بصيرة لا تنطفئ

كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

 قراءة في مشروع المبادرة المدنية نور وبصيرة[1]

-1-

النص المراد قراءته هنا عبارة عن جملة أفعال ثقافية متواصلة، قامت في نظام علاقات اجتماعية، لها مفاعلات عدة، لا يمكن إغفالها، ولا إغفال دور الزمن الحاسم فيها، وللمباشرة في مثل هذه القراءة نحتاج إلى جملة نصوص مرجعية، نستعيرها هنا من كتاب الإنسان الخليجي للناقد محمد العباس:

“لقد نجحت المؤسسة، بمؤازرة من بعض النخب الثقافية المنتجة ضمن مختبراتها، في إبعاد الإنسان الخليجي عن المؤثرات، وتجريد الخطاب الثقافي من روح الصراع والتعدد والاختلاف، والاستغناء عن فكرة إعداد كوادر ثقافية أصيلة بإعداد عقول واستجلاب أخرى تملك من الاستعداد لتحريف الثقافة، واستئجار وعيها ورمزيتها للتحدث بما هو أقرب لتزوير الوعي بالنيابة عن المثقف الخليجي”.

ورغم ذلك التجريد والإبعاد لثقافة التعدد والاختلاف والصراع، كان هناك اتجاه مناقض لا يغفل العباس عن الإشارة إليه:

“كل هذا التمويه يحدث على إيقاع العولمة حيث الكرنفالات والجوائز العابرة للقارات والثقافات التي لا تلامس واقع وضرورات وشروط الانسان الخليجي، بقدر ما تسهم في إرساء قيم جديدة لتعزيز اغترابه عن ذاته وموروثه، أي فصل منتجه الإبداعي عما يجري على أرض الواقع، حيث أصبحت الثقافة في المجتمع الخليجي مسألة عارضة على هامش الاحتياجات الاجتماعية، ولم تعد مسألة تتعلق بوجوده”.

محمد العباس، الإنسان الخليجي، ص١٩، ٢٠.

يأتي كلام العباس السابق نتيجة تحليله لتاريخ الفعل الثقافي وآماله ومالاته في الخليج العربي، ومن خلاصات الكتاب الحاسمة قوله:

“كل من يفكر من المثقفين في إنتاج خطاب ثقافي مستقل يكون بشكل تلقائي عرضة للإقالة أو الاستقالة، أو يدفع دفعًا لليأس والتعفف عن ممارسة أي دور ثقافي”. ص٥٢

ومع أن العبّاس يقول أن الثقافة تبدو كمسألة عارضة على هامش الاحتياجات الاجتماعية، لكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال توقف النتاج الثقافي، المنزوع الدسم، الذي لم يتوقف انتاجه يومًا، وبيد مفاعلات السلطات نفسها في حالة احتكارية للثقافة، والسلطات المختلفة عمومًا لا تتوقف عن إنتاج وإعادة تدوير تلك الثقافة المسطحة نفسها، لكنها تعطل، بفعل السلطة، غيرها من بقية الأشكال الثقافية المختلفة، الفاكرة والناقدة، عن ذلك الإطار والنمط، وكان ذلك يجد فعل مقاومة طبيعي، أصبح اليوم يمتد لأجيال ولعقود تزيد عن النصف قرن، لأن نظام السلطة، والسلطة نفسها، ليست حالة ثابتة وأبدية ومختومة كجبل لا يتزحزح، كما قال قاسم حداد مرة: الجبال ترحل أيضًا.

-2-

إن مبادرة القراءة نور وبصيرة بمجرد اقتراحاتها القرائية التي قامت بها، منذ انطلاقتها في عام ٢٠١٠ بيد مؤسسيها الباحث والروائي سعيد الهاشمي، والكاتب والقاص ناصر صالح، وبمشاركة عدد من الشباب والشابات المتحمسات للفكرة، وما قدمته لجمهورها المتنوع، وعلى كافة الأصعدة والأشكال التي كانت تعرضها لمختلف شرائح القراء، كانت تعمل على فتح فضاء معرفي أوسع وأقرب للقراءة والمعرفة، أفق يعيد فهم ذاته، ويغدو لا في صدام مع كينونته، أو يهدر زمنه القصير، في كل الأحوال، في معارك دونكيشوتية مع عمالقة طواحين الهواء، بل في فعل معرفي متصل ثمين، يرمي إلى تحرير الذات أولًا، بما أنها اللبنة الأولى لكل مجتمع، وبتحرير تلك الذوات يمكن بالتالي تحرير المجتمع بأكمله من أسره لذاته، وأداء الدور الثقافي الحقيقي الذي يليق بالمثقف، بوصفه ممثل الحلم الإنساني المعرفي وحارسه، لا الباحث عن انتصار في معركة صغيرة، بل الباحث عن نصر حقيقي للإنسان كله، بما في ذلك حتى من يعاديه ويعرقل خطواته ويكبّل أياديه.

لقد أثبتت هذه التجربة، في ظني، أنها مبادرة ثقافية معاصرة، ليس بزمنها الذي وقعت فيه، وهو لا يكفي للمعاصرة، بل بفعلها وتصميمها وتطلعاتها، أنها كانت أكثر تجاوبًا مع نبض أمواج المدينة الحيوية، بدل نبض خيرانها الراكدة، ونهض صالون قراءتها باستضافة الضيوف الثقافيين المختلفين، سواء الزوار أو المقيمين في المدينة أو خارجها، وجمع بينهم وبين الجمهور في لقاءات مفتوحة، خارج الأطر الرسمية أو شبه الرسمية وظلالها، ويمكننا التأكد من مدى التنوع والاختلاف والتجدد والخصوبة عبر إلقاء نظرة ولو بسيطة على حصاد المبادرة.

وشكلت تجربة إقامة صالون القراءة في سجن سمائل عام ٢٠١٢م، إبّان تمضية جمع من مؤسسيها وجمهورها حكم السجن إثر قضية حقوقية للمطالبة بالحقوق، تجربة فريدة ورمزية عالية، للوضع الثقافي آنذاك، المحكوم بالإطار، والإطار شكل من أشكال السجن، لكنها عبّرت في نفس الوقت عما يمكن للقراءة والثقافة والمعرفة أن تمثله من إطلاق سراح، ومن أفق حي تقيم فيه الأرواح منذ زمن بعيد.

كما حوت المبادرة في لبها من الحيوية ما جعلها غير جامدة، متعددة الأشكال، لا تتجه إلى جمهور بعينه أو تستهدف عمرًا معينًا، وكانت قافلتها (قافلة كتابي صديقي) تجوب المناطق والولايات المختلفة وتزور الأطفال والصغار بالحكواتيين والكتب، وهي بفعلها ذلك في نظر الصغار، تأتي من خارج السياق المنغلق، والإطار المحكم الذي يستولي على التجربة الفردية منذ نعومة أظفاره، وبمجرد إقامة حدث القراءة المفتوح لصغار السن هذا في مكان ما فإنها كانت تفتح أفق الحلم الإنساني من انغلاقه، وتقاسم الصغار من إلهامها وتطلعاتها.

تبنّت هذه المبادرة كذلك، في جائزتها الثقافية، فعلًا ثقافيًا مفقودًا في تكريم المنجزات الثقافية والإبداعية والفنية المختلفة، وتلك الجائزة المعنوية كانت واسطة عقد المبادرة، وهي الجائزة التي قام بها الأستاذ والشاعر سماء عيسى، وأسسها معه الروائي والكاتب المعروف سليمان المعمري، فتبنت مبادرة القراءة الجائزة بعد أن كادت تتوقف، وبذلك أعلت من ثقافة التكريم وواجب الإشادة بالمنجز الفردي الفني، بعد أن كانت مفتقدة في مجتمعنا، ولبّت بذلك حاجة ثقافية وإبداعية ملحة، في أن يقوم المجتمع نفسه بتكريم أفراده البارزين. كل ذلك دون أن أنسى مشروعها البصري اللاحق في استعراض الكتب المتنوعة بواسطة القراء أنفسهم وعرضها على قناة المبادرة، وما كان لذلك كله أن ينجز لولا تظافر جهود أعضاءها التطوعية، وإيمانهم الصادق بهدف المبادرة وغاياتها النبيلة، وبرسالة الحوار المفتوح بين مختلف الأطياف، ذلك الحوار الذي تركز عليه المبادرة تحديدًا في أدبياتها.

لا شك أن واجب الوسط الثقافي الحيوي بدوره أن يتفاعل دومًا، وبما يدلل على درجة وعيه وإدراكه ومسؤوليته الاجتماعية، مع هذه المبادرة النوعية ومثيلاتها، وأن يحتفي بها ويشد من أزرها، وأن يتجاوب كذلك مع مصيرها بالسؤال عما تؤول إليه، ولعل هذه إحدى غايات إقامة أمسية عامة لمناقشة مآل وآمال هذه المبادرة.

-3-

لما كان نصنا المرجعي الأول، في هذه القراءة، من كتاب الانسان الخليجي يشير إلى مفاعل رئيسي يدعوه بالمؤسسة، وندعوه نحن السلطة، وكان ميشيل فوكو، بظننا، أفضل من بحث بعمق مؤخرًا في السلطة، فأظن علينا العودة إلى قراءة كلمات فوكو:

“العلاقات الإنسانية كيفما كانت وسواء تعلقت بالتواصل الشفوي الذي نفعله الآن، أو بعلاقات العشق، أو المؤسساتية أو الاقتصادية، فإن السلطة دائمًا حاضرة: أقصد بذلك العلاقة التي من خلالها يحاول الواحد توجيه سلوك الآخر. علاقات يمكن أن نجدها بمستويات مختلفة، وتحت أشكال مختلفة”.

ميشيل فوكو، الانهمام بالذات. ت محمد ازويتة، ص٥٥.

إذا حاولنا بدورنا قراءة فوكو كما نفهمه الآن، فإن السلطة بما هي حركة علاقات متغيرة، وأسلوب تفاعلي يرمي إلى التحكم والسيطرة، ونظام حكم، فإنها تستفز، بمجرد وجودها، رغبة السلطة وتستثيرها من كوامنها لدى الأفراد والمجتمع، وكأنها تجتذب كل السلطات الصغيرة، سلطة الطبيب في المستشفى، والأب والأم في البيت، وغيرها، إلى نوع أكبر، وأكثر جاذبية من السلطة على الأشياء، نوع من محاولة الأفراد والمجتمع لممارسة سلطة على السلطة نفسها، والتأثير عليها بأي شكل من الأشكال، سواء عبر: الانخراط فيها، أو العزوف عنها، أو مقاومتها.

-4-

بهذين التأسيسين نعود إلى مبادرة القراءة نور وبصيرة، لنرى تكرارًا لمآل يشرحه بما لا مزيد عليه محمد العباس في كتابه المشار إليه، تبدى في محاصرة هذه المبادرة حتى إجبارها على التوقف عن إقامة الفعاليات في الفضاء العام عام ٢٠١٤م، في مرحلة شاع بين المثقفين التندر عليها بتسميتها بمرحلة إطفاء الأنوار؛ لكننا بإدراك أعمق لماهية السلطة كما شرّحها ميشيل فوكو، أظن علينا أن ندرك اليوم بكل وضوح، بالنظر إلى تجارب قرن بأكمله بل وأكثر، أنه ما من سبيل آخر، أعني أي نوع أو شكل من القفز والحلول السحرية أو الكارثية، بمقدوره توسيع أفق السلطة الاجتماعية، من فوق ومن الأعلى، أو من القاع ومن الأسفل، أو بإمكانه تحرير الثقافة من ارتيابها وشكوكها وانكفائها وضعفها، أو من انحدارها واستنادها على قضبان شكلية، قديمة أو حديثة مستوردة، وأن السبيل المعرفي هو السبيل الحقيقي الوحيد، الذي عليه أن يعمل بعمق أكبر، وباستمرار ودأب وتواصل، على رهانه المعرفي الأول، وهو في نظري الوحيد. لهذا عاد ميشيل فوكو، بنظرنا، آخر حياته، وبعد بحوث عميقة وثمينة في أشكال المعرفة والسلطة والخطاب والجنون والجنسانية، عاد إلى الطريقة اليونانية القديمة منذ ٢٥ قرنًا، أعني طريقة السؤال السقراطي: اعرف نفسك.

وهكذا نستطيع أن نستوعب ما يرمي إليه إدوارد سعيد حين يقول: “مفيد أن نتبين مع فوكو أن المعرفة إنما تخدم السلطة في نهاية المطاف.” وهو القائل كذلك: “إن نوعية ما يقرأه المرء غالباً ما تكون بأهمية كيف يقرأ ولماذا يقرأ أصلاً”.

ولنختتم مرجعياتنا النصية هذه بكلمات ميشيل فوكو من المصدر السابق نفسه:

“إذا كانت علاقات السلطة حاضرة عبر كل الحقل الاجتماعي فذلك بسبب أن الحرية موجودة في كل مكان”.

فكل التحية لهذه المبادرة المعرفية الكريمة الشجاعة والواسعة الصدر، التي استمرت حتى وسط الحصار والتضييق والظروف المحبطة، وعطر الشكر لجمهورها الكريم.


[1] ألقيت القراءة في أمسية ثقافية بعنوان المآل والآمال أقيمت في مقهى هوم لاند [أرض الوطن] بالمعبيلة، ليلة الاثنين ١ اغسطس ٢٢م.

أدب العدد الأخير العدد الرابع والعشرين بعد المائة ثقافة وفكر

عن الكاتب

إبراهيم بن سعيد