اللغة الإنجليزية وعصر العولمة – الجزء الأول

بناء على ما سبق يمكن استخلاص حقيقة واحدة وهي أن السياسة اللغوية الداخلية الإنجليزية مهما أبدت من انفتاح ومرونة مع اللهجات واللغات المحلية الأخرى، فإن ذلك لن يشكل أي تهديد لها، ومع كل هذا الحكومات البريطانية تؤكد دائما على أن “الاحتياط واجب”أمام الإحساس بأي تهديد، وهو نفس الإجراء المنتهج بالولايات المتحدة كما سنرى ..

english

تعتبر التجربة الإنجليزية في تسيير السياسة اللغوية الداخلية من التجارب الجديرة بالمعرفة والاطلاع، نظرا  لزخم هذه التجربة وكذا مجال تطبيقها ضمن التعدد الإثني والقومي لمناطق الحكم التي تنضوي تحت ما يسمى ببريطانيا العظمى وما تحتويه من اختلاف لغوي  يميز هذه المناطق .

بداية نشير إلى أن نسبة المتحدثين باللغة الإنجليزية في بريطانيا العظمى تصل إلى 94 في المائة على اعتبار أن مناطق بلاد الغال، واسكتلندا، وإيرلندا الشمالية، وجزر الأنغلونورماندي، وجيرزي، وغرينزي يتحدث سكانها إلى جانب الإنجليزية لغتهم المحلية . والحقيقة أن بريطانيا العظمى لا تملك دستورا بمعنى الكلمة وبالتالي فاللغة الإنجليزية معترف بها رسميا من باب تحصيل الحاصل، لكن رغم ذلك فإننا نحصي صدور منذ أكثر من عشر سنوات مجموعة من القوانين الخاصة باللغة فقط (عددها في المجموع تسعة )على سبيل المثال نجد في قانون الجنسية البريطانية (الملحق رقم 01) لعام 1981 أنه يجب على كل شخص يطلب الجنسية البريطانية أن يظهر معرفة كافية باللغة الإنجليزية ..من جهة أخرى نجد أن البرلمان البريطاني لا يستعمل سوى الإنجليزية لغة واحدة ووحيدة ..وبالنسبة لقطاع العدالة والشؤون الحكومية يحدث نفس الشيء وإن كان يسمح باستعمال اللغة الغالية في الإدارة المحلية لبلاد الغال فحسب ،وأمام هذا التصلب إن جاز التعبير وكثرة المطالب بشأن حق استعمال اللغات غير الإنجليزية في المناطق  الناطقة بها ، فقد حدث نوع من الانفتاح في هذا المجال عام 1998 حيث استحدث مكتب للترجمة بإدارة الحكومة يصدر مطويات تتضمن جميع المعلومات الضرورية بلغات أخرى، ونفس الشيء حدث على مستوى الوزارات الإستراتيجية )التعليم،الصحة ،..الخ)

وإذا كانت الانجليزية لا تحتاج في واقع الحال إلى قوانين تحميها لكونها أثبتت نجاعتها وقوتها في الميدان غير أن هذا لا يمنع الإنجليز من  وجوب تجنب السقوط في التهاون السلبي، وعليه فان التعليم بالإنجليزية يعتبر إجباريا في كل الأطوار، إنما يسمح بالتدريس باللغات الأخرى أيضا بمناطقها الأصلية وإن كان بجنب الإنجليزية وبمرونة محسوبة وإلا تميعت الأمور، على اعتبار أن الإحصائيات الرسمية تكشف أن هناك 200 لغة أم موجودة بالمدارس البريطانية، وفي الإمكان أن نصادف 60 لغة منها داخل مدرسة واحدة، وعليه فإن الحكومات البريطانية المتعاقبة ترى بأن تقسيم التعليم الخاص ضمن برنامج التعليم الوطني إلى جميع هذه اللغات أمر متعذر التحقيق ،ومع ذلك أبدت هذه الحكومات مزيدا من المرونة (المحسوبة دائما) حيث تم في شهر سبتمبر 2002 إدخال ضمن برنامج التعليم الوطني لأول مرة وجوب تلقي التلاميذ دروسا حول تعدد الهويات الوطنية  الدينية والإثنية، وضرورة الاحترام والتفاهم المتبادل فيما بينها، ويمكن القول أن الحكومات البريطانية إلى غاية 1998 كانت دائما محل انتقادات لاذعة فيما يخص التقصير في إعطاء اللغات واللهجات المحلية حقها من الوجود في الحياة العملية، لكن في السنين الأخيرة وأمام تزايد مطالب وضغوطات أصحاب الحقوق في هذا الشأن سيما سكان بلاد الغال واسكتلندا وايرلندا الشمالية، فقد تغيرت السياسات الداخلية البريطانية تجاوبا مع المتغيرات الدولية، حيث منحت بعض الاستقلال للمناطق المذكورة أعلاه وذلك في أعقاب التوقيع على الميثاق الأوروبي للغات الجهوية والأقليات بتاريخ 2 مارس 2000 وصادقت عليه في 27 مارس 2001 ودخل هذا القانون حيز التطبيق في 1 جويلية 2001 وكل هذه الإجراءات القانونية في الواقع لم تحد من هيمنة اللغة الإنجليزية في عموم البلاد، بحيث ظلت اللغات الجهوية مجرد ديكور لها كون هذه اللغة تعيش بحق عصرها الذهبي وأوج تطورها، وفي هذا الصدد يؤكد اللغوي الكبير جاك لوكلارك عبر موقعه الشهير على الأنترنيت L’aménagement linguistique dans le monde أن إلقاء نظرة إلى الوراء تكشف لنا أن هذه اللغة الحديثة تجلت في أوساط القرن الخامس عشر، وانقسم مسار تطورها فيما بعد إلى ثلاث مراحل ..المرحلة الأولى تمتد من 1500 إلى 1750 ويطلق عليها early modern english والمرحلة الثانية تمتد من 1750 إلى 1800 ونهاية القرن العشرين وتدعى late modern english  في حين تدعى المرحلة الثالثة وهي الممتدة على طول القرن العشرين إلى غاية اليوم بcontemporary english ويمكن القول أن الإنجليزية أصلا بلغت مرحلة النضوج إبان القرن السادس عشر، وذلك على إثر اكتمال وضع قواعد النحو والإملاء والنطق ..ومعلوم أن الإنجليزية كغيرها من اللغات العالمية تأثرت في مسار تطورها بالعديد من اللغات، خاصة الإيطالية من عام 1500 وإلى غاية 1650م كما أخذت عن العربية عددا كبيرا من الكلمات والمصطلحات، وعن اللاتينية والإغريقية في القرنين 18 و19.. ويؤكد اللغويون الإنجليز على أن لغتهم الحديثة تأثرت بخمسين لغة مختلفة،الأمر الذي دفع ببعضهم إلى وصفها باللغة البربرية الهجينة the barbarousness of our language لاحتوائها على كلمات معقدة وصعبة hard words ..وفي حقيقة الأمر أن الإنجليزية تبدي سلاسة خارقة في هضم الكلمات الدخيلة، ومن ثمة تبنيها كما لو كانت جزءا منها ومن مفرداتها الأصلية، ومن هنا لا عجب أن تمضي الإنجليزية ضمن هذا الانفتاح على متطلبات العصر، واليوم يحصى علماء اللغة مابين 500 ألف إلى غاية مليون مصطلح جديد اخترعته هذه اللغة وهو انجاز يشبه “المعجزة “بحيث أن هذا التفوق جعل الإنجليزية تتجاوز مستوى اللغة الدولية على غرار العربية والفرنسية والصينية والروسية والاسبانية لتصبح لغة عالمية حقا ..ونتيجة لهذا الاكتساح اللغوي من طرف الانجليزية لكافة مناطق العالم (تتحدث بها 61 دولة وما يعادل 1.6 مليار نسمة )فقد نشأت من صلبها لغة جديدة تدعى  globish أو globalish وهي نحت لكلمتي global english وتستعمل هذه اللغة حاليا في الانترنيت فقط، وقاموسها يحتوي على 1500 كلمة كلها إنجليزية..

بناء على ما سبق يمكن استخلاص حقيقة واحدة وهي أن السياسة اللغوية الداخلية الإنجليزية مهما أبدت من انفتاح ومرونة مع اللهجات واللغات المحلية الأخرى، فإن ذلك لن يشكل أي تهديد لها، ومع كل هذا الحكومات البريطانية تؤكد دائما على أن “الاحتياط واجب”أمام الإحساس بأي تهديد، وهو نفس الإجراء المنتهج بالولايات المتحدة كما سنرى ..

أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تشذ فيما يخص سياستها اللغوية الداخلية عن بقية الدول الكبرى، وان كان لذلك ما يبرره كما سنلاحظ في السطور القادمة ..فحسب إحصائيات حديثة تضم الولايات المتحدة الأمريكية 281.4 مليون نسمة 82.1 في المائة منهم يتحدث اللغة الانجليزية، فيما يتحدث 17.8 في المائة الباقية لغات أخرى، ولاسيما الإسبانية 10.7 في المائة بالإضافة إلى 160 لغة، منها 50لغة يتحدث بها أزيد من 30 ألف نسمة، وبزيادة لغات أخرى تتحدث بها مجموعة صغيرة من السكان، فان العدد الإجمالي للغات الموجودة حاليا في الولايات المتحدة يصل إلى 329 لغة حسب ما ورده مكتب الإحصاء بهذا البلد.. والحقيقة أن من بين كل اللغات النشطة بأمريكا ومنها العربية التي يتكلمها كلغة أم 0.2 في المائة من المواليد بهذا البلد القارة )9.6 مليون كلم) تشكل الإسبانية أكبر تهديد للغة الإنجليزية، بحيث أن مابين 1990 و2000 تضاعف عدد المتكلمين للغة أخرى غير الإنجليزية بنسبة 40 في المائة، وجل هؤلاء ممن يطلق عليهم اسم ” اللاتينيون”أو “التشيكانوس”والمقصود بهم الناطقون باللغة الإسبانية..

العدد السابع ثقافة وفكر

عن الكاتب

رشيد فيلالي

كاتب صحفي ومترجم من الجزائر