشاعر على النسمة التي هي الحظوة المباركة التي وثقت رابطتي برفات أمي.

يفصح الشاعر عن مخاوفه المؤرقة:

كم أخشى على الجسد الذاوي من أن تذوبه حرائق الملهاة في عمرها المديد. ٥٤

ومن هناك يعلن بصوت عالٍ:

انظروا ها هو ذا الجسد المبجل يتسرب نحو العدم المحتوم..

ها هو مجد الأنامل المرققة يتبدد. ٥٤

هل لنا أن نرى التناظر الآن، بين المشهدين، الطفل الشعري الذي هزم الموت، والرجل الشعري الذي يعترف به، يعترف به ويعلنه، يعلن التبدد والعدم المحتوم.

إذًا في مواجهة العدم أخيرا، العدم الذي جرت النجاة منه في البداية والاعتراف به في النهاية، هذا هو الموت الناقص، الذي سيكتمل بلا شك، الموت المائل بأوصاف النص، لأنه الموت الذي يواجهنا جميعًا أينما ولينا وجوهنا.

ولأجل ذلك كله وفي الغد ستنهمر النفثة الدائخة على الربى الباهتة هناك/ وفاءً بعهدها/ تلك التي لن يخطئها القلب النقي أبدًا. ٥٤

خاتمة:

يشيع الشاعر تجربته للجميع، للآخرين، لكل من يريد الاصغاء، لمكنونات الروح الغامض، والمشاعر الجوهرية، تلك التي يكتمها باقي الناس حتى عن أحبائهم، يرفعها الشاعر بشجاعة العارف عاليًا، يرفع كنوز حياته، ما اكتسبه من التجارب الباهظة الأثمان بين الوجد والفقد.

يكتب الشاعر لحظة موته قبل أن يموت، وجوده وحياته، سعادته وأحلامه، يرفع حجب الغيب ويلقي من روحه ضوءً على الغد، رينيه شار القائل بعدحديثه عن هولدلين يجيب الشاعر بحفنة من المستقبل، يضيء الشاعر الغد على لحظة موته الشخصي، حين تخرج الروح النفثة الدائخة على موعدها كالوردة التي اقرت بالموت.

غنى شعري، هذا الضياء النهري المنطلق يضيء لنا الغوامض، يفتح الأفق الشعوري أمام أبصارنا ومشاعرنا المؤصدة بفعل رياح الزمن ورماله، نقرأ هذه الإضمامة الثمينة وكأنما نخرج من خربة مندثرة بإتجاه نفس العالم لكن المنظور إليه شعريًا، من مشاعره، من آلامه، من أوجاعه ومباهجه معًا، في كلمة خاطفة، تستغرق قراءتها برهة، وانعكاسها في الذهن ارتداده طرف، تكشف بحيرة نجمية تتماوج، ترفرف، وسرعان ما تختفي عن أنظارنا، كانت غير مرئية، والآن رأيناها، وهي لا تبقى إلا هناك خلف صرح هذه الكلمات الشعرية، التي صنعها الصدق الشعري، هذا الصدق حد الجرح، هو خلاصنا، تطهيرنا ينبوع داخلنا يدعونا الشاعر للتوقف عن احتجازه وتركه يجري بحرية، لأنه شفاؤنا المؤكد من علل الوجود وأوبئته، الثقة التي فقدناها ببعضنا البعض، الخيانة التي استمرأناها، لحياتنا وأنفسنا وذواتنا، الكراهية التي تركناها تعرش داخلنا بألف ذريعة واهية، يدعونا الشاعر لنحب كما يحب الشعراء، لنرعى وجودنا وأجسادنا هكذا، لنتأمل ماضينا بحب، حتى نربت بأيدينا ولو مرة على رأس الطفل الذي كناه.

أدب العدد الأخير العدد الثالث والعشرين بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

إبراهيم بن سعيد