سورة النجم بين علم التنزيل وظن التأويل

لـ

المقصود هنا بالعلم التنزيلي هو الوحي الإلهي الخالص، بينما يقصد بالتأويل هو ما قام به المفسرون وغيرهم من تفسير آيات القرآن بمعارف وروايات من خارجه، وليس التأويل الرباني الوارد ذكره في القرآن.

وسورة النجم من السور المكية التي جاءت لترسخ أن القرآن وحي إلهي التنزيل، وقد نزلت جملة واحدة كما هو الشأن في جميع السور، ولذلك هي تشكل وحدة متكاملة، آخذ بعضها ببعض، لا يمكن تعضيتها، كلمتها الافتتاحية التي تتمحور حولها آيات السورة هي العلم، والعلم هنا ليس شيئاً إلا ما يوحي به الله إلى عبده ورسوله محمد، وما عداه فهو ظن، ولكي يتجلى لنا ذلك، فعلينا أن نقرأ السورة على هذا الأساس، فليس ثمة علم هنا إلا علم الله وحده، فلا ظن يقبل مهما كان مورده.

وعلى هذا فلا يبنى فهم السورة ذاتها إلا على العلم الإلهي، وأن الظن وغيره قد ندرجه فيما نريد من حيثيات تفكيرنا، إلا أن قضايا التنزيل تبقى موصدة أمام الظن، ولتوضيح الصورة أكثر، دعني أقول: إن تأويل القرآن للاستفادة منه في مرامي الحياة ومكتنهات العقول لا يمنع فيه الظن الذي يتوخى فيه متدبر القرآن إصابة الحق، بشرط ألا يتحول تأويله لديه بدرجة العلم الإلهي من إلزام الناس بتأويله، وإقصاء تأويل غيره، بل يظل التأويل تأويلا محتفلاً من بساتين الظن مهما سرّ الناظرين، وأما عند الحديث عن علم القرآن ذاته فينبغي الوقوف عند التنزيل فحسب.

سورة النجم كغيرها من القرآن فسرت مجملاتها وأوّلت ألفاظها بحسبما انقدح في أذهان متدبريها، وهذا من حق كل ناظر في القرآن، إلا أن نظره ينبغي ألا يكون بدرجة العلم الإلهي في القطع به، وفي هذه القراءة أحاول أن أركن جهدي إلى تجريد السورة من التأويلات؛ خاصة النادة عنها، والوقوف عند منطوق السورة، ومع ذلك لا أبرئ نفسي من كل ظن، وإنما هو بذل الجهد لاستجلاء العلم الإلهي، وأرى هذا من إصلاح منطق التفكير لدى المسلمين الذين أصبح أكثرهم يخلط بين العلم القرآني وتأويله البشري.

محاور السورة

لسورة النجم عدة محاور رئيسة، هي:

  1. المحور الأعلى للسورة هو التأكيد على أن القرآن هو من علم الله وتنزيله، ليس من عند محمد ولا غيره، وهذا يستلزم الإيمان بالله وحده بأنه هو مصدر العلم التنزيلي.
  2. أن ما يزعم الوثنيون من آلهة لا تصلح أن تكون مصدراً للعلم ولا لأي شيء، لأنها ميتة خرساء، وأن زعمهم حولها ما هو إلا ظن لا يصح الأخذ به أو الركون إليه.
  3. أن القرآن هو من جنس ما أنزل من صحف الأنبياء السابقين، كله من علم الله التنزيلي.
  4. علم الله اقتضى أن الإنسان يحاسب في الآخرة بحسب عمله في الدنيا، وفق تصديقه بالعلم التنزيلي الذي كان خاتمته القرآن.

انسجام مفردات السورة

سورة النجم متآخية الآيات، مترابطة الكلمات، يُرد بعضها إلى بعض، كما تُرد هذه السورة إلى بقية سور القرآن الكريم، ويمكننا أن نشاهد ذلك فيها بوضوح، فمثلاً أقسم الله في مبتدأ السورة بالنجم فقال: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]، ثم أحالنا في ثناياها إلى أنه هو رب نجم الشِّعرى دون غيره من الكائنات فقال: ((وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى)) [النجم:49]، ومن ذلك اعتماده العلم وإبطاله الظن ((وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)) [النجم:28]، وامتنان الله على الإنسان بالحال ونقيضه ((وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى)) [النجم:43-45]، ومن ذلك أيضاً أنه جاء الحديث عن القرآن في صدر السورة وعجزها.

وأهم أمر تحدثت عنه السورة من حيث الانسجام والتآصر هو ارتكازها على العلم التنزيلي، فهو السلك الذي نظم ألفاظها، كما انتظمت فيه كل معانيها، فهي بين الإتيان به صريحاً بلفظ “العلم”، وبين ذكره بدلالات بلاغية قوية مثل “رأى”، وهو لفظ يرفع العلم إلى درجة المشاهدة والمكاشفة من حيث القوة، وليس في سورة النجم ذكر للرؤية البصرية، وإنما كلها رؤية علمية.

التأويل والتأويل المضاد

 

كثير من سور القرآن وآياته تعرضت إلى تأويلات شتى، وهذا في أصله أمر حسن، فالاختلاف سنة في الوجود جبل الله عليها خلقه، بيد أن الأمر غير المحمود أن يتحول التأويل إلى قطع يقطع به كل فريق عذر مخالفه، ولست هنا في التدليل على ذلك، فهو بيّن لكل من يقرأ كتب التفسير وعلم الكلام ونحوها، وإنما أريد هنا الحديث عن بعض ما وقع في هذه السورة من تأويل في ظل التنازع المذهبي الذي خرج بها عن علمها التنزيلي، فالآيات الأولى مثلاً، والتي تتحدث عن إثبات أن القرآن علم من عند الله القوي الشديد، خرج بها التأويل إلى الحديث عن جبريل وصفاته العجيبة التي لم يأت بها العلم، ثم حملت الآيات على معراج الرسول إلى السموات، ثم عدَّ هذا التأويل من “إعجاز” القرآن و”معجزات” الرسول محمد، وكل ذلك لا يوجد في هذه السورة، وإنما هو قراءة تحت ضغط الركام الروائي الذي أوجده الاختلاف المذهبي.

وبنظري أن البداية كانت مما حصل من بعض المسلمين المتأثرين بعقائد الأقدمين؛ لا سيما الروايات الإسرائيلية، حيث جنح هؤلاء إلى تجسيد الله بالحركة والنزول والدنو وغيرها من الوصف، مما أورث اتجاهاً مضاداً يجرد الله عن هذا التجسيد، ولما رأوا أن المجسدة يستندون إلى هذه الآيات، واجههم الآخرون بحملها على أنها نزلت في جبريل، ولاذوا بروايات المعراج ليسدوا الأبواب أمام المجسدة، وقد سجلت بعض الروايات هذا الصراع؛ وجاءت فيما يبدو على مراحل:

المرحلة الأولى: فيها تتحدث الروايات عن تجسيد محض لله بعروجه من الصخرة التي يقال بأنها في المقدس، منها:

  1. (لما أُسري بي [النبي محمد] إلى بيت المقدس مرّ بي جبريل إلى قبر إبراهيم عليه السلام فقال: انزل فصل ههنا ركعتين، فإن ههنا قبر أبيك إبراهيم عليه السلام. ثم مر بي ببيت لحم فقال: انزل فصل ههنا ركعتين، فإن ههنا ولد أخوك عيسى عليه السلام. ثم أتى الصخرة فقال: من ههنا عرج ربك إلى السماء. فألهمني الله أن قلت: نحن بموضع عرج منه ربي إلى السماء، فصليت بالنبيين، ثم عرج بي إلى السماء).
  2. (عن كعب الأحبار أن الله تعالى قال للصخرة: أنت عرشي الأدنى، منك ارتفعت إلى السماء، ومنك بسطت الأرض، ومن تحتك جعلت كل ماء عذب يطلع في رؤوس الجبال) [انظر: ناصر الجديع، صخرة القدس].

المرحلة الثانية: نفي عروج الله من الصخرة وإثباته للنبي إبراهيم:

  1. (قال مر ابن مسعود بشيخ يحدث عن التوراة، فلما رأى ابن مسعود سكت فقال: وبم يحدثكم صاحبكم؟. فقالوا: ذكر أن الله لما خلق السموات والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس ووضع رجله على صخرة بيت المقدس. فاسترجع ابن مسعود رضي الله عنه ثم قال: اللهم لا كفر بعد إيمان. يقولها مراراً).
  2. (عن عبدالله بن عمر أنه سئل عن الصخرة التي كانت في بيت المقدس فقال له: إن ناساً يقولون فذكر قوله. سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيراً. فارتعد ابن عمر فرقاً وشفقاً حين وصفوه بالحدود والانتقال. فقال ابن عمر: إن الله أعظم وأجل من أن يوصف بصفات المخلوقين، هذا كلام اليهود أعداء الله إنما يقول: الرحمن على العرش استوى. أي استوى أمره وقدرته فوق بريته. قال ليث: قال محمد بن الحنيفية: قاتل الله أهل الشام ما أكفرهم. –أو قال: ما أضلهم– يقولون: وضع الله قدمه على صخرة بيت المقدس، وقد وضع عبدٌ من عباده يعني إبراهيم عليه السلام قدمه على حجر، فجعله قبلة للناس تكذيباً لقولهم ورداً لباطلهم) [انظر: زيادات مسند الربيع بن حبيب، الجزء الرابع].

المرحلة الثالثة: تحوّل العروج بالصخرة من النبي إبراهيم إلى النبي محمد، وقد رويت في ذلك روايات لم تعتبر أسانيدها [انظر: ناصر الجديع، صخرة القدس]، وأنا هنا لست بصدد تخريج هذه الروايات، فبنظري كلها تحتاج إلى تتبع في ظل تحليل تأريخي للاحتراب بين مثبتي التجسيد ونفاته، يتجاوز ظاهرة السند؛ نفياً وإثباتاً، وينظر في الموروث الماقبل إسلامي، ومدى تأثيره على الرواة المسلمين.

والغرض هنا هو بيان أن العلم التنزيلي الذي وردت به سورة النجم صودر بهذه الروايات، وأصبح العقل المسلم لا يقرأ النص القرآني مجرداً، بل يقرأه وهو مغطى بركام من التأويلات التي أصبح المسلم لا يستطيع أن ينفذ بسببها إلى لغة القرآن إلا بشق الأنفس.

التجلي القرآني

يتميّز القرآن بجماله البياني الذي لا يمكن قياسه على غيره، فالقرآن له لغته الخاصة، البيّنة بنفسها، المكتملة بدون نقصان، والوافية التي لا تحتاج إلى إتمام، ولذلك عندما نقرأ سورة النجم –كغيرها من سائر القرآن– لا نحتاج إلى أن نضيف إليها كلمات أو نصوصاً من غيرها، وإنما علينا أن نرجع إلى البيان القرآني نفسه.

فسورة النجم جاءت لتحدثنا عن أن القرآن الذي جاء به محمد ليس من عند نفسه، وإنما هو من عند الله، فهو من أوحى به إليه، ويبيّن القرآن حالة تجلي العلم الإلهي للنبي محمد بلغة راقية وبيان آسر، فالله يقسم في هذه السورة المكية بأحد خلقه وهو النجم في لحظة من لحظات التغير الكوني؛ سواء كان بأفوله أو سقوطه أو انكداره في وقت الانهيار الكوني، أو بكل ذلك؛ فهذا من سعة القرآن، يقسم الله بأن النبي محمد لم يكن ضالاً ولا غوياً فيما جاء به، وهو لا ينطق عن الهوى وإنما يتلو وحي الله إليهم، هذا الوحي علّمه إياه شديد القوى، ذو مرة : أي المستحكم في الأمور، وهو الله تعالى، وليس جبريل كما يذكره كثير من المفسرين.

والذي دعا إلى تأويله بجبريل كما قلت هو الهروب من التجسيد، إلا أن هذه الآيات لا تحمل دلالات تجسيدية في حق الله، إلا من شاء أن يسقط عليها رؤيته السابقة على النص القرآني، فالله فوق كل تصور وإدراك، ولا يدرك منه إلا فعله وأثره في هذا الوجود، وكل تصور لذات الله فهو مجرد وهم، لا حقيقة له إلا في ذهن متوهمه، فالله يتكلم عن نفسه بأنه ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)) [الشورى:11]، وأنه ((لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)) [الأنعام:102]، ((وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)) [الإخلاص:4]، وكل ما يتكلم الله به عن نفسه فهو من باب الإفهام وتقريب المعاني، أما إدراك الحقيقة فتنفد دونها الأقلام، يقول تعالى: ((قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)) [الكهف:109].

فقول الله في هذه السورة: ((ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالأفُقِ الأَعْلَى)) [النجم:6-7]؛ هو من جنس قوله: ((ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ)) [البقرة:29]، وقوله: ((ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ)) [فصلت:11]، فالاستواء هو تعبير عن السيطرة والقدرة والإبداع، والأفق الأعلى هو ارتفاع شأنه وأمره تعالى الذي لا تدرك حقيقته، وقوله: ((ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)) [النجم:8-9] ليس دنواً مكانياً، بل إن الله اقترب من عبده محمد بلطفه وأمره، فأوحى إليه ما أوحى من القرآن، وهذا من باب قوله تعالى: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)) [ق:16]، فليس ثمة حبل ولا قوس ولا مسافة، وإنما هو تعبير عن حالة من القرب الإلهي من الإنسان، إما باللطف أو الوحي أو الهيمنة أو نحو ذلك.

ورب قائل يقول: ها أنت هنا تأوّل بالأمر واللطف ونحو ذلك، وتنفي المكان وتنفي التأويل بجبريل، فبماذا تميزت عن غيرك؟.

فأقول: بدايةً؛ هذه عبارات لتقريب المعنى مستمدة من النص القرآني ذاته، وقد دللت على ذلك، ثم لا يشترط استعمال نفس ما استعملتُ من الألفاظ، فيجوز استعمال أي ألفاظ أخرى تدل على المعنى بشرط عدم الخروج عن الدلالات القرآنية إلى غيرها.

إذن ليس في السورة ذكر لجبريل، كما أن إدخال جبريل في تأويل الآيات يخل بالنظم القرآني، فالله يقول بعد هذه الآيات: ((فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى)) [النجم:10]، فحمل الضمير هنا فجأة على الله بعد حمله سابقاً على جبريل يفصم الآيات عن ترابطها البديع ونسقها المحكم، فالضمير في كل الآيات تعود إلى الله، فهو شديد القوى، وهو ذو مرة المستحكم شأنه بكل شيء، وهو الذي استوى أمره في الأفق والوجود، وهو من دنى لطفه، وهو من أوحى إلى عبده ما أوحى من القرآن، ولكن إن حملنا الضمير أولاً على جبريل، فإنه لا يوجد أي دلالة صارفة من ذات النص إلى الله في قوله: ((فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى))، وهذا ما لا يمكن أن تحمل عليه في لغة القرآن، حيث لا عبودية لأي مخلوق، إلا للخالق وحده.

الرؤية الربانية، أو العلم بالله

استتبع حمل الضمير في الآيات السابقة على جبريل، أن أوّل ما لحقها من الآيات بضروب من التأويل عجيبة، من كون النبي محمد رأى جبريل ساداً ما بين الأرض والسماء، ومن رؤيته بعد ذلك في المعراج، وذهبت التأويلات إلى صروف شتى في تأويل السدرة والجنة، بيد أننا لو قرأنا الآيات على أنها بيان لحالة تجلي الوحي على قلب النبي محمد لما لجأ إلى كل تلك التأويلات.

يقول الله: ((مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى)) [النجم:11-12]، فهنا الرؤية قلبية، أي أن النبي رأى ربه بقلبه، ولا تكون رؤية الله بالقلب إلا العلم به، فهو لا تدركه الأبصار، والمعنى أن النبي محمد تجلى له بأن الله هو من أنزل عليه الوحي لا غيره، فمن أين لكم أن تماروه فيما يرى، لا مصدر لكم للعلم الإلهي، فآلهتكم جامدة ميتة خرساء لا يصدر عنها أي شيء.

ثم إن النبي محمد رأى ربه نزلة أخرى، أي في حالة أخرى من التجلي والعلم، العلم بالمآل الذي يرجع إليه، وهو اليوم الآخر، حيث تكون نهاية المطاف، وهو ما عبّر عنه القرآن بسدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، وفي ذلك بلاغة قرآنية تربط بين العلم بالله والعلم باليوم الآخر، كما هو شأن القرآن في الربط بين الإيمان بهما، وفيه وعد للنبي محمد بولوجه جنة الخلد، واستعمل القرآن لفظة السدرة لدلالتها على الحجب ((إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى)) [النجم:16]، أما علم محمد بذلك فهو علم المستيقن، ليس من قبيل الهلوسة البصرية التي قد يراها بعض المضطربين نفسياً أو عقلياً، ((مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى)) [النجم:17].

محمد بالإضافة إلى ذلك ((لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)) [النجم:18]، أي علم من آيات ربه بما وصفه الله بالكبرى؛ أي العظيمة، وعند الرجوع إلى القرآن لمعرفة دلالة الآيات الكبرى، نجد أن الله بعد أن تحدث في سورة طه عن الآيات غير الاعتيادية التي حدثت عن طريق موسى، رتب عليها ((لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى)) [طه:23]، فالآيات الكبرى هنا ليست هي الآيات غير الاعتيادية، وإنما هي انتصار الحق، الذي هو “آية الآيات” ولذلك قال الله بعدها مباشرة: ((اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)) [طه:24]، ثم تتحدث الآيات بعدها عن حياة موسى مع فرعون ومواجهته له حتى انتصاره عليه، وأما في سورة النازعات فتعني إبلاغه بالتوحيد ودعوته إليه: ((اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى، فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى، فَكَذَّبَ وَعَصَى)) [النازعات:17-21]، ففي هذين الموضعين الرؤية تعني الإعلام، وحتى لو حملت على تلك الآيات غير الاعتيادية فهي قد شوهدت من قبل فرعون وقومه ومن حضر من الناس.

وعلى ذلك فإن الآيات التي رآها النبي هي العلم بالحقائق الربانية التي تفوق سائر ما يعلم الناس، لأن النبي هو أعلم من غيره بالله، وهذا العلم ليس من قبيل العلم بالذات الإلهية، فذات الله لا تدرك، وإنما من قبيل العلم بإبداعه الوجود والغاية من خلق الإنسان والمآل الذي يؤول إليه، أو هو انتصار الحق على الباطل وتوحيد الله على الوثنية، وكل هذه الأمور يصدق فيها الوصف بأنها من آيات الله الكبرى لأنها قد تم الحديث عنها في السورة نفسها، ولا يمنع من حملها على دلائل كبرى أخرى بشرط أن يكون قد جاء بها العلم التنزيلي في القرآن، وليست بإلصاق من خارجه.

الجهل؛ القسمة الضيزى

ثم تحدثت سورة النجم بعد ذلك عن قوم محمد، وماذا يملكون من علم في قبالة علمه التنزيلي، فيا أيها القوم انظروا إلى مقدار علم ما تملكون ، إنكم لا تعلمون حقيقة ما تعبدون، وهو ألصق الأشياء بكم، فأنتم تجعلون معبوداتكم إناثاً وبنات لله، في حين يستاء أحدكم إذا بشر بالأنثى ولم ينجب ذكراً، أليست هذه قسمة ضيزى غير عادلة، وهنا ليست مفاضلة بين الذكر والأنثى، بل كشف عن جهل هؤلاء الذين يحتكرون الذكورة لهم، ويسندون الأنوثة إلى أصنامهم على أنها بنات الله، وأما الحقيقة فـ((ِإِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى)) [النجم:23]، هذا مبلغكم من العلم إنه الظن، في حين ما جاءهم به محمد هو الهدى من ربهم، والأمر لا يكون بما يتمنى الإنسان، ((فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى)) [النجم:25] وهو ذو العلم وصاحب الشأن، وقدم ذكر الأخرى على الدنيا لجعلها حاضرة في ذهن الإنسان، وهذا يتناسب ما بينه الله فيما سبق من السورة من النزلة الأخرى، فهي حاضرة بينة في علم النبي بما جعل ذكرها يأتي بفعل الماضي.

لم يقتصر جهل هؤلاء على الزعم بأن الأصنام هم بنات الله، بل أوغلوا في الظنون حتى اعتقدوا أن الملائكة أيضاً إناث، فالظن كل مبلغهم من العلم، ((فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا)) [النجم:29]، فهو متولٍ عن العلم التنزيلي إلى الظنون.

اللمم

يقول الله: ((الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)) [النجم:32]، من طبيعة الإنسان أن لا تكون أعماله بنفس الوتيرة، فهو بين صعود ونزول في سلّم الحياة، فتارة يصيب وأخرى يخطئ، وما يحاسب عليه الإنسان هو ارتكابه كبائر الإثم والفواحش التي يأتيها عن قصد، كالشرك والظلم والخيانة والكذب والربا وأكل الأموال بدون حق، وإنفاقها في غير وجه الحق، والزنا وشرب الخمر، وسائر الآثام، والله يعفو عن اللمم، فما اللمم؟.

ذهب كثير من الفقهاء والمفسرين إلى أن اللمم ما يصيب الإنسان من دون هذه الكبائر، وقالوا إن الاستثناء هنا (إلا اللمم) منقطع، أي أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، ولكن بالرجوع إلى القرآن فإن الأحكام فيه تنقسم إلى أحد حالين؛ هما: حلال أو حرام، ولا يحاسب الله إلا على الحرام، فسرقة ريال حرام كما أن سرقة مليون ريال حرام أيضاً، ولذلك فاللمم هنا هو ما يلِّم بالإنسان من المعاصي؛ اضطراراً أو بدون قصد منه، وهذا ما نجده ذكره في القرآن من مثل قول الله: ((لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)) [البقرة:286] وقوله: ((لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ)) [المائدة:29]، وقوله: ((وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)) [الأنعام:119].

إذن ما يحاسب عليه الإنسان هو المحرَّم تفصيلاً في القرآن دون ما يلم بالإنسان من غير قصد منه أو اضطراراً، وعندما ينص الله على ذلك فإنما لعلمه بهذا الإنسان سواء من حيث طبيعة واقع النشأة في الأرض، أو من حيث طبيعة تكوّن الإنسان منذ أن كان جنيناً أمشاجاً مستترة في رحم أمه، وبذلك تسقط التخريجات الهائلة في كتب الفقه التي تلزم الإنسان بأحكام قائمة على الظن غير خارجة من العلم التنزيلي، والتي أدرج كثير منها تحت الإصرار على الصغائر.

إبراهيم وموسى

ثم تحدثنا سورة النجم عن العلم التنزيلي الذي جاء إلى الأنبياء السابقين، وقد ذكرت السورة هنا ما ((فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ)) [النجم:36-37]، وذلك بنظري لأن إبراهيم ينتسب إلى دينه الأميون من العرب، وموسى ينتسب إلى دينه الإسرائيليون منهم، والانتساب ليس نسباً دموياً، وإنما هو انتساب ديني، فلم يكن الانتساب الأمي مقصوراً على بني إسماعيل بن إبراهيم، ولا الإسرائيلي على بني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، بل من اعتقد أنه على دين إبراهيم فهو أمي، ومن اعتقد أنه على دين موسى ومن جاء بعده من الرسل هو إسرائيلي، ولذلك ناسب أن يذكر القرآن أصول الفريقين.

وقد ذكر الله ما في صحف هذين النبيين من الوصايا الإلهية وامتنان الله على خلقه، وجزاء الإنسان الأخروي، وما حلَّ بالمكذبين من الأمم السالفة كعاد وقوم نوح والمؤتفكة.

الآزفة في علم الله

الآزفة هي يوم القيامة، وهي الساعة، التي يرد إليها الإنسان ويحاسب على ما فعل في دنياه، وقد استأثر الله بوقوعها فلا يعلمها إلا الله وحده، فما جاء في العلم التنزيلي هو وقوعها وبعث الناس فيها ومحاسبتهم، وأما وقت وقوعها فهو علم غيبي لم يأت في علم التنزيل، وكل ما جاء في الروايات من بيان وقتها، وما سمي بأشراط الساعة فهو من الظن، ولا علاقة له بالعلم التنزيلي الذي جاء في القرآن، فالله نص في أكثر من آية بأن الساعة تأتي بغتة، ولا تأتي إلا بغتة.

وهذا الحديث القائم على العلم التنزيلي ليس موضع تعجب واستبعاد فقد جاء به المرسلون من قبل، وأنتم أيها السامدون الذين حجبتهم سخريتهم من هذا الحديث عن حقائق الأمور عليكم أن تبكوا وليس العكس، وها هو العلم التنزيلي يدعوكم إلى السجود لله وحده وعبادته على علم من دون ظنون، ولا علاقة لهذه الآيات ما ورد من روايات تسند إلى مشركي مكة السجود لله لأنه ذكر آلهتهم بخير، فهذه محض أوهام ولجت إلى تأويل الآيات بدون سلطان مبين.

0 6367 08 أكتوبر, 2011 العدد الثامن عشر, ثقافة وفكر أكتوبر 8, 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.