الكائنات البرمائية

كتب بواسطة مريم العدوي

في محاولة فاشلة أقرر أن أكتفي بمراقبةِ هذا العالم الزئبقي من نافذتي ، عوضاً عن قذفِ إنساني البسيط في لجةِ مشاهده المتشابكة ، يراودني شعور بأن محاولتي هذه كذلك ستفشل ، ولن أصل إلى خلاصة القول في كنه هذا العالم وكينونة إنسانه …

السير في هذه الحياة بخطى متخبطة وعشواء يبدو فعلاً جديراً بالغباء ، ولكن الغباء بعينه يكمنُ في محاولةِ إيجاد طريق محايد بين كل هذه الدروب والمسارات وصبغ صورة الأمر بالبساطة بحسن ظن غير مبرر …

تُخبرني عيون أمي دائماً: بأن الحياة أبسط من أن نبحث لها عن قوانين وأصعب بكثير من أن نطلق العنان للافتات المعنونة على دروبها مُسبقاً ؛ لتقود خطانا !

لكنني هذه المرة أعرف جيداً بأن الحل واحداً … واحدٌ فقط !

ولن أتمكن منه ما حييت !

كُن كائناً برمائياً ( كالسواد الأعظم ) وتكيف مع كل مواسم الحياة ، كُن دُباً قطبياً في شتاءِ الحياة القارص، كُنْ جملاً في صحاريها الحارقة، وكُنْ زهرة على بساط ربيعها الفاتن، ولا بأس إذن من أن تمثل دور ورقة الخريف ولتصافح الرياح كلما جاءت وقررت أن تغيبك في طريقِ ما !

كُن ممثلاً بارعاً ، ولا تنسى حصتُك من الأصباغ ؛ لتُأثث بها وجهك ؛ علك تبدو في كل مرة انعكاساً لما يريد الآخر ؛ فترضي ذائقته وتكسب مرادك .

كُن جنديا في صف السياسي الأقوى ، كن أصولياً في صفوف من يَدّعون أنهم رجال دين ، كن علمانياً مع من يشتهي الإلحاد ، وكن أحمقاً في نوادي من يدعون الفطنة ؛ ليغريهم استغباؤك فيألفوك ، كن ثائراً مع من يوسمون أنفسهم بالمضطهدين ، وناقداً فذاً مع من يدّعون الفهم لكل هذه المعمعة !

وأما إنسانك ، ذلك الكامن بداخلك فأوثق عليه الرباط ، وأن استطعت كتم أنفاسه للأبد فذلك أسلم لك في كل الأحوال .

لطالما عانينا من عدمِ مقدرتنا على التكيف مع الآخر وأن نجد صديقاً صدوقاً يفهمنا وأن نكونَ صداقات طويلة الأمد ، وأن نعيش في هذه الحياة بمرونة وانسيابية ، دون أن يُعيقنا الاختلاف مع الآخر، وكم كان لنا نصيباً وافراً من الغيضِ ونحن نبحث عن السر الذي يحول بيننا وبين التكيف مع فصول الحياة ؟!

علمتني أمي منذُ زمن بعيد حكمتان عن الحياة ، ومن ثم تركت الحيرة تقتصُ من تفكري ما الله عالم به …

الأولى : كوني جبلاً لا يأبه بالرياح ، والثانية : أرخي الحبل إذا ما شدوا ، وشدي إذا ما رخو … ولكن أنسى الشيطان أمي أن تُعلمني كيف يرخى الجبل ويشد حسب متطلبات مواسم الرياح وشؤونها ؟!

كما بدى لي بعد ذلك ، فإني نسخة عن أمي ، وها أنا أعيد سيرتها ، أجدني أمي في الكثير من المواقف ، أجدني أتجرد من الكثيرِ من الكتبِ ، ومن أقوال لطالما حاولت أن أمتثل لها متمردة علني أصوغ ذاتي مستقلة عن أمي ، ولكن ما فتأت أجدني أمي وحسب ، أقف بدهشةِ بعد تلك المواقف وأحاول أن أجدني … أُصدِقُ نفسي الحديث وأعترف بأني لم أكن سوى ظل أمي / صوتها / فعلها في تلك الأحداث …

إذن أمي كذلك لم تجيد فعل الكائنات البرمائية ، ثمة لعنة متأصلة بداخلنا إذن يغذيها العناد وذلك الصنم الذي نتعبده وندعوه مبدأ !

فكيف السبيل إلى أن نصبح جبالاً وغيرنا قرر أن يتخذ سبيلاً مغايراً عن الجبال والرياح ؟!

نعم بتُ أمقت المبادئ التي تتعِبنا ، المبادئ التي نُوفي لها والحياة خؤون بطبعها ، وسأعترف … نعم حاولت ذات يوم أن أكون كائناً برمائياً ؟!

فحال إنساني بيني وبين ذلك … وربما جينات مندسة قطعت عليّ السبيل لذلك !

فالكائنات البرمائية تجيد الحياة ، تجيد المراوغة ، تصادق رياح الشمال إذا ما هبت وترشي رياح الجنوب إذا ما جاءت ، بينما الشرذمة (الغبية) اللابرمائية تنسف ما تبقى من وجع / خراب ! في محاولة منها لتعديل مسار الرياح ؟!

البرمائيون يُعَرِفون الأشياء كما هي في الواقع ، ولا يُأطرون الحكايات بسماوية زائفة ، لا يؤمنون بالأحصنة المجنحة ولا الأساطير الحالمة ؛ لذا لا يصرفون وقتاً في رسم عالم آخر بل يطوعون الحياة ؛ لتكون مطيتهم رغماً عنها وكيفما رغبوا !

البرمائيون لا يرون تفاصيل الصورة ؛ لذا لا يتقززون من أكل ما يتراقص عليه الدود ، بينما تبقى بطون الآخرين خاوية ، لأن الدود نبش كل الطعام !  البرمائيون لا يستهويهم نبش التأريخ ولا استقراء المستقبل ؛ لذا لم يتعرفوا بعد على الصداع !

البرمائيون لا يستلذون البكاء على الأطلال ، وقطعوا منذُ زمن طويل عِرق لا ينفكُ ينخر الموت فينا يدعى عروبة ! وشريان آخر يغذي رفاتنا الألم يُدعى إنسان !

يجيدون الخداع والنفاق ، يُصلون خلف الأئمة ويسبحون للمسيح خلف الرهبان ويصافحون الحاخامات بودّ!  ويحتفظون بتماثيل بوذا في مكاتبهم– متى تطلب الأمر- !

نعم … البرمائيون يستحقون الحسد أكثر مما نظن ….

إنها أجساد خلعت عنها رؤوسها واستراحت وصمت الأذان عن الضمائر فعربدت على أصوات ما تشتهي أن تسمع وحسب ، وتركت غيرها يلوك على مهلِ تعبه بينما جائزة السباق محسومة منذُ البداية لها !

قال لي أحدهم ذات مرة :

• لستُ مستعداً أن أربي أبني ليكون مثالياً ومن ثم يكبر ولا يجد مدينةً فاضلة يمارس عليها مبادئه !

وعلمتني الأيام بأن الحياة لا تليق في هذا (الزمان) سوى بالبلطجية والكائنات البرمائية ، وبأنني لن أجيد الحياة ما حييت ولا التعاطي معها ؛ كوني كائناً صحراوياً أحمقاً لا قدرة لديه لتكيف مع أمواج الحياة !

أقول لستُ متشائمة وأُكذبني ، ولكن لتعلموا بأن ما يثور في دواخلنا ويجعلنا غير قادرين على مجاراة الحرباء والتلون كيفما تكون الوضعية المطلوبة أمراً لا يمكن المساس به وسيبقى … إنه مجاور للوريد بل هو الوريد نفسه !

فقط … ابتسموا كلما رأيتم الكائنات البرمائية تمشط كل الدروب بزهو ، ابتسموا كلما رأيتموهم يزخرفون أيامهم بمرونةِ وسلاسة وكلما علا نجمهم وخبت ثرياكم ، واعلموا بأنكم خلقتم لتُبقوا على ما تبقى من فطرة الإنسان … ذلك الكائن الجميل اللابرمائي .

 

 

 

أدب التاسع والعشرون

عن الكاتب

مريم العدوي

كاتبة عمانية