مساجد الله ومساجد ضرار

لـ

 

تعلّق فاطمة بنت ناصر في هذ المقال على مقال جمال النوفلي “أوقفوا بناء المساجد”.

 

صادفت القراء في السلطنة مؤخراً عدة عنواين لافتة سلبت عقولهم عما أوردته مضامين خطابها. ولعل أبرز هذه العناوين ما ورد على الصفحات الأولى من جريدة الرؤية الاقتصادية (ميزانية 2017 تكشف “اختفاء” مليار ريال من توقعات الخمسية التاسعة)؟ ظل بعدها الناس أياماً يلغطون سراً وجهراً حول الميار المختفي، منقسمين بين غاضب وشامت وساخر، و قلة منهم ظهر أنهم تعدّوا قراءة العنوان ليصلوا إلى لب المقال، فعرفوا أن المليار لم يختفي إلا لفروقات تتعلق بتغيير تقديرات متوسط سعر النفط الذي تحسب عليه الميزانية والذي يتغير بتقلبات السوق وأحواله. بعد هرج المليار سمعنا ضجيجاً وصراخاً كالذي نسمعه من مكبرات الصوت الآتية من المساجد والذي لم يتحقق منعها التام بسبب عناد البعض وظنهم أنها محاولة لإخفات صوت الله من أن يعلو في الأرض، ونسوا السبب الأساسي في اختراع مكبر الصوت، وهو أن يكفوا عن الصراخ والزعيق، وأن يتكلموا بهدوء لتتكفل هذه الآلة بمهمة الصدح عنهم. الضجيج هذه المرة تسبب به مقال حمل عنوان “أوقفوا بناء المساجد!” لجمال النوفلي، وليته لم يتخذ عنواناً كهذا أمام أغلبية لا تقرأ سوى العناوين، وإن أغضبها عنوان ما فإنها لا تستطيع إنصافه بأي كلمة بسبب الغضب الذي يعميها. وكما يبدو من تحليل المقال أن ردة الفعل الغاضبة كانت بسبب صاحب المقال الغاضب أيضاً. ليتبين أن كلا الطرفين غيورين على مجتمعهما، ولكن كما أرى أن “اللغة” تسببت في  التفريق بينهما.

أولاً : لغة المقال

– النزعة الصوفية: غلبت على المقال روح صوفية الأمر الذي انعكس على اللغة والاقتباسات المختارة. والتي كان أبرزها مقولة عبدالقادر الجيلاني في الافتتاحية: “لقمةٌ في بطن جائع خير من بناء ألف جامع، وخير ممن كسا الكعبة وألبسها البراقع، وخير ممن قام لله بين ساجد وراكع، وخير ممن جاهد للكفر بسيف مهند قاطع، وخير ممن صام الدهر والحر واقع، فيــــــا بشرى لمن أطعم الجائع”. وفي قول الكاتب: “فلماذا نبني له البيوت في كل مكان، فلو بحثنا عنه لوجدناه في أنفسنا ولوجدناه في كل جزء جميل من حياتنا حيث يوجد الإيمان نجد الله، حيث ينتشر الخير نجد الله، حيث تورق أزهار التعايش بين الناس بالحب نجد الله، وحيث يعم السلام على النفوس نجد الله، ستجدونه هناك على طاولة طعام منازلكم الدافئة، وفي عيون أطفالكم السعيدة، وترونه في دعاء زوجاتكم الشاكرة وعطف أمهاتكم الرحيمة”، وفي قوله: “أما الله فسوف تجده إن أردت في بيوت الفقراء ومنازل المساكين وآلام المرضى وجيوب طلبة العلم .. فاذهب إليه هناك وابنِ مساكن اجتماعية أو ابنِ مكتبة تستوعب تلك النفوس المتعطشة للعلم والمعرفة أو ابني مسجدا أو داوي المرضى بمالك، وأوجدْ لهم ما يسد حاجتهم من الطعام الطيب، ومن اللباس الساتر النظيف، ومن الكتاب النافع”.

ورغم جمال هذه المقولات وصراحتها وصدقها وما تعكسه من إيمان بالخير العظيم في هذا الدين الذي حاشاه أن يقدم القرابين لله عبر بناء الحجر بينما يعز بها على الفقراء والمحتاجين. ولكن لعل القارئ لا يهمه صدق ومنطقية العبارة من عدمه ولكن يهمه من هو قائلها. فلعلنا لو استبدلنا هذه المقولة بدعوة من أبرز شيوخ العلم لدينا لكان لهذه الدعوة صدى أكبر ولربما لاقى هذا الكاتب المديح والثناء.

– الحدة والغلظة: استخدام أفعال الأمر مثل “أوقفوا”. فاذهب إليه (أي إلى الله) هناك وابنِ مساكن اجتماعية أو ابنِ مكتبة تستوعب تلك النفوس المتعطشة للعلم والمعرفة أو ابني مسجدا أو داوي المرضى بمالك، وأوجد لهم ما يسد حاجتهم من الطعام الطيب ومن اللباس الساتر النظيف ومن الكتاب النافع. وقوله: “أرجوكم أوقفوا بناء المساجد وابنوا لنا مكتبات نقرأ فيها”.

استخدم الكاتب أفعال الأمر في أكثر من موضع، ولهذه الأفعال دور كبير في كيفية تلقي القارئ لرسالة صاحب المقال، والتي قد تكون نابعة من غيرة على هذا المجتمع ولكن لغة الكتابة قد ساهمت في تنفير الكثير من الغيورين كذلك. خصوصاً أن استخدام كلمة الإيقاف أمام رمز ديني كالمسجد له صدمته ووقعه القوي على النفوس.

– التعميم الجائر: غالباً ما يقع الكاتب المتحمس والغيور لعرض فكرته إلى استخدام التعميم بوعي أو بدونه، حيث أن التعميم فخ قد يسقط فيه حتى من هو حذر. نماذج من التعاميم التي وردت في المقال:

قول الكاتب: “ثم تأتي لترى المصلين فلا تجد إلا العمالة الأجنبية ترتادها لقضاء أيام الجمع المباركة هروباً من حر الصيف وبرد الشتاء واستخداما لحمامتها ومائها في الاستحمام”. فهل كل رواد المساجد من العمالة الأجنبية؟ وإن افترضنا صحة هذا، فهل يضر المسجد أن يستظل بسقفه عامل بسيط من حرارة الجو، أم في ذلك أجر وثواب عظيم؟

ثانيا : مسببات هذه الدعوة:

يذكر الكاتب عدة أسباب هامة ومنطقية لدعوته إلى إيقاف بناء المساجد والنظر في أمر أوضاع بناءها الحالية، وأبرز هذه الأسباب:

– التكاليف المالية الباهظة التي تتطلبها شؤون إدارة المساجد والقائمين عليها. وفي هذا كما يرى الكاتب نوع من “التبذير” الذي قال فيه: ” ليس الديوان هو الجهة الوحيدة التي تبذر في الأموال دون حد .. وإنما نحن المتدينون أيضا” وفي هذه المقولة أمرين أولهم: أن الكاتب وسم جهة رسمية بعينها بالتبذير، والآخر: أن الكاتب لا يستثني نفسه من جملة الناس المتدينيين والذين ساهموا في التبذير المالي على بناء المساجد.

– توسع بناء المساجد على حساب مرافق مجتمعية مهمة كحدائق الأطفال والمراكز الصحية ومدارس الأبناء ومكتبات المعرفة.

– حاجة الدولة الاقتصادية لهذه الأموال وذلك لدعم الاقتصاد الوطني.

– إعادة صياغة وهيكلة منظومة التعليم ودعمها للخروج من حالة التأخر والتخلف العلمي الذي تعاني منه البلد.

– تقييم مستويات الطلاب والطالبات حسب من “خلال قدرتهم على قراءة وترتيل سورة الفاتحة أو من خلال مدى التزام الفتيات بلبس الحجاب بالطريقة السلفية الصحيحة”. ولا نعلم إن كان هناك تعميم بهذا الأمر في المؤسسات التعليمية أم أنها سلوكيات فردية في بعض المؤسسات.

هل من معارض لهذه المطالب؟

لا أرى سوءاً في مطالب الكاتب وأمنياته التي لخصها في ختام مقاله بالآتي:

– جمع تبرعات الناس لبناء مركز علمي، أو لإقامة مشروعي تجاري

– جمع عوائد هذه المؤسسات للفقراء

– توظيف الفقراء في هذه المؤسسات مما يبعدهم عن البطالة

– عوائد هذه المشاريع تستخدم لبناء المساكن والمراكز الصحية للمحتاجين وعامة الناس

– تكوين قرى ومجتمعات متكاملة قائمة على التكافل والدعم المجتمعي دون دعم من الحكومة

فإن كانت هذه مطالب صاحب المقال، فهل من معارض منا لها؟ حاول أن تتجاهل هنا لغة المقال وغلظتها التي أجزم أنها أثرت في الكثيرين لدرجة جعلتهم يصيغون المقالات التي ترد على الكاتب بدعاوى غريبة منها أن المراكز الصحية والتعليم مسؤولية الحكومة! وهذا الرد وأمثاله يجعلنا أمام مشكلة. فهل هي حقاً مسؤولية الحكومة وحدها؟ لا تقوم الدول إلا بتكاتف كل مكوناتها وسيرة دول العالم في هذا أكبر دليل. إن جودة الخدمات تزيد كلما زادت المساهمة الشعبية في تكلفتها وإدارتها، ودون هذه المشاركة سوف تبقى جودة الخدمات في حدودها الدنيا. فهل فعلاً نريد لهذا أن يستمر؟

من أقوال  بدر الدين الشيخ أحمد الخليلي في المساجد والوقف:

في محاضرة بمناسبة افتتاح جامع نزوى الجديد (الذي بني بديلا عن مسجدين قديمين بنفس الموقع) أكد سماحته على النقاط التالية[1]:

  1. في قرب المساجد وكثرتها:

قال سماحته أن التقارب بين الساجد مخالف لسيرة السلف وما أجمع عليه العلماء، فالمساجد جعلت لتوحيد ولًم شمل المسلمين وليس للتفرقة بينهم، فصلاة الجماعة فرضت للتوحيد. واستشهد الشيخ كذلك بتشدد بعض العلماء في أمر بناء هذه المساجد حيث صرحوا بعدم جواز بناء مساجد متعددة في القرى، فبناء المسجد يجب أن يكون حيث لا يسمع أذان صاحب المسجد الأول. وضرب أمثلة عدة أبرزها استشهاده بسيرة الخليفة عمر بن الخطاب بعد فتح الأمصار حيث أمر بهدم أي مسجد جديد يقام بقرب مسجد قائم، لما قد يترتب على ذلك من تفرقة بين المسلمين، وأن الأصل في صلاة الجماعة التوحيد.

  1. في دعم المؤسسة الوقفية وعدم الاعتماد على الحكومة:

دعا سماحته كذلك إلى أن يتعدّى دعم المؤسسة الوقفية بناء بيوت الله إلى بناء المدارس والمستشفيات والمكتبات، قائلاً إن الدول الأخرى تتسابق من أجل البحث العلمي والاكتشافات العلمية وهي بعيدة عن الإسلام، ونحن يجب أن نكون من المبادرين وألا نكون من الاتكاليين.

  1. دور المساجد:

تحدث سماحته عن الدور الذي لعبته المساجد منذ بداية الدعوة المحمدية. وأشار أنها مقر كل العبادات التي لا تقتصر فقط على إقامة الصلاة، فمنها كانت تدار الحركة التعليمية والتثقيفية والإقتصادية. ودعا سماحته إلى ضرورة إعادة رسالة المسجد.

القول الختام: الصدمة أم الخطبة:

نرى أن مطالب كاتب المقال تكاد تطابق ما دعا إليه سماحة الشيخ المفتي العام للسلطنة في أكثر من مناسبة. إذن لماذا تلقى الكثيرين المقال بالغضب والهجوم؟

بالبحث والمقارنة المتواضعة التي قمت بها أرى أن المشكلة كانت في “اللغة” وكيفية استخدامها لإيصال رسائلنا، وفي هذا لا أستطيع أن أدخل في نفس الكاتب وأقول أنه أراد من لغته كذا وكذا. ولكن لو حذفنا أفعال الأمر والتعاميم الجائرة لبدا المقال أكثر ملامسة لهموم الكثيرين ولأعادوا النظر في عدد المساجد، ولاتفقوا مع الصحفي السعودي تركي الدخيل في مقال (أيهما أولى المسجد أم المستشفى؟!) حين قال:” لم نجد يوماً مسلماً لم يجد مكاناً ليصلي فيه، لكننا يومياً نسمع آهات المرضى وهم يبحثون عن سرير يؤويهم”[2].

من جانب آخر قد يتبنى البعض سياسة استخدام الصدمة لإحداث تغيير معين أو لنشر فكرة معينة لأكبر عدد من الناس، حيث يكون الغرض الأساسي هو إيصال الرسالة لأكبر عدد من الناس، وفي هذا تنجح طبيعة اللغة التي استخدمها الكاتب في تحريك الراكد. فموضوع الوقف والمساجد تم تناوله بكثرة ليس في عمان فقط، ولكن في الكثير من البلدان العربية التي تسلك ذات المنهج في التركيز على المساجد دون الأوجه الأخرى من فعل الخير. غالباً لا يكون للصوت الرتيب الخافت أي صدى أو أثر، إلاّ أن اللغة الصادمة يمكنها إحداث هزة اليقظة المطلوبة غير أن صاحبها لن ينجو من ردة فعل المصدومين الغاضبين. فالكاتب هنا دعا إلى ما  دعت إليه خطب كثيرة لم ينتبه لها أحد، ولكنه نجح في إيقاظ نيام كثر. للأسف هجومهم لم يفرق بين لغته ومطالبه التي دعا إليها أهم شيوخهم قبله بسنين.

حقائق وأرقام:

في تقرير لها في شهر يوليو قدرت شركة “ديلويت” للخدمات المهنية والاستشارية عدد المساجد في العالم بنحو 3.6 مليون مسجد، بمعدل مسجد لكل 500 مسلم.[3]

إحصائيات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية:

– (16) ألفاً عدد الجوامع والمساجد بمحافظات السلطنة. (إحصائيات 2015)

– طباعة وتوزيع أكثر من 200 ألف مصحف. (إحصائيات 2015)

– كما بلغت أعداد تصاريح المساجد التي أصدرتها الوزارة خلال عامي 2013/2014م، (566) تصريحاً ولا زالت قرابة (200) تصريح قيد الإجراء.[4]

– بينما عدد سكان عمان (2015):  2,344,946.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] جريدة الوطن العمانية.4-4-2011

[2] مقال : أيهما أولى.. المسجد أم المستشفى؟! للكاتب : تركي الدخيل نشر في جريدة الرياض بتاريخ : 16 اغسطس 2012م –

[3] هنا

[4] هنا

0 2433 19 مارس, 2017 الثاني والثمانون, ثقافة وفكر مارس 19, 2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.