الصهيونية بوصفها نقيضًا لليهوديّة

كتب بواسطة ياسين عاشور

«فلتعلموا، أيّها الصهاينة، أنّكم لا تمثّلون اليهوديّة ولا الشعب اليهودي… إنّكم لا تمثّلون سوى حركة سياسيّة تُناقض أفكارها وقيمها أفكار وقيم التوراة المقدسة والديانة اليهوديّة. إنّنا ندين بشدّة أعمالكم العدوانيّة ونؤكّد للعالم بأسره وجود فرق كبير بين اليهوديّة والصهيونيّة»1، هكذا تحدّث يهوذا جيرامي، الحاخام الأكبر وزعيم الطائفة اليهوديّة في إيران، مؤكّدًا الفرق الجوهريّ بين الإيديولوجيا القوميّة الصّهيونيّة والدّيانة اليهوديّة.

تُعدّ الصهيونيّة منذ بواكيرها حركةً إيديولوجية معادية لروح اليهوديّة وفلسفتها الصميمة، والصهيونيّة إنّما هي حركة قوميّة علمانيّة استلّت شرعيّتها من المحدّدات السّياسيّة والثّقافيّة التي بدأت تهيمن على السّياق الأوروبيّ أواخر القرن الثامن عشر وشهدت أوجها خلال القرن التاسع عشر الذي شهد ازدهار الحركات القوميّة وتطلّعات الشعوب المختلفة لتحقيق نموذج الدولة الأمّة والاستقلال الذاتي. والحركة الصهيونية لا يُمكن أن تُفهم خارج هذا السّياق، حين عبّر ثيودور هرتزل عن التطلّع إلى دولة قوميّة ليهود الشتات في كتابه «دولة اليهود» الذي صدر سنة 1896، لم يكن هرتزل يقصد دولة يهوديّة دينيّة تلتزم بأحكام الهالاخاه (الشريعة اليهودية)، وإنّما كان يرمي إلى دولة علمانيّة تسمح لليهود، بوصفهم مجموعة عرقيّة وثقافيّة، بالحكم الذّاتيّ وإدارة شؤونهم بشكل مستقلّ عن أي دولة أخرى. لقد أدّت دعوة هرتزل إلى غضب الشطر الأعظم من يهود أوروبّا الملتزمين بالإيمان اليهوديّ، والذين عبّروا عن رفضهم لهذه الإيديولوجيا منذ عهدها الأوّل، يتجلّى ذلك الرّفض مثلًا في وقائع انعقاد أوّل مؤتمر صهيونيّ في تاريخ الحركة، الذي انعقد في بازل سويسرا سنة 1897، ذلك أنّه كان من المفترض أن ينعقد في ألمانيا، لكنّ زعماء المنظمات اليهوديّة هناك، خاصة منظمة «الرابطة المركزية للمواطنين الألمان من ذوي الديانة اليهودية»2 عملوا ما في وسعهم حتى لا ينعقد، لأنّهم كانوا يؤيّدون فكرة اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبيّة وينبذون فكرة تجمّعهم وبناء وطن قومي خاص بهم، ورأوا أنّ الحركة الصهيونية تهدّد مصالحهم وأهدافهم الخاصّة، وتساهم في تفاقم المشاعر المعادية للسامية وفي اتهامهم بالولاء المزدوج، أمّا السّبب الدّيني والأهمّ فيتمثّل في أنّ فكرة إقامة وطن قوميّ لليهود تعارض روح الدّيانة اليهوديّة القائمة على انتظار مجيء الماشيح المبعوث من الله، فهو الوحيد القادر على جمع اليهود وقيادتهم نحو تأسيس مملكتهم الموعودة، إنّ أيّ سعي بشريّ نحو تحقيق هذه المملكة يمثّل معارضة لوعد الله وخطته، وتمرّدًا على إرادته المتمثّلة في تشتيت اليهود وبقائهم دون مملكة، إنّ الديانة اليهوديّة قائمة على الانتظار والرجاء والحلم، أمّا النّشاط السّياسيّ الذي اضطلعت به الحركة الصّهيونيّة فإنّه يناقض اليوتوبيا اليهوديّة القائمة على الأمل بمستقبل مثاليّ ويحوّلها إلى ديستوبيا قائمة على سلب حقوق الفلسطينيين والتّسبّب في نكبتهم، لقد حوّلت الحركة الصهيونيّة حلم العودة إلى أورشليم إلى كابوس.

إنّ إسرائيل في نظر اليهوديّ الحقيقيّ إنّما تمثّل كيانًا قوميًا علمانيًّا لا يمثّل الدّيانة اليهوديّة ولا الشعب اليهوديّ، وهي تواجه اعتراضات قويّة من عديد اليهود في العالم، خاصّة منهم الأورثودوكس المتمسّكين بتعاليم التوراة. يرى أعضاء «ناطوري كارتا»3 مثلًا أن إنشاء دولة إسرائيل يتعارض مع التعاليم الدينية اليهودية التقليدية. وهم يعتقدون أن إنشاء دولة يهودية يجب أن يتم فقط مع مجيء الماشيح والفداء الإلهي للشعب اليهودي. ووفقا لتفسيرهم للنصوص الدينية، فإن الجهود البشرية لإقامة دولة يهودية تعتبر انتهاكا للإرادة الإلهية. كما ينتقدون الطبيعة العلمانية لدولة إسرائيل. وهم يعتقدون أن الدولة اليهودية الحقيقية يجب أن تحكمها الشريعة الدينية اليهودية بدلاً من القوانين والمؤسسات العلمانية. ويعتبر الطابع العلماني لإسرائيل غير متوافق مع تفسيرهم للقيم اليهودية الأصيلة. وهم يعربون عن مخاوفهم بشأن تأثير إنشاء إسرائيل على العلاقات مع المجتمعات غير اليهودية، وخاصة السكان الفلسطينيين. كما يشعرون بالقلق من أن إنشاء دولة يهودية في وسط منطقة ذات أغلبية عربية قد أدى إلى التوترات والصراعات، ويدافعون عن التعايش السلمي والحوار، إنّهم يعبّرون دومًا عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني ويدعمون حقه في تقرير المصير. وهم يعتقدون أن قيام إسرائيل قد تسبب في ضرر للسكان الأصليين وأنه ينبغي البحث عن حل أكثر عدالة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.  

خلال ثلاثينيّات القرن العشرين، وحينما كان الصهاينة في أوج نشاطهم من أجل تحقيق دولتهم، أحسن الزعيم الهندي مهاتما غاندي نقد الإيديولوجيا الصهيونيّة قائلًا إنّ «الصهيونيّة في بعدها الرّوحيّ طموحٌ سامٍ، أعني بالبعد الرّوحيّ أنّه ينبغي عليهم أن يرغبوا في بلوغ أورشليم الكامنة في دواخلهم، أمّا الصّهيونيّة التي تضطلع بإعادة احتلال فلسطين فإنّها لا تجذبني. أستطيع تفهّم شوق اليهوديّ إلى العودة إلى فلسطين، ويمكنه العودة دون الاستعانة بالسّلاح (…). في هذه الحالة سيذهب إلى فلسطين مُسالمًا وفي صداقة تامة مع العرب. إنّ الصهيونيّة الحقيقيّة التي بيّنت لكم فهمي لها هي ما تستدعي النضال والاشتياق والموت من أجلها. إنّ صهيون كامنٌ في قلب المرء، وأورشليم الحقيقيّة هي أورشليم الرّوحيّة. وعليه فإنّ الصّهيونيّة مقدورٌ على تحقيقها في أيّ مكان في العالم».4

تقول الكاتبة النسوية اليهودية إيلين ويليس «إنّ الصهيونية بوصفها فلسفة، حتّى في نُسخِها اليساريّة، لا تعجبني. لم أر قطّ، أنّ السّيادة على قطعة أرض تشكّل حلًّا لمعاداة السّاميّة، ولا هي إبطال للشّتات، وهي ليست توكيدًا ضروريًّا على الهويّة والثقافة اليهودية، وليست أساسًا لبناء يوطوبيا اشتراكيّة (…) يبدو أنّ الحكومة الإسرائيليّة في أيّامنا هذه تعتقد أنّ وجود اليهود ضامنٌ لبقاء الدّولة، بدلا من أن يكون وجود الدّولة ضامنًا لبقاء اليهود»5، أي أنّ الدولة الإسرائيليّة تتعلّل بحماية رعاياها اليهود الذين تستجلبهم من شتّى أصقاع الأرض حتّى تبرّر بطشها بالفلسطينيين، أصحاب الأرض الأصليّين، وإنكار حقوقهم وتعريضهم لمحرقة متواصلة منذ أربعينيّات القرن العشرين، والعجيب أنّ الغرب يتواطأ مكفّرًا عن خطيئة معاداة السّاميّة التي بلغت أوجها بالمحرقة اليهوديّة، بخطيئة أخرى من نفس الجنس، على حساب شعب آخر لا ذنب له في ما تعرّض له يهود أوروبّا، يقول الفيلسوف الفرنسي إدغار موران «من الصعب أن نتصوّر أنّ أمّة من الهاربين، سليلةِ الشعب الأكثر تعرّضًا للاضطهاد خلالَ تاريخِ الإنسانيةِ، بعد أن تحمّلت سوء الإذلال والازدراء، ستكون قادرةَ على التحَوُّلِ، باستثْناءِ أقليةٍ جديرة بالإعجاب، خلالَ جيلَيْنِ، إلَى شعبٍ مهيمِنٍ وواثق من نفسِهِ ومُحتقِرٍ يتلذّذ بإذلَالِ الآخَرين».6

وخلاصة القول إنّ الصهيونيّة مناقضة تمامًا لليهوديّة، لأنّ اليهوديّة ديانة مسيحانيّة (messianic) قائمة على الانتظار وعلى اختبار صبر اليهود وإيمانهم بصدق الوعد الإلهيّ، أمّا وقد نفد صبر المنتظرين فإنّ في ذلك إيذانًا بالخراب والإفساد، ذلك أنّ صناعة ماشيح علمانيّ متمثّل في الدولة الصهيونيّة لا يمكن أن ينتج سوى واقع فرنكنشتاينيّ مرعب آيل إلى الزوال لا محالة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المراجع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 1- Iran’s chief rabbi says Zionists ‘do not represent Judaism’, URL : https://www.jpost.com/middle-east/irans-chief-rabbi-says-zionists-do-not-represent-judaism-629286.

2-  «Central-Verein deutscher Staatsbürger jüdischen Glaubens».

3- ناطوري كارطا (Neturei Karta) منظمة يهودية أورثودوكسيّة من الطائفة الحريدية تأسّست سنة 1938، تتمثّل دعوتها الأساسيّة في معارضة دولة إسرائيل.

4- Mahatma Gandhi, Interview to The Jewish Chronicle, London (October 2, 1931), in “Gandhi, the Jews & Zionism”, Url :https://www.jewishvirtuallibrary.org/interview-to-the-jewish-chronicle-london-by-gandhi-october-1931

5-  Ellen Willis “What the Pollard Case Means to Jews” (1987) included in No More Nice Girls: Countercultural Essays (1992).

6- Edgar Morin, «Israël-Palestine : Le cancer», initialement publié dans le Monde du 4 juin 2002

Url :

https://archive.mcxapc.org/docs/conscienceinextenso/morinext.htm#:~:text=Le%20cancer%20isra%C3%A9lo%2Dpalestinien%20est,Cependant%20une%20s%C3%A9gr%C3%A9gation%20commence.

سياسة

عن الكاتب

ياسين عاشور