العلوم الإنسانية ودورها في تنمية الموارد البشرية

كتب بواسطة يوسف أمبوعلي

ومن هنا فإنه لابد من إعادة النظر من قبل المسؤولين في عمان لصياغة منظومة علمية وثقافية قائمة على فقه المآلات والمصالح المرسلة، والمعنى أنه من أجل إخراج جيل من الشباب الواعي المثقف المشارك في بناء الدولة والمجتمع المتفاعل مع قضاياه وحاجاته فلا بد من التركيز على توجيه دفة الثقافة والعلوم نحو ما يصنع الوعي ويكامله وينميه، لا ما يلغيه ويشتته وينفيه.

 

 

العلوم الإنسانية ودورها في تنمية الموارد البشرية

لا يزال عجبي لا ينقضي مما أشاهده من الإجحاف والتنكر إلى العلوم الإنسانية ومحاولة إقصائها عن الساحة العلمية والثقافية في البلاد، وليس عجبي هذا بسبب منطلقاتي الفكرية التي اعتقدها، ولكنه بسبب القناعات التي يكاد يتفق عليها جميع العقلاء من جميع التيارات الفكرية على أهمية الثقافة الإنسانية في بناء الدولة والمجتمع.
وذلك لأن إبعاد العلوم الإنسانية عن المشهد الثقافي تفتيت للكيان البشري العامل لخدمة الإنسان والحياة والمجتمع والبيئة، وهذه المكونات الأربعة لا تنمو أوراقها ولا تنضج ثمارها ولا تؤتي أكلها إلا من خلال طبخة ثقافية تكون هذه المواد الأربعة من مكوناتها الأساسية، ولا ضير في أن تكون المواد الأخرى حاضرة معها داخلة في تركيبتها.
فكيف يُتصور أن تغيب علوم الاجتماع والعمل الاجتماعي وعلم النفس والفلسفة، وآداب اللغة العربية عن البحث والتنظير خدمة للمجتمع ودفعا لتنمية قدرات الإنسان وكشفا لمواهبه وإشاعة للفائدة الكبرى من خلال فهم الواقع الاجتماعي، ومحاولة تلبس الفرد بهذا الفكر ليكون حاضنة لفلسفة تشيع حميمية الحياة الاجتماعية ويرتقي بها إلى معرفة قائمة على أن العلوم في أغلبها لا تكون ذات فائدة أو جدوى ما لم نجد أثرها على القلوب والعقول والتي بدورها ستشكل طبيعة الحياة الإنسانية في أي مجتمع كان.
ومن فوائد هذه العلوم أنها تساعد على التصور السليم والحقيقي بالنسيج الإنساني والمجتمعي العام، وتركيباته الفطرية التي تساعد على زيادة التلاقي حول المتفقات والمشتركات والانطلاق من خلالها للبناء والتنمية.
وفهم الفرد الإنساني على أنه جزء من منظومة مركبة لا بد أن يتماهى معها محدثا أثرا طيبا وفاعلا في مجتمعه كي يدفع به إلى التكامل والتوافي لا إلى شق الصف ونثر حبات العقد المنتظم، وهذا الفكر المطلوب في بناء الإنسان هو ما يساهم في بناءه علمُ النفس التربوي والاجتماعي والذي يعطي الإنسان وعيا راقيا بتركيبته البشرية وحاجاتها إلى التلاؤم مع المكونات الأخرى للكون والحياة، واليقينُ بأنه لا بد من تناغم جيد مع هذه المكونات المذكورة.
كذلك فإن الاهتمام بعلوم الفلسفة مهم جدا في الدفع بالوعي العقلي إلى مراتب من التفكير الراقي من خلال ترتيب المدركات الحسية والمعنوية ووضعها في أولويات الحاجة وعدمها وتغليب المصالح العامة على الخاصة والمجتمعية على الفردية والفطرية على الكمالية والتحسينية والمعيشية على الهامشية.
ومن هنا ينشأ الفكر الإنساني الذي يساعد على البناء والتنمية، ويدعوا إلى التكامل في حركة المجتمع من خلال إعطاء كل ذي حاجة حاجته، ووضع الأمور في نصابها، ونمثل لذلك بالقِدْر الذي يمكن أن يتموضع في مكانه على أربعة أثافي أو ثلاث، فإذا عُلم يقينا أن ثلاثا منها تكفيه فإنه من غير المنطق أن يضيف الرابعة كزيادة في غير محلها لا تضر ولا تنفع، بل هي تضاعف من الجهد دون زيادة في الناتج والنتيجة.
ومن هنا فإنه لابد من إعادة النظر من قبل المسؤولين في عمان لصياغة منظومة علمية وثقافية قائمة على فقه المآلات والمصالح المرسلة، والمعنى أنه من أجل إخراج جيل من الشباب الواعي المثقف المشارك في بناء الدولة والمجتمع المتفاعل مع قضاياه وحاجاته فلا بد من التركيز على توجيه دفة الثقافة والعلوم نحو ما يصنع الوعي ويكامله وينميه، لا ما يلغيه ويشتته وينفيه.
ودور آداب اللغة العربية في ترقية النفوس وتطهير القلوب والارتفاع بها نحو كمالات الحياة البشرية لا ينكره منكر ولا يرده إلا مكابر ، كيف لا وهي التي دفعت بالعقل العربي للتمسك بالنور البازغ من الجزيرة العربية وحمل الرسالة السماوية المحمدية ونشرها في أصقاع الأرض، بلغة لطيفة ومعان ظريفة.
وما الأمر السامي من صاحب الجلالة السلطان المفدى بإقامة ندوة للأخلاق الرفيعة في الجامع الأكبر إلا تواءما وتناغما مع هذه الروح البشرية التي تحتاج إلى قيادة منظمة من الداخل والخارج، حتى تستطيع أن تضع نفسها في المكان اللائق والصحيح وتتنفس بعد ذلك الهواء النقي وتحيا الحياة السعيدة التي خلقت من أجلها.
وهكذا مرة أخرى كان لا بد من إعادة النظر في هذا الإحجام عن تدريس العلوم الإنسانية بكل معارفها وبالعمق المطلوب، حتى نستطيع السير على مسار صحيح ورؤية واضحة سليمة، ونرتقي إلى مرتبات الإنسانية المحلقة في عالم السموات المفتوحة، والله الموفق لكل خير وهو النافع والضار والحمد لله….

 

 

العدد الرابع عشر ثقافة وفكر

عن الكاتب

يوسف أمبوعلي