الفنون الجميلة في الإسكندرية

كتب بواسطة محمد عطية محمود

“ذاكرة التاريخ.. ذاكرة الإبداع”

(1)

تتميز دائمًا ذائقة المبدع حينما يتصدى لعملية التأريخ للفن بثراء المعرفة والتجربة والموهبة معًا؛ حيث تبدو فيها تلك النزعة الفطرية لملامسة مواطن الجمال والإبداع وتقصي الحقائق الملهمة التي تمهد الطريق لتك السمة المعرفية المتراكمة، ما يعضد قدرة الذات الباحثة المبدعة في ذات الآن على بلورة الأمور ورؤيتها بتلك النصاعة التي لا تبتغي سبيلا غير سبيل الفن، والفن وحده، منذ كونه وليدًا يتلمس خطواته الأولى، ثم اختراقه لهذه العوالم المجهولة من الدهشة والإبهار، وحتى تجسده في تلك الصورة الشامخة أو المشهدية الزاخرة بالإبداع والمبدعين من خلال آثارهم الفنية الشاهدة على تعاقب تلك المراحل التي ينهض فيها الفن ليجسد المكان والزمان على حد سواء.

ربما كان هذا المدخل مهمًا لتأصيل تلك النزعة الباحثة عن الجمال ومحاولة تقديمه من خلال مبدعيه، ومن خلال تلك الرؤى، والغاية التي تصدى بها فنان من جيل الأساتذة في الفن التشكيلي هو الفنان الكبير العالمي “عصمت داوستاشي” في سِفره “الفنون الجميلة في الإسكندرية” -التاريخ الموجز للحركة الفنية والفنانين بالإسكندرية خلال القرن العشرين – الصادر حديثا 2019 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية– سلسلة آفاق الفن التشكيلي، لما لهذه المدينة المتوسطية (الأساس والعمدة) بين حواضر العالم القديم من بعد إنساني وثقافي بالغ الأهمية منذ نشأتها على يد الإسكندر الأكبر، وكونها حاضرة لملكه تأسس على نهجها العديد من نقاط التنوير في العالم، فكانت كعبة للعلم والعلماء والفنانين من خلال مكتبتها الخالدة التي أنشأها بطليموس الأول، وحافظت على المجد العلمي والثقافي بذلك الإشعاع الخالد الذي جعل من الإسكندرية أنموذجا أول في العالم بتلك السمة الكوزموبوليتانية التي جمعت كل الأطياف والجنسيات، وما تزال في هذه السمة المائزة لها كونها علامة تدلل على تلاقح الحضارات والأجناس فيها ما يجعلها مدينة عالمية الفن والهوى.

حيث يقول “داوستاشي” في مقدمته للكتاب: “أرصد في هذه الدراسة فجر الحركة الفنية الحديثة بالإسكندرية منذ أواخر القرن التاسع عشر، والتي انطلقت من مراسم الفنانين الأجانب المقيمين بالمدينة، تلك الحركة الفنية التي انتشرت بعد ذلك في مصر، وتبلورت في إنشاء أول مدرسة عليا للفنون الجميلة بالقاهرة عام 1908، ثم إنشاء كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية عام 1957، وافتتاح متحف الفنون وبينالي الإسكندرية عام 1955، وأتيليه الإسكندرية عام 1934، وغيرها من المؤسسات الفنية والثقافية، ودور هيئة قصور الثقافة متمثلا في إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي، وحتى مكتبة الإسكندرية في 2002”.

التأسيس للفن

بذلك الحس التأسيسي الذي تبدو فيه جذور هذه الحركة الفنية منطلقة من البؤرة المشعة التي تربط بين الشمال الأوروبي والجنوب الإفريقي لحوض البحر المتوسط- الذي يتوسط كيان العالم معنى وضمنًا- تكون الإسكندرية دائمًا مناطًا لتجريب النازحين والمقيمين، وتجديد وتقليب المياه للوصول إلى حالة الفوران الإبداعي التي يبتغيها الفن منطلقًا من أصوله القادمة من الغرب عبر فنانيه المقيمين– من خلال الجاليات الأجنبية المنتشرة في المدينة المتوسطية الأم- بفنونهم في هذا المكان الإسكندري المحرض على الإبداع، بكل تجلياته وعبقه.

وعبر الحرص الممنهج على تقديم صور مبهرة حقيقية من عمق مرآة الواقع، وتاريخ هذه العلاقة الحميمة لهذا المكان الحاضن مع الفن، ومراجعه التي بدأت تؤرخ لها، وفي هذا المقام يورد داوستاشي ما قاله الأستاذ “علي خالد” -مدير متحف الفنون بالإسكندرية- لتجلية هذا الواقع الفني وتقديم جذوره، فالانطلاق دائمًا من خلال ذلك الثغر الذي كان منارة لانتشار الثقافة في العالم القديم، وها هو ينطلق منها نحو تأسيس علاقة الفن بالواقع المصري من خلال تلك العلاقة التي بدت مؤسسية تعمل على تجسيد روح الفن في جسد الواقع، والعمل على انتشار تلك السمات الفارقة للفن باختلاف مدارسه ومشاربه وتوجهاته:

“ومن أصحاب هذه المراسم لمع اسم فنان يوناني يدعى “قسطنطين زوجرافو” الذي تعتبر رسومه المائية التي تركها سجلًا للحياة في الإسكندرية في الفترة من 1905 إلى 1912، ومن بين المراسم التي كان لها الفضل في نشر الحركة الفنية في المدينة مرسم “أوتورو زانييري”، و”تشيفلتي الأب”، و”جلفاني”، وكان “زانييري” مصورًا إيطاليًا جاء إلى الإسكندرية في مستهل هذا القرن وأنشأ مرسمه الذي كان يفد إليه المصريون والأجانب ومن بينهم فنان مصر الكبير “محمود سعيد”.

معرجًا على العديد من الأسماء التي ساهمت في هذه الحالة التأسيسية عميقة الغور والتأثير؛ فيلوح المصور اليوناني “ليتساس” الذي تتلمذ على يديه “أنجلو بولو” و”وتيرني”، وكذلك مدام “فلورا كرافيا” التي وفدت إلى الإسكندرية وأقامت معرضًا لها سنة 1914، وظل مرسمها يؤدي رسالته إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، ومصور الباستيل “جول بالنت”، ومن الفنانين الإيطاليين “أورتور نيوبيكي” ومرسمه المؤسس أواخر سنة 1929 إلى سنة 1948، وكان أول المنتظمين فيه الأخوان سيف وأدهم وانلي، وأحمد فهمي، إضافة إلى تأسيس جمعية لهواة الفنون الجميلة سنة 1929 على يد حسن كامل، الذي أضاف إليها– بحسب الدراسة- معهدًا ليليًا لتدريس الرسم والنحت والزخرفة والعمارة تطوع فيه للتدريس بعض الفنانين الأوروبيين من أمثال: “جول بالنت”، و”جودي فري ثورن”، و”سكاليتي”، والمهندس “نيقولاييدس”، إضافة إلى إقامة أول صالون بالإسكندرية سنة 1931 في سراي زغيب أمام سينما أمير بشارع فؤاد (طريق الحرية حاليا)، كما قامت جمعية الصداقة المصرية الفرنسية برئاسة الدكتور حسين فوزي، وكذلك قام المعهد البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية بتشجيع تلك الحركة الفنية بإنشاء قسم لهواة الفن بين الجنود الموجودين بالثغر، وكذلك المركز الثقافي للآباء اليسوعيين والجمعية اليونانية، لتقوم بلدية الإسكندرية في ذلك الوقت بإبراز دورها الحيوي لإعداد نواة للمتحف الكبير الذي أصبح مركز إشعاع ونافذة تطل على أحدث التطورات الفنية في العالم من خلال إقامة بينالي فناني حوض البحر المتوسط في الإسكندرية كل عامين.

(2)

البحر، المدينة، الفن

ترتبط الإسكندرية بالبحر جغرافيا وأنثروبولوجيا وتاريخيا، وكمؤثر له أبعاد عميقة ترى في كل ما يحيط بالبيئة الإسكندرية ويمتد تأثيره لينطبع في الوعي والذائقة، وهو ما يعول عليه الباحث في معرض دراسته في الجزء الأول الرئيس المعنون بهذه الثلاثية التي لا تنفصل للعلاقة بين البحر كمكون طبيعي والمدينة كمكون جغرافي والفن كمكون إبداعي ينطلق من عدة عوامل لعل من أبرزها الطبيعة والمكان، كوشيجة تميز الإسكندري وتعضد من وجوده على خارطة الفن والإبداع، ومما يؤكد ذلك ما يورده الباحث من مقولة لماكس دبانة في مقدمته لمعرض مهم جدًا افتتح بأتيليه الإسكندرية عام 1955 تحت عنوان “وجوه سكندرية”، حيث يقول:

“لعل الإسكندرية منذ تأسيسها حتى أيامنا هذه هي المدينة الوحيدة في العالم التي يتضح فيها أكبر قدر للوجه الإنساني من تنوع واختلاف في الملامح، وفي هذه المدينة التي تعد مفترق طرق للأجناس جميعًا في القارات الثلاث حيث تختلط الأجناس وتمتزج ويسير بعضها بجانب البعض، فنستطيع أن نرى نماذج من كل الدرجات سواء أكانت نقية أم أصابها التغيير بمقادير متفاوتة”

هذا التشريح الطبيعي للعناصر الإنسانية المتميزة الخادمة لعملية الفن والمحرضة على طزاجته الخارجة من رحم التاريخ وتقاطعاته مع الزمن والتضاريس التي تشكل الوعي الفني، حيث الوجه هو العنوان الأبرز على مستويي الفرد والجماعة، وهو الذي ربما تمركزت حوله جل الإبداعات التشكيلية التي تؤرخ لوجود الإنسان منذ نشأته ومراحل تطوره، وهي السمات الإثنية التي تتمايز بها الفنون، وتصنع بها الفارق فيما تتميز به الحقب الزمنية من جهة والتراكمات التي تنحتها الطبيعة والسلوك الموازي لها من جهة أخرى، على أن السحر الذي تتمتع به الإسكندرية يجعلها على موعد دائم مع الفن والفنانين والإبداع بصفة عامة، حيث يتميز كل فنان بتلك الصبغة أو الثيمة الحية التي يضعها عنوانا لإبداعه المتفرد أو الذي يلتمس به طريقا للاختلاف والتمايز بما يضعه في مكانته على خارطة الإبداع، ممتزجا بالبيئة التي هو ابن بار لها:

“واستلهم محمود سعيد موضوعات شعبية من بيئة الإسكندرية، وعالجها بضوء إسكندري ساطع، أكسبها ذلك اللون النحاسي الساحر لسكان السواحل، وحقق في لوحاته لبنات بحري ذلك المذاق الفريد النادر للروح المصرية التي تألقت بعد ذلك في أعمال الجيل الثاني والثالث. وإذا كان ناجي قد بدأ تأثيريًا مواكبًا لهذه المدرسة الباريسية التي أدخلت الفنون إلى رحابة الفن الحديث، فإنه اقترب إلى الحوشيين في أواخر إبداعاته وخاصة مرحلة الحبشة التي يمكن أن نقارنها بمرحلة جوجان، بعكس محمود سعيد الذي بدأ من اتجاهات مختلفة في بحث مضن ليرسو على شاطئ إبداعي خاص به”

بتلك المقارنة الفنية التي تبرز ما يذهب إليه الباحث في تجسيد رؤيته نحو الفن ونحو تأصيله، ما يعكس التأثير السحري لتك المدينة التي تسكب في وعي أبنائها وفنانيها المقيمين بها هذا الألق وتلك الروح المتوثبة المتمردة على النمطي والسائد لتكوين ذائقة تخصها وترتبط بالمكان روحًا وجسدًا وتفاصيل قادرة على صبغ الإبداع بصبغة مغايرة لها من الخصوصية ما تمنحه هذه الشخصية لذاتها، وما تمنحه لها الطبيعة والبيئة المتجانسة التي تنصب فيها بيئات متعددة من الناحية المناخية والمزاجية والحضارية بالميل عن الاستقلال عن المدارس المعروفة، والميل إلى التجديد والبحث عن علاقات جديدة دالة على الاشتباك مع تلك الطاقة المتفجرة للبحر وللشواطئ المائزة بقدرتها على تفجير الخيال.

مع التأكيد على ملاحظة الباحث إلى أن قلة من فناني الإسكندرية اهتموا بتصوير ورسم الشواطئ، فيستشهد بما قاله الفنان الناقد “حسين بيكار” عن معرض فناني الإسكندرية الذي أقيم بالقاهرة خلال السبعينات وهم ينتمون إلى ثلاثة أجيال: جيل سيف وانلي وكامل مصطفى، جيل حامد عويس، جيل الفنانين الشباب:

“وهناك ظاهرة تبدو بوضوح في أعمال فنانينا الذي تشربت أعماقهم بزرقة البحر، وأرهفت نفوسهم نسائم الشواطئ، فباستثناء الفنانين: كامل مصطفى، ومحمد حسين القباني اللذين استلهما موضوعاتهما من صميم بيئة الإسكندرية (البحر) نجد أن باقي الفنانين انطلقوا إلى ما وراء حدود الأفق اللازوردي بمتابعة موضوعات أقرب إلى وجدانهم تمس الذات أو تمس الإنسان بعالمه، أو تعالج بعض القضايا بلغة الرمز، أو تستنطق الشكل المجرد بلغة الصمت”

ما يشي بالأثر التراكمي الذي تأتي به هذه العلاقة مع البحر والمناخ الإسكندري بصورة عامة لتشكيل الوعي والذائقة المنفتحة نحو تعميق الحالة الإنسانية انطلاقًا من روح الشفافية وصفاء الذهن التي يؤسسها الوعي بالبيئة والبحر تأسيسًا عقليًا وذهنيًا ووجدانيًا جديدًا محرضًا على الانفتاح على كل الاتجاهات التجريدية والسيريالية في الفن، إلا أن حرص الدولة في ذات الوقت على الفن الواقعي الذي يتوجه إليه فكر الثورة بالأمل في إعادة بناء المجتمع المصري، قد أثر بالسلب على الإبداع الفني بشكل عام، والإسكندري بشكل خاص، ما دفع الباحث إلى أن يقول:

“وخلاصة الموضوع أن المبدعين الإسكندريين وقفوا أمام هذه المتغيرات وغيرها موقفًا رافضًا بشكل أو بآخر لروح التمرد المتمكنة فيهم، وظلت إبداعاتهم متوهجة باستثناء قلة منهم كانت منساقة لضغوط أقوى من ضغوط الانتماء الإسكندري، والذي كان غامضًا داخلهم حيث توجهت أنظارهم إلى مركزية العاصمة (القاهرة)….”

البينالي، ومتحف الفنون الجميلة

في الوقت ذاته الذي يشير فيه الكتاب إلى الدور البارز الذي قام به “حسين صبحي” الذي أشرف على بناء متحف الفنون الجميلة والمركز الثقافي بمحرم بك بشارع منشا بالإسكندرية، كما أنشأ دورات بينالي الإسكندرية الدولي بحكم عمله كمدير عام لبلدية الإسكندرية، واكتسب لقب راعي الحركة الفنية والثقافية والأدبية بالإسكندرية عن جدارة، فقد تجلت فكرة البينالي مع فكرة إنشاء متحف الفنون الجميلة وافتتاحه مؤخرا في عام 1954، انطلاقا تأسيسيا من عام 1904 حيث أهدى الألماني إدوارد فريديهام مجموعته الفنية الفريدة والمؤلفة من 210 لوحة لكبار فناني العالم إلى بلدية الإسكندرية، كما أهدى أيضا 500 جنيها ذهبيا بشرط عرض مجموعته في متحف خاص بها، ومع مرور الوقت وبعد أن استقرت تلك المقتنيات في أحد الشقق الصغيرة، حتى جاء عام 1936 ليهب البارون “دي منشا” فيللا بمحرم بك لكي تكون متحفًا لهذه اللوحات والصور وغيرها من المقتنيات والهدايا الثمينة، وكما يقول الباحث:

“وأثناء الحرب العالمية الثانية أصيبت هذه الفيللا بإصابات مباشرة فرصدت البلدية اعتمادات كبيرة لتحويلها إلى متحف كبير يليق بفنون الإسكندرية، والذي افتتحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 23 يوليو 1954 بمعرض كبير لرواد الفن الإسكندري وعلى رأسهم: محمود سعيد ومحمد ناجي وسيف وأدهم وانلي وغيرهم، ثم انتظمت فيه في العام الثاني أول دورات البينالي الذي احتفل بمرور خمسين عاما على إنشائه هو والمتحف عام 2005”.

(3)

الإسكندرية تاريخ حافل بالريادة

يعرج الباحث على ريادة الفن الإسكندري من خلال مراسم الفنانين الأجانب التي انتشرت على طول شارع النبي دانيال الأثري العريق بالإسكندرية –يحل محلها في الوقت الحالي مكتبات الكتب القديمة والمستعملة والجديدة على حد السواء– والمنطقة المحيطة به والتي تمثل في ذاك الوقت قلب الإسكندرية النابض، حيث المسارح ودور السينما والمقاهي الشهيرة وأهم المكتبات، فضلًا عن القنصليات ومكاتب الشركات الأجنبية والمحلات الأجنبية والمحلات الضخمة المتعددة الأدوار والمحطات الرئيسة لترام الرمل، وحيث كان في ذات المقام والمحيط الحي الملكي القديم أبان عظمة الإسكندرية البطلمية بتاريخها العتيد.. وكما يقول الباحث مستشهدًا بما كتبه د. صبحي الشاروني عن هذه المراسم في كتابه (80 سنة من الفن):

“كانت مراسم الفنانين بالإسكندرية تؤدي دورًا بديلًا عن مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة، وهو القيام بتدريس الفن للهواة، وهؤلاء بعضهم لم يكمل دراسته أو فشل فيها، إلا أنهم كانوا من نواة الجمهور الفني الذي يتابع الحركة الفنية، أما المراسم فلم تكن كلها لكبار الفنانين الأجانب، فقد كان بينهم فنانون من الدرجة الثانية أو الثالثة، وكانت أعمالهم لا تتعدى الصور الشخصية أو المناظر الطبيعية التي تباع لوجهاء الثغر وأعيانه وتلبي احتياجاتهم في زخرفة قصورهم”.

تلك الحقبة التي تبدو ممارسة الفن فيها انطباعية محاكية للطبيعة تختلف فيها الدواعي أو الغايات من الفن ذاته، وانبعاثها من التلقائي والفطري والمتجه نحو بساطة المتداول بعيدًا عن التعقيدات التنظيرية، والابتكارات الجديدة للفن التي يبدو أنها لم تصل حد الترسيخ لدى ذهن كل من الفنان والمتلقي على حد السواء بانتهاجها هذه الصبغة الفطرية للتعامل مع الظواهر والأشياء والمسميات، ذلك الذي يجعل البيئة/ الطبيعة هي الأقرب للتجسيد عبر مساحات اللون والشخوص المصبوغين بها، فالبحر وتصاويره هنا هو الأقرب لملامسة شغاف القلوب المتعلقة بالفن:

“لقد اختلفت الحركة الفنية عنها في القاهرة من حيث النشأة ومسار تطورها والسمات العامة لإنتاج فنانيها، ولم تكن محددة بتاريخ رسمي أو مناهج دراسية معينة ومن هنا اكتسبت الحركة الفنية بالإسكندرية انطلاقة حرة جعلت إبداع فنانيها سواء كان من الأجانب أو من المصريين الذين تتلمذوا عليهم إبداعًا متميزًا مرتبطًا ارتباطًا قويًا بتيارات وأحداث الحركة الفنية الأوروبية التي اتسمت طوال النصف الأول من القرن العشرين بتجاربها ومدارسها الحديثة”.

كما يشير الباحث إلى العديد من الجمعيات والمدارس الفنية التي بدأت مع وصول الأجانب للإسكندرية ومعهم قطاع كبير من الحرفيين والمهندسين والفنانين، وخاصة في مجال الإنشاءات المعمارية، وهي الطائفة التي بنت ما سمي بـ “إسكندرية الأجانب” خلال المائة عام من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، وهي التي يحددها الباحث في معرض بحثه فيما بين المنشية ومحطة الرمل إلى الحي اللاتيني الذي يضم المتحف اليوناني الروماني في شارع فؤاد حاليا، ومن هذه الجمعيات يبرز الباحث كلا من:

مدرسة دون بوسكو التي أنشأتها الجالية الإيطالية، كأول معهد لتعليم الفن بالإسكندرية بجوار مراسم الفنانين الأجانب التي أشرنا إليها، فقد اهتمت المدرسة بتخريج فنيين في تشكيل الزخارف البارزة، والعقود المزخرفة في المباني السكنية وصب ونحت الرخام، وإرسال المتفوقين لبعثات إلى إيطاليا لتعلم الفن، وبرز من أساتذتهم المصور بيرونتي الذي اهتم برسم النباتات والزخارف النباتية بالفحم، وقد تم تمصير المدرسة بعد إجلاء الأجانب واستمرت تمارس دورها.

جمعية هواة الفنون الجميلة، وقد تولى الفنان الكبير محمود سعيد رئاسة هذه الجمعية مع شقيقه حسين سعيد ومحمد ناجي والمهندس جان نيقولاييدس وزنانيري وغيرهم وتطوع بالتدريس فيها بعض الأجانب من أمثال: جون بلنت، وجوفري ثورن، وسكاليت، وألقى فيها الأثري العظيم سليم حسن محاضرة ضمن أنشطتها.

أتيليه الإسكندرية (جمعية الفنانين والكتاب) وأسسه محمد ناجي عام 1934 مع جوزيب سباستي ومجموعة من الأصدقاء الأجانب (ثورن– ريتشارد)، واستقر الأتيليه في بداية الستينيات بشارع فيكتور باسيلي بالأزاريطة بفيللا بناها التاجر الكبير تمفاكو عام 1892، وتم افتتاح مرسم لهواة الفت ونظمت العديد من المعارض الجماعية والخاصة والصالون السنوي للأتيليه، فضلا عن استضافة معارض عالمية للمرة الأولى في تاريخ العروض الفنية في مصر، وهو ما يعكس الدور المهم الذي يلعبه الأتيليه في الحياة الفنية والثقافية بالثغر حتى الآن، فهو يمارس دوره باحتضان العديد من مراسم الفنانين المخضرمين والشباب، والعديد من الفعاليات الثقافية من ندوات وعرض أفلام سينمائية وتسجيلية ومناقشة العديد من القضايا الفكرية والثقافية واستضافة العديد من الشخصيات الثقافية والفنية المرموقة

كلية الفنون الجميلة، وقام بإنشائها المثال أحمد عثمان، واستقبلت طلاب الفن اعتبارا من عام 1957 كمكسب من المكاسب التي أتت على أعقاب ثورة يوليو 1952 التي غيرت خارطة المجتمع المصري وقفزت بالتعليم قفزة هائلة، فكان إنشاء الكلية امتدادا متأخرا لمدرسة الفنون الجميلة التي أنشأها الأمير يوسف كما في درب الجماميز بالقاهرة عام 1908، وكذلك للجامعة المصرية الأهلية كنتيجة لتيار الاستنارة والوعي الذي بدأ مع الثورة الأم/ ثورة 1919 التي غرست روح الاستقلال في المصريين، وقد اعتمدت الكلية في بدايتها على فناني المدينة الفطريين من أمثال الأخوين وانلي، ولكن بعد ذلك استعانت الكلية بمدرسي الفن من القاهرة من أمثال: حامد ندا والسجيني وحامد عويس وزينب السجيني وغيرهم.


هل تشكل الحركة التشكيلية بالإسكندرية، مدرسة فنية قائمة بذاتها؟

ربما تساءل الباحث تساؤلا مشروعا، قد يملك هو ذاته مفاتيح إجابته الدالة على انغماس الإسكندرية في تلك الحركة الفنية التي تمخضت عنها مراحل تأسيسية ومراحل متعاقبة من الأجيال الفنية التي ربما تداخلت مع بعضها في تعاقبها لتعطي تلك الوشيجة المترابطة التي تعطي للفن الإسكندري مذاقا مغايرا، برغم ما اختلط فيه من عناصر كثيرة وإثنيات متعددة جعلت منه مزيجا صعب التكرار لتوارثه وتشربه المزيد من الثقافات والرؤى المغايرة، لتكون الإجابة من ذات السؤال: “نعم كانت ومازالت الإسكندرية مدرسة متميزة في الفنون الجميلة وأشكالها الإبداعية المعاصرة ولفنانيها ولإبداعاتهم سمات خاصة وليدة التاريخ الحضاري للمدينة والموقع الجغرافي المتميز ومناخها المتوسطي المتألق دائما والروح العالية لسكانها”.

ذلك كله في ظل المتغيرات الجديدة التي يرصدها البحث فيما طرأ على المناخ الثقافي والفني من متاحف متخصصة وقاعات عرض للفنون الجميلة والأنشطة الثقافية والفنية، وتجديد وترميم متحف محمود سعيد والمجموعة الملحقة لمتحف الفن الحديث ومتحف سيف وأدهم وانلي، وقصر ثقافة الحرية الذي تحول إلى مركز للإبداع الفني، والمتحف القومي للآثار بشارع فؤاد (طريق الحرية) وتجديد المتحف اليوناني الروماني، وما إلى ذلك من التحولات والتجديدات التي تعيد للإسكندرية رونقها على مستوى حوض المتوسط والعالم، وبما تزخر به هذه الملامح الشاهدة على التاريخ والحاضر معا من أسماء خلدت في تاريخ الفن بأسره، أفرد لها الكتاب ثبتا ببليوجرافيا وافيا يجمع فيها كل الأسماء من كل الأجيال في بانوراما شاهدة على تراث فني وثقافي رائع قد لا نستطيع تعديد كل الأسماء،ـ ولكن تبقى الرموز الدالة والمنارات الشامخة التي تمثل كل منها علامة من علامات الفن مثل: محمود سعيد (1897 – 1964) ومحمد ناجي (1888- 1956) وعفت ناجي (1905-1994)، والأخوين أدهم وانلي (1908-1959) وسيف وانلي(1906- 1979)، ومحمود موسى (1912-2002)، وحامد عويس (1919-2011) ومرجريت نخلة (راهبة الفن)، وغيرهم من عشرات الأسماء من الفنانين الأجانب الذين عاشوا وأبدعوا وساهموا في الحركة الفنية والتشكيلية في الثغر، وصولًا إلى ثبت لوحات فنية لكل الأجيال وحتى الجيل الحالي.

ليشكل هذا الكتاب/ السِفر التاريخي المهم نقطة ضوء ساطعة، وبداية تأسيسية للمزيد من الدراسات التي تسبر غور الحياة الفنية والتشكيلية، بل والثقافية بصورة عامة، للإسكندرية بمناخها الأسطوري وحضارتها المتشربة من كل الحضارات، والتي تعمل كقطعة الموزاييك التي تتقابل فيها الألوان والأشكال والزوايا كي تصنع هذا العبق الآسر الذي لا يختلف عليه، وهذا الإبهار المتمسك بسحر البحر المتوسط وتلويحة شمسه الساطعة التي تنبسط على كل أطرافه وجوانبه كملتقى لحضارات الشرق والغرب، والشمال والجنوب في سيمفونية محرضة على الإبداع، وليس أدل من التقاء الحضارتين الإغريقية والرومانية على أرض الإسكندرية منجبة العظماء من الفنانين والكتاب والمبدعين الذين أثروا وما زالوا يثرون الحياة الثقافية المتوسطية والعربية والإفريقية على حد السواء، فإلى الإسكندرية الحبيبة يتوجه هذا الكتاب كما قدمه صاحبه بهذا الإهداء الحميم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المؤلف في سطور

عصمت عبد الحليم إبراهيم (داوستاشي).. مدير متحف الفنون الجميلة (سابقا) – عضو مجلس إدارة أتيليه الإسكندرية.. بكالوريوس كلية الفنون الجميلة قسم نحت جامعة الإسكندرية 1967- عضو نقابة الفنانين التشكيليين – عضو الجمعية المصرية لنقاد الفن التشكيلي – عضو الجمعية المصرية للتصوير الضوئي – عضو جماعة الفنون والآداب الاجتماعية بالإسكندرية – عضو الجمعية المصرية لأصدقاء مكتبة الإسكندرية.. أصدر عدداً من الكتب في القصة القصيرة والسيناريو والشعر والدراسات الفنية والنقدية والتوثيقية: (كلاميات 1966- الأشياء 1987 – الصمت 1982 – أشكال هندسية 1987- عالم داوستاشي 1992 – بينالي الإسكندرية 1994 – احتفالية الروح (سعيد العدوي) 1996 – محمود سعيد 1997- عفت ناجي (قوة السحر) 1995 – المجلد الكبير الوثائقي عن محمود سعيد 1999 – حلاوة الروح 2001- منمنمات 2002

أدب العدد الأخير العدد الثامن والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

محمد عطية محمود