الواقعية والمثالية

تعتبر النظرية الواقعية في ميدان الجدال المنهجي ؛ الطرف الآخر من نزاع مع النظرية المثالية تحركه موجهات المنطق نحو الحقيقة ، ومدى كون وجود تلك الحقيقة خارج نطاق الوعي أو داخله ، وهو الأمر الذي يتوقف عليه طلب تحصيل تلك الحقيقة إن هي كانت خارج سلطان العقل ومنفصلة عنه ، أي لا يكون العقل مصدراً للحقيقة كما تنادي بذلك الشكوكية أو تلك المغرقة في المثاليات والتأملات الباطنية

تعتبر النظرية الواقعية في ميدان الجدال المنهجي ؛ الطرف الآخر من نزاع مع النظرية المثالية تحركه موجهات المنطق نحو الحقيقة ، ومدى كون وجود تلك الحقيقة خارج نطاق الوعي أو داخله ، وهو الأمر الذي يتوقف عليه طلب تحصيل تلك الحقيقة إن هي كانت خارج سلطان العقل ومنفصلة عنه ، أي لا يكون العقل مصدراً للحقيقة كما تنادي بذلك الشكوكية أو تلك المغرقة في المثاليات والتأملات الباطنية ، لذلك نجد المسارات التربوية التي تتبنى الرؤية الواقعية تشدد على ضرورة ربط النشأ بمحيطه الخارجي في بداية الأمر باعتبار هذا الخارج هو مصدر الحقيقة ، وتنشأته جسمانياً وعقلياً وتدريب الحواس لديه على استخلاص الطاقات والقدرات الفردية من خلال الأنشطة التجريبية والممارسات البدنية وأن يكون باحثاً عن الحقيقة من خلال المشاهدات الطبيعية الموضوعية باعتبارها ذوات مستقلة عن الوعي والإدراك.
إن في سماء التجريد الفلسفي الديالكتيكي ثمة ما يمكن الالتفات إليه حول صراع حقيقة بين المذهبين الأرسطي والأفلاطوني أو بين الواقعي والمثالي يُعنى ببناء أركان الوعي الإنساني ، ويمكن اختزاله في ملمحين ، الأول هو إعادة النظر فيما تدعو له الفلسفة الواقعية من إقصاء للجانب الروحي في مراحل التأسيس المعرفي آخذين في الحسبان أن تلك المراحل هي حلقات العمر المتصلة ببعضها ؛ وتجاهل لحجم الدور الذي قد تلعبه القيم الروحية في التكوين الفكري للناشئة. والثاني هو إعادة النظر فيما تدعو له الفلسفة المثالية من إقصاء للنزعة التجريبية في بناء الوعي الإنساني بالنظر إلى الاعتبار الفطري للمعرفة وكون الكليات سابقة في النفس على الجزئيات وبالتالي الاكتفاء بذلك التكوين الفطري الذاتي للمعرفة، مع الأخذ في الاعتبار هنا أن أهم نقاط الالتقاء بين المذهبين هو التوافق على أهمية دور العقل واعتباره محور ارتكاز في بناء الوعي وتراكم المعرفة الإنسانية .
لقد كان الجانب التوفيقي في فلسفة ابن رشد هو عمادها المتين وأهم ملمح لها وهو الملمح الذي جعلني أقف طويلاً عنده متأملاً تلك النزعة الإيجابية لدى هذا الفيلسوف العربي المسلم وذلك الإصرار على تحقيق المقاربات بين معسكرين ينظر كل منهما للآخر نظرة المخاصمة ، بصرف النظر عن مدى نجاحه في ذلك أو فشله ورغم تحفظي على جوانب أخرى في فلسفته إن صحت النقول في ذلك، ورغم بعض التلفيقات الفلسفية من الجانب الآخر التي قد تكون غير مقصودة أو مدفوعة بنبض الدفاع عن العقيدة ، وهذه النزعة ذات المسحة الإيجابية هي التي تساهم حقاً – عند وجودها – في تراكم المعرفة الإنسانية وترابط أجزائها بشكل آمن مع مراعاة المحاذير التي تصاحب عمليات التوفيق تلك .
ليس من العدالة اختزال نظرة المثالي للمقدس في دلالات كهنوتية صرفة تستتبع معها أشكال الخلط التاريخي كالرهبانية والعرافة والفراسة وتأويلات الأحلام والعلاقات الخفية مع الجن ذات الإيقاع الأسطوري ، كما ليس من العدالة اختزال نظرة الواقعي لذات المقدس في دلالات تحررية منفلتة عن ضوابط الشرع وقيوده، فهذه فئوية ضارة ولا يمكن للمجتمع أن يجني منها سوى ثمرة الانقسام إلى فريقين تقليديين كل منهما يسعى جاهداً للتأويلات الاعتباطية ضد الفريق الآخر، وهي الظاهرة التي قد تعد امتداداً تاريخياً لانشغال الذهنية العربية على وجه الخصوص بالمصادمات الفكرية وتعدد ثغور المواجهات في المسائل الخلافية والعمل على نبش صدور الناس بغية التعرف إلى أي الفريقين هم أقرب، بهدف بناء المواقف والتأسيس عليها من جديد في ذات السياق ، وكأن هذه الأمة مولعة بالبحث عن الخصوم وزيادة حالة الاغتراب والعطالة الحضارية ، لذلك فإن أي نظرة إنسانية تجاه ما يمكن أن يُعتقد بأنه مسار نحو الحقيقة يجب أن يُتفاعل معه إيجابياً في نطاق حسن الظن بصاحبه واستبعاد قصدية النزاع والاستعلاء المعرفي .
يعالج الإسلام نظريتي الواقعية والمثالية معالجة توفيقية تكاملية ويقيم معها فرصة الاستفادة من كلتا النظريتين ويختزل ذلك في مثالية واقعية أو واقع مثالي فالإسلام يحتضن مدلولات الواقعية إلى الحد الذي لا تتعارض فيه مع المثالية كما أنه يحتضن المثالية إلى الحد الذي لا تتعارض فيه مع الواقعية فهو يتحرك ضمن مساحة مشتركة هي المساحة الإسلامية التي تعمل على تلاقح دلالات المصطلحين لإعادة إنتاج مفهوم توفيقي قادر على التناغم مع الفطرة الإنسانية السوية ، ذلك أن في وجود مجتمعات راشدة – على سبيل المثال – لا يعدو أن يكون ذلك واقعاً وهو بالتأكيد واقع مثالي تطلبه قيم الإسلام حثيثاً ، كما أن في وجود مجتمعات غير راشدة لا يعدو كذلك أن يكون واقعاً هو الآخر لكنه بالتأكيد واقع غير مثالي وهو مصادم للمقاصد الإسلامية السامية ومجمل ذلك أن المثالي الإسلامي قد يكون واقعياً وليس كل واقعي مثالي، وكل زيادة على قيم الإسلام نقصان وكل محاولة تفريغ للمثالية الإسلامية من واقعيتها واستلال روحانيتها بذريعة أو بأخرى إنما هو مصادمة لداعي الفطرة الإنسانية .
لقد أثبت الواقع أن للقيم الروحية في الملل والعقائد على اختلافها طاقة إيجابية عالية على الفرد والمجتمع وأن روحانية وجود تلك القيم غير مقتصر على وجودها بالقوة في عالم المثل فحسب، كما أن تبني فاعلية تلك القيم في البناء النفسي والدعوة إلى ذلك من قبل علماء الإسلام ودعاته ليس تجريداً لاهوتياً مستقلاً عن الواقع أو هي فرضيات طوباوية بعيدة عن الحقيقة ، فإن نزوع النفس البشرية نحو الغذاء دليل وجوده في الواقع وحاجة النفس إليه كما أن نزوع النفس وميلها إلى التدين دليل واقعيته ورصيده الروحي الذي تطمئن له . وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ثمة رسوبات ثقافية عالقة ببعض المفاهيم الدينية وليست منه وهو أمر طبيعي لعدة عوامل منها ما هو تاريخي ومنها ما هو مرتبط بسلطة اللغة القسرية ولذلك لا تصح محاكمة الدين والنيل من هيبة نصوصه المقدسة وروحانيتها من خلال تلك العوالق التاريخية أو الأسطورية ، كما أنه توجد في الواقع ممارسات فردية ينقصها النضج لا يجب تعميمها على شريحة المتدينين فمثل تلك الظواهر يجب التصدي لها بشراكة فاعلة بهدف معالجتها والأخذ بيدها إلى جادة الصواب والتعامل بحكمة مع وهج المسحة السرمدية على آرائها وأفكارها والعمل على إعادتها إلى حواضنها الأصلية ، إضافة إلى ذلك فإن ثمة فارق بين من يعيش واقع التدين موضوعاً للإيمان والاعتقاد اليقيني وبين من يعيشه موضوعاً للتحقيق العلمي فيجب مراعاة ذلك عند أي قراءة موضوعية لظاهرة الوعي الديني عموماً .
واقعياً ، لن يتقدم أي مجتمع يكرس أبناؤه انقسامه إلى فئات متخاصمة لمجرد خلافات فكرية وممارسة أشكال العزل القسري وتشويش الذهنية العامة في ماهيات التراث الإسلامي على إطلاقه أو سلبه القيمة الواقعية والعلمية والتاريخية ، فالمثقف أيا كانت انتماءاته هو ضمير المرحلة وحارسها الأمين وهو المعول عليه في التنوير الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي تتجاوز أدواره مستوى كشف الحقائق أو تقريرها ، ويتعين عليه أن يتعاطى مع المعارف العامة بإيجابية وتمدن وتفهم لظروف نشأتها وتكونها ، كما يتعين مراعاة تعدد القراءات الدينية وبأنها ظاهرة طبيعية لتعدد الأفهام وتفاوت رتبها بين الناس .. نسأل الله أن يؤلف بين قلوب عباده لما فيه صلاحهم في الأولى والآخرة .

الستون ثقافة وفكر

عن الكاتب

خالد بن سعيد الكندي

كاتب عماني

اترك تعليقاً