الفاتحة

كتب بواسطة خلود المقرشي

download

قبل الحكاية:

-” أين الجنة؟ ”
نهر حنين انسكب في عينيها، وحشرجة جرح ازدادت تمدد في قلبها المكلوم..
قبل أن تجيب أمها…
أبصرت الجنة في طرف جلباب والدها المعلق..
“الجنة في جلباب أبي… وأبي الغائب ….في جلباب حكاية !”

بعد الحكاية:

الخوض هذه المدينة النامية، لا تنام شوارعها في الليل… وثمة أضواء لا تخبو إلى الفجر في عدد من البيوت التي ألمحها من فوق سطح العمارة.

الخوض نهر ليل لا يصب ماءه إلا في الفجر بعد أرق طويل. منذ أن تركت قريتي  ولسنوات بقيت مسكونة بأرق يلازمني لليالي طويلة من التفكير المشطور بين ذاكرة مسكونة بالمدينة وذاكرة القرية المعثرة بغبار قبر والدي الافتراضي!

أضحك من كلمة افتراضي كيف أتت هكذا لتكمل جملة لا تمت لها بصلة! ربما لأن جدي قرر أن يفترض قبرا وهميا لوالدي في مقبرة القرية ككل الأجساد التي انسكبت من فوق الأرض لتسكن تحتها، كحضور غير مرئي كان قبر والدي ..ماذا وضع جدي داخل القبر؟ كان ذلك اللغز الذي ما برأ ينهش أحاديث الجيران.

—–

–   شظية أهلكته انتزعت قدمه من جسده، استباح الدم رقعة الأرض من حوله، لم يكن ممكنا أن نسعفه في اللحظة نفسها، كان العدو لا ينفك يقاتلنا بكل ذخائره. زوجك يا أختي مات شهيدا… وما أجملها من  شهادة.

نظرت وجوه النساء إلى بطن المرأة المكور… قال أحد رجال العزاء مواسيا للمرأة المنتحبة:

–  ان شاء الله سيأتي ابنه ليحمل شرف شهادته لن يموت ذكره يا أختي احتسبي الأجر واصبري…

وأوقدت المرأة الصبر كساءً أسودا، وزادت من صبرها ترفقا بالابن الذي ستنجبه وتنجب معه ذاكرة شهيد حي.. فلا شيء يحي الميت غير ابن يحمل اسمه لأزمنة قادمة.

ثم بعد ستة أشهر جئت أنا… كفاجعة ألهبت طعنة الفقد مرة أخرى.. وطعنة الاسم والنسب الذي أقتص في ريعانه..

–  آه لو لم تكن بنت… لأصبح لنا شأن في هذه البلاد ولغدونا بيت الشهيد الذي أنبت الله له الجنة والبركات… فقط لو لم تكن بنت..

…غدا سأقرأ الفاتحة على قبره.

——

والدي الشهيد… جريح حروب الخليج و شهيد الجنوب،.. في الحقيقة أبي لم يمت أبي استشهد وكل جسد شهيد حي هكذا تقول الآية.

أين دفن جسد والدي المجروح؟ في أي بقعة من الجنوب يسكنها والدي الآن! كان ذلك السؤال هاجسي المميت للالتحاق بكلية التربية في صلالة… ولكن جدي كان الأسبق حين حرم على نفسه وعلينا أن تطأ أقدامنا أرض الجنوب! وكما تبرأ جدي من الجنوب تبرأت أنا من السؤال. التحقت بكلية خاصة على نفقة الدولة كمكافئة رمزية على يتمي!

وقبلت ..

وجدت نفسي على فوهة مجتمع مغاير كأن الأرض غير الأرض! في أحد المرات قررت حضور أحد الجلسات الأدبية المستحدثة لجماعة الأدب في الكلية ..

وحضرت.

–  الوطن يا سادة هو الانتماء الكلي جسدا وروحا لهذه الأرض لتصبح جزءا من وجودنا!

–  الوطن سيارة الجيب التي تجد مفاتيحها تحت وسادتك تلبية لطلب مسبق لك.

ضحك أغلب الجمهور. كانت تلك أقل عبارة راودتني وقتها ولم أستطع أن أكملها إلا في داخلي .. الوطن يا سادة في دم ابي النازح في الخليج والجنوب… الوطن هو دمعة جدي المزروعة في شق الروح … الوطن في الاسوداد الذي لازم أمي أمدا ما انقضي.

خرجت من القاعة دون أن أنظر في عين أحد. لما انفعلت هكذا؟، لما الوطن مشروخ في داخلي؟.. الوطن الذي أخذ أبي حين وقف مدافعا عنه أعطي غيره الكثير حين هرب خارجه ..في أيام الحزن الكبيرة يلح على السؤال ذاته: ماذا كسب أبي؟…وماذا كسبنا جدي؟ وإذ أعرف أنني لم أكتسب غير لقب اليتيمة تلك الكلمة التي سمعتها منذ أن كان عمري 7 سنوات ..نادتني جارتنا بها. كان جدي في طريق خروجه من البيت … سمعها وهي تنطق بها، أعتصر قبضة يده، كنت أنا أمامه مباشرة ودون أن أدرك نظرت إلى عينيه… لم أعد أبصرها . خرج مسرعا وحادا ولأول مرة أخرج جدي الكلام سيفا من غمده الصامت ، ظل يشتم ويتوعد إلى أن خرجت أمي وجذبتني أنا وهو داخل البيت.

ليلتها احتضنني جدي طويلا….. بكت أمي بصمت … بصمت كبير ما زلت إلى الآن أحسدها عليه …من أي زجاجات الذاكرة توقد أمي صبرها؟

– واسطات. ابتسامة استهزاء منها

قابلتها بابتسامة بلهاء مني بحجم سخافة تعليقها.. أين الواسطة هنا ف تقديم طلب بسيط كشاي .. الواسطة في جيوبكم متى ما أفرغت حتى امتلئت ! الواسطة في هذا الوطن الذي أمات رواية الشهيد من حكاياته.

تجتمع بنات الريف على طاولة واحدة ما أسرع ما يتألف البسطاء مع بعضهم.. تجمعهم مشاكلهم، شكاويهم، وأحزانهم. أنفرد في طاولة مقصيه ..أنا لا أشبههن أنا ابنة شهيد وهن بنات أباء عاديون. وهؤلاء الأغنياء أبناء رجال أغنياء عاديون..

أفكر في دم والدي الذي تشربته الأرض حتى الشمال ..أفكر في رواية يمكن أن أحنط فيها روحه كأهرام مبني من الورق.. رواية لا تشبه قصتي الأولى التي عمدت بالفشل في مسابقة الكلية، أخبرني بعدها أحد المشاركين ناصحا أن أبتعد عن السياسة وأكتفي بالمواضيع الاجتماعية…

– لم تكن سياسية كانت تتكلم عن حياة شهيد.

–  امممممم.. شهيد!! تعرفين أننا لا نتحدث عنهم بلفظ شهيد!

–  ولكن والدي شهيد

–  متى ما تخطيت عقدة أبيك الشهيد ستغدو حياتك أسهل صدقيني.

–         …………………………….

لم أعلق.. لا أحد يفهم قصة الشهادة، لا أحد هنا يا جدي يفهم قصة الدم.. ولكني لست كجدي حين قرر أن ينسى ويقرأ عليك الفاتحة…لن اقرائها!

في الحكاية:

–  ستسألني عن أبيها حين تكبر.

– أحكي لها عنه.

–  ماذا سأحكي لها يا أمي… أنا حتى لم أعرفه… رحل قبل أن أرى وجهه في النور.

– جدها لن يتركها ولن يتركك سيحكي لها كل يوم… ستحب أبيها الشهيد.

أدب الخامس والأربعون

عن الكاتب

خلود المقرشي