أرواح مشوشة

كتب بواسطة زوينة الكلبانية

 

(1)

 

وفاءً لامرأة خُلقتْ من ماء، وتنفستْ الطهر والنقاء، وعاشتْ سجينة الحكاية فترة طويلة؛ أُدوِّنُ هذه الرواية التي فاتني كثير من أحداثها لصغر سني وقتها، ولكن ما بقي منها بذاكرتي كافٍ ليضيء مليون نجمة في عتمة روحي، لقد رحلتْ صاحبتها حاملة معها أسرارها وأحلامها في صمت.

كل شيء في حضرتها يبدو حابسًا أنفاسه، كهمسة، كإغماضه.. كقطرة ماء أبدية انفتقتْ عنها السموات والأرض.. الأشياء تصبح شفيفة وبلورية، والكون كله يسبح في لجة من عطور.. وذلك المساء الذي يحتضن وجودها، تولد فيه الفراشات، وتتفتح الزهور وتظل عصافير الأشجار صامتة خاشعة.. لها وحدها فقط تشرق الدنيا وتحوم الفراشات.. لها وحدها خُلِقَ البياض ووُجِدتْ زهرة النيلوفر، وأساطير الماء جميعها تخضع تحت قدميها راكعة حائرة..

لم تؤمن والدتي في حياتها بقضية كإيمانها بقضية عميمه، هكذا كنا نناديها أنا وأخي حمد متأثرين بلهجة أمي القطرية، أما أبناء عمومتي في ولاية نخل فينادونها عَمْتِي، ولقد أحبت عميمة هذا الاختلاف في التسمية واستعذبته، ولم يستنكره أحدٌ من أفراد الأسرة.. أمي الوحيدة المتعلمة من بين زوجات عميَّ سيف وطالب.. لقد كان تعليمهن مقتصرًا على مدارس القرآن فقط ،عدا أنهن يكبرن والدتي في العمر بكثير.

أبي أصغر إخوته، آخر العنقود، كما يصفونه، بينه وبين عمي سيف عشر سنوات، عمي الذي تزوج أرملة أخيه طالب الذي توفي دون أي مرض بسكتة قلبية مفاجئة، تاركًا خلفه سارة وعبد الرحمن يتيمين، يلفهم الحزن على فراق أبيهم، لقد كانت أرملته شريفة تَعِدُ أبناءها بأنها ستكافح من أجلهم، ولكن المرأة التي يُتَوَفَّى زوجها تنتقل مباشرة إلى أخيه في عرف مجتمعنا وإلا لحقه العار أو تحرم من أبنائها، وهذا الأمر دفع زوجته الأولى سالمة إلى التنمر في البيت، ومعاملة أفراد الأسرة وكأنهم خصوم.

واسطة العقد عميمة واسمها الغالية وهي غالية كاسمها، أمي اسمها عالية ويدعونها في القرية أم حمد تقديرًا لها، أما البقية فينادونهنَّ بأسمائهن.

نقيم في مسقط وزياراتنا إلى نَخَل(1) متباعدة وتقتصر على المناسبات، وبرغم ذلك استطاعت أمي أن تكسب ود الجميع في القرية، فنبتت محبتها في قلوب الناس.

أمي متعاطفة مع وضع عميمة المرأة المختنقة بتراكمات العمر والمستسلمة لقدرها، تريدها أن تهرب من الإطار الذي وُضِعتْ فيه، وتتمرد على القهر، وتناضل في سبيل تحطيم الأصفاد التي كبّلتها عمرًا، تخشى عليها أن تعيش وحيدة من دون امتداد وبلا طفل تناغيه.. فالعمر يمر ويمضي وعميمة ماتزال في حالة انتظار القدر الذي لم يأتِ بعد، فهي لم تشأ أن تخرج عن رغبة والدها يومًا.. وترى في استسلامها ضعفًا واستكانة لا تليق بالأنثى، وأن موقف جدي مغرق في الجاهلية، لقد سرق عمرها وأبعدها عن أطياف الفرح.. فلا توجد امرأة في الدنيا لا تريد الحب والزواج وتقبل أن تعيش من دون أنيس ولا ذرية صالحة، وأن ينتهي كل امتداد لها في الحياة بمجرد موتها؛ لذا كانت تحرضها أن ترفع قضية عضل(2) ضد جدي الذي لا يعرف الرحمة، هكذا كانت تحكي أمي عنه إنها يئست هي وأبي من إقناعه بالعدول عن قراره.

لقد كانت أمي على استعداد للنضال مع عميمة ضد السيطرة الذكورية، ولكن هذه النظرة العصرية لم تكن سهلة الفهم على امرأة تغذت بالتقاليد البالية وتربت عليها..

يلزم والدي الصمت كلما فتحت أمي الموضوع أمامه؛ كي لا يطيل الحوار في أمر يرى أنه لا جدوى من الخوض فيه، فسطوة جدي نافذة، وعلى الجميع أن يُنفِذ ويطيع.. جدي بوجهه الصارم، وجبهته العريضة، وأنفه المعكوف كأنف الصقر استطاع أن يخط لأسرته خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها، ومن بينها موضوع عميمة، ولكن العنوسة لم تكن تشكل هاجسًا في نفس الغالية، بل علمتها أن تسمو بروحها وتحتوينا كلنا، كانت أمًُّا للجميع، إنها أحنَّ البشر علينا نشعر بعاطفتها الكبيرة نحونا من علاقتها الجميلة معنا، من عطفها وحبها وحنانها وخوفها علينا.. تعطي ولا تنتظر المقابل.. وقفاتها وتضحياتها لا أول لها ولا آخر.. قلبها معجزة، وحنانها معجزة أخرى، كلما فتحت معها أمي الموضوع يحمر وجهها خجلا وترد بهدوئها المعتاد وابتسامتها الحنون:

  • يا أم حمد السعادة ما محصورة بالرجال واللي يقول هذا واهم.. ولو كان لي في الزواج نصيب كان الله يسره لي، وما تأخر عني إلا لعلمه بعاقبة الأمور، ومحال أني أقهر أبوي في يوم من الأيام وأوقف بوجهه في المحاكم، تتأفف وتتابع مستهجنة:
  • حشا لله عساه آخر يوم فعمري.
  • يا الغالية، يا حبيبتي القضية مُب(3) قضية رِجَّال إنها بيت وحياة وأسرة وخصوصية وأحلام واحتياج.

لقد تآلفتْ عميمة مع الوحدة والقدر والنصيب، لو ظلت تسير عمرها كله فوق اللظى لما اشتكت أو تأوهت، وهي على استعداد للتضحية بكل أحلامها، لقد كانت تجد في منع والدها لها من الزواج عقابًا لعلها تستحقه، فهو بحكم خبرته بالحياة ربما كان يرى في ابن عمها الذي تقدم لها وهي في بداية المرحلة الإعدادية أمرًا ما كانت تدركه سابقًا لحداثة سنها، رفضته بشدة رغبةً في إكمال تعليمها، فحرم عليها الزواج طوال عمرها، وأخرجها من المدرسة.

كانت عميمة زهرة ولاية نَخَل وحلم شبابها ورجالها، كل واحد منهم يكتم طموحه ومبلغ أمله في الظفر بها، واتخاذها عروسًا ذات يوم، عميمة تكبر وتزداد جمالا ونضارة ووالدها يزداد تعنتًا وجبروتًا حتى زهدتْ في كل شيء، وارتقتْ بروحها حد التصوف..قبل قرابة أسبوعين من بلوغ عميمة الخمسين كانت المفاجأة غير المتوقعة… وبعد سنوات من انقطاع الخُطَّاب عنها أتى من يطلب يدها للزواج، فهي تبدو أصغر من هذا العمر بعشر سنوات، وما يزال في وجهها بقايا جمال برغم الخطوط العميقة التي تحيط بعينيها، وربما تكون وفاة جدي هي التي شجعت الرجل على ذلك، يُقال إنه طلبها في حياته ثلاث مرات، وفي كل مرة كان جدي يرده خائبًا وينهره بشدة، قائلا:

  • كم مرة قلت لك ما عندي بنات للزواج، حاجتك روح دورها في مكان ثاني.

وعندما علم الرجل بولع عميمة بالماء اشترى لها بيتًا يمر الفلج في فنائه.. ونثر شلالات الماء وأزهار الياسمين في كل مكان.

خوف عمي ووالدي أن ينالهما ذنبٌ من وراء عميمة دفعهما لفتح الموضوع معها أكثر من مرة ولكنها رفضت بشدة، وقالت:

  • خذيت عهد على نفسي ما أكسر لأبوي -رحمه الله- كلمة فحياته ومماته، وأشهد الله إني راضية عنه وما شالَّه(4) بقلبي عليه ولا عليكم شيء، وإن شاء الله ما تمسكم هَبُوب(5) ساخنة من قداي(6).

الموضوع في الواقع أربك عميمة وأحرجها، فظهرت علامات الخجل والحياء في حركاتها وكلامها، وكأنها برفضها وتمنعها تُعِفُّ نفسها وترفعها عن كل الأهواء التي قد تراود النساء، لا تريد أن تكفر بقسم أبيها وإلا لتاهت وضاعت، تخاف من غضبه حتى في قبره، تخاف على روحه.. لا تريد أن تقلقها، تريدها أن ترقد بسلام، ولكن أمي لها منطقها الخاص في هذا الأمر بالذات، ترى أن عميمة في أمس الحاجة لتجديد هواء روحها، وأن الزواج حقها الفطري الذي لا ينبغي التنازل عنه.. وبحماس تتدخل في الموضوع لجبر روحها المكسورة، ولعلمها بطبيعة عميمة الخجولة واستعدادها للتنازلات بحكم تربيتها وتعايشها مع الواقع الذي صنعوه لها سلفًا، تجتهد أمي في إقناع عميمة بالعدول عن رأيها الذي كانت ترى فيه تجنيًّا على حق من حقوقها:

  • هذا شرع الله والزواج ما له عُمر، حرام انسرق عمرج وأنتِ بعدج صغيرة.. فكري تراه كل واحد لاهي بنفسه وبحياته.

 

تقاطعها:

  • إذا كان عند الحريم زوج فأنا عندي الله ما أينساني (7)، وإذا كان على الأولاد تراه أولادكم أولادي مربِّتِنْهُم أكثر عنكم وأترجاهم يسندوني يوم أعثر وتخوني العافية.

هذا الموقف رفع قدر عميمة في أعين الجميع، وزادها مكانة عند إخوتها، وتحولت نظرات العطف والشفقة في القرية إلى إعجاب وإكبار لها، الجميع يردد:

– والنِعْم في الغالية.. حرمة ما شَيْ كماها(8) في هالزمان.

الناس في هذه القرية الصغيرة يعرفون كل شيء عن بعضهم بعض، وعميمة ليست العانس البغيضة واللئيمة والشريرة الحاقدة على المجتمع أو المجنونة التي تطارد الرجال بحثًا عن العريس.. عميمة لم يرعبها يومًا شبح فوات القطار، ولم يقلقها أن تصل إلى محطتها الأخيرة بلا تذكرة تؤهلها لركوب قطار الزوجية.. وهي الجميلة القادرة على التأثير في أشد الرجال بأسًا برجاحة عقلها وحكمتها وتروّيها.

 

____________________________

(1) نَخَل: ولاية تابعة لمحافظة جنوب الباطنة تشتهر بكثرة الأودية وعيون الماء.

(2) عَضَل: منع المرأة من الزواج ظلمًا.

(3) مُب: لفظة عامّية باللهجةِ القطرية وتعني ليسَ، وفي السياق: ليست.

(4) ما شالّه: لا أحمل ضغينة أو عتبًا.

(5) هبوب: ريح، وبالسياق تعني لفحة هواء ساخنة.

(6) من قداي: بسببي.

(7) ما أينساني: لن ينساني، أو لن يخذلني.

(8) ما شي كماها: لا مثيل لها ولا شبيه.

أدب العدد الحادي والثمانون

عن الكاتب

زوينة الكلبانية