بوب ديلان الذي خطفته الغابة السوداء

لم يتسلم ديلان جائزة نوبل للآداب، بعد إعلانه أن لديه التزامات مسبقة، وأنه لن يستطيع الحضور بنفسه. لكن، هذه كانت حجة غير منطقية، بالنظر إلى جولته الغنائية الحالية التي انتهت بحفلة فلوريدا بتاريخ 23/11/2016، ووفقا لما هو ظاهر فإن برنامجه فارغ بعد هذه الحفلة، بينما جوائز نوبل جرى توزيعها بتاريخ 10/12/2016.

 

حسناً، هناك ربما سبب بسيط، لم ينتبه إليه أحد، فلدى الرجل تجربة سيئة في السويد، ومع ملك السويد نفسه الذي يقوم عادة بتسليم جوائز نوبل. ففي عام 2000 ذهب ديلان إلى السويد لاستلام جائزة البولار الموسيقية، وهي أرفع جائزة دولية للموسيقى، والبعض يسميها “جائزة نوبل للموسيقى” ويقوم بتسليمها ايضاً ملك السويد.

ذلك الحفل كان كارثياً بمعنى الكلمة، فقد كان ديلان مسطولاً تماماً، ولم يتفوه بأي كلمة، كان يحملق بالحضور بطريقة غريبة ويهزّ رأسه، وحين انتهت كلمة التقديم عن ديلان، والتي قدّمتها الأميرة كرستينا شقيقة الملك، كان ملك السويد على المنصة إلى جوار ديلان، ولم يعره الأخير الانتباه، وحين قدّم الملك الجائزة لم يستلمها منه مباشرة، بل ظل واقفاً أمامه مثل تمثال، مما حدا بملك السويد للتلويح بالجائزة أمام عينيه. استغرق الأمر برهة من الزمن والملك يحاول أن يلفت انتباهه لأخذ الجائزة من يده، وانتبه ديلان بالنهاية وأخذها. لم يصافح الملك، أعطاه ظهره وصافح شخصا آخر على يمينه. بدا ديلان وكأنه غير مدرك بأن الواقف على يمينه ويسلمه الجائزة هو ملك السويد. كما أنه لم يتفوه بأية كلمة شكر. في الفيديو الموجود على اليوتيوب للحفل، سنرى كيف تسحّب ملك السويد عن المنصة. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فالتقارير الصحفية التي تناولت الحدث في ذلك الوقت، تكلمت عن رفضه حضور العشاء الذي أعقب الحفل، وورد أنّ ديلان تفوّه بشتائم غير لائقة، عدا أن عدم الحضور لوحده يعتبر إهانة ملكية.

كل من يعرف الرجل جيّداً يعلم أن لديه تاريخ طويل من الإدمان على المخدرات، فهو مدمن منذ الستينات، والمكان الوحيد الذي يكون فيه في أحسن أحواله، هو على الخشبة حين يمسك الغيتار ويغني، والشيء الوحيد ربما، الذي لا يمكنه نسيانه، هو كلمات أغانيه.

قبل جائزة نوبل، تلقى ديلان العديد من الجوائز والتكريمات، 12 منها حضرها بشخصة حتى العام الفائت. 3 جوائز غرامي للموسيقى، وجائزة أوسكار، ووسام الحرية من الرئيس الأمريكي أوباما، ووسام جوقة الشرف الفرنسي، وكان حضوره في أغلبها كارثي، حيث ظهر الرجل في حالة لا واعية تماماً.

رغم ذلك، ديلان، بلا شك، يتمتع بموهبة نادرة في كتابة الأغاني، التي ليست في أصلها سوى شعر جميل، وفيه من الإبداع الكثير، بالإضافة إلى تمتعه بموهبة التلحين والغناء بنفسه. بعض الأدباء والنقاد يرون أن الاكاديمية السويدية ربما كانت مخطئة باختيارها ديلان لجائزة نوبل للآداب؛ لأن كلمات الأغاني ليست أدباً، فالأدب يجب أن يكون بكلمات مفصحنة على الأقل. وعلى هذا، ربما يجب أن يكتسي الأدب بدلة ثمينة وربطة عنق فاخرة، أما كلمات الأغاني فهي لا تبدو، عند البعض، سوى كلام مبتذل يرتدي سروال جينز.

لكن، يمكن القول بثقة، إن ديلان كان بإمكانه أن يجلس إلى طاولة ما، ويعيد صياغة كلمات أغانيه، ليكتبها على شكل قصائد بلغة سليمة، ثم يطبعها لدى ناشر في كتاب أنيق، ويتقمص كاملاً دور الشاعر. ربما هكذا، ستعجب كتاباته ومنجزه الأدباء والشعراء والمثقفين. لكنه للأسف لم يفعل، فقد فضّل ما يجيده “كمهنة”؛ الشيء الذي يشعره بقيمة كلماته التي يكتبها، حين تكون ملحّنة ومغنّاة بصوته، ويستطيع أن يوصلها إلى الناس بنفسه.

في عام 1964، كتب ديلان وغنّى “مطر قاسٍ سوف يهطل” (A Hard Rain’s A-Gonna Fall)، كان أحد المقاطع يقول:

سوف أعود إلى الخارج حيث المطر بدأ يهطل

سوف أمشي إلى أعمق أعماق الغابة السوداء

حيث الناس هناك أكثر وأيديهم كلها خاوية

حيث قطرات السّم تسقط وتغمر مياههم

ثم، سأقف في المحيط حتى أبدأ بالغرق

لكني، سأعرف أغنيتي جيداً قبل أن أبدأ بالغناء

نعم، على ما يبدو خطفته الغابة السوداء، وجرّعته قطرات سمّها، وكأنه كان يعرف بأنه سيقف بالنهاية في المحيط حيث سيبدأ بالغرق. لكنه كان كما قال تماماً: يعرف أغنيته جيداً قبل أن يبدأ بالغناء.

أدناه، ترجمتي الخاصة لأغنية “مطر قاسٍ سوف يهطل” من عام 1964، وهي بنظري قصيدة من شاعرعميق، أخفى نفسه جيداً في ثوب مغنٍ جوّال.

 

مطرٌ قاسٍ سوف يهطل

أوه، أين كنت يا بنّي، يا أزرق العينيْن؟

أوه، أين كنت يا حبيبي الصغير؟

لقد تعثرتُ بجوار اثني عشر جبلاً ضبابياً

وسرتُ، وزحفتُ على طرق ستة سريعة ملتوية

لقد خطوتُ إلى وسط الغابات الحزينة السبعة

كنت خارجاً على مقربة من اثني عشرة محيطاً ميتاً

كنت إلى مدى عشرة آلاف ميل داخل فم مقبرة

وإنه قاسٍ، إنه قاسٍ

مطرٌ قاسٍ سوف يهطل.

 

أوه، وماذا رأيت يا بنيّ، يا أزرق العينين؟

ماذا رأيت، يا حبيبي الصغير؟

رأيتُ  مولوداً حديثاً كل من حوله ذئاب برية

رأيتُ  طريقاً سريعة من الألماس ولا أحد يمشي عليها

رأيتُ  غصناً أسوداً ودما ما زال ينقط من عليه

رأيتُ  غرفة مليئة بالرجال مع مطارقهم التي تنزف

رأيتُ  سلماً أبيضاً كان مغطى كاملاً بالماء

رأيتُ  عشرة آلاف يتحدثون وألسنتهم مقطوعة

رأيتُ  بنادق وسيوف حادة في أيدي أطفال صغار

وإنه قاسٍ، إنه قاسٍ

مطرٌ قاس  سوف يهطل

 

وماذا سمعت، يا بني، يا أزرق العينين؟

ماذا سمعت، يا حبيبي الصغير؟

سمعتُ صوت الرعد وكان يدوّي بالتحذير

سمعتُ هدير موجة يمكنها أن تغرق العالم كله

سمعتُ مائة من قارعي الطبول وأيديهم تشتعل

سمعتُ عشرة آلاف يهمسون ولا أحد ينصت

سمعتُ رجلاً واحداً كان جائعاً وسمعت كثيرين يضحكون

سمعتُ أغنية الشاعر ذلك الذي توفي في الحضيض

سمعتُ صوت المهرج  ذاك الذي بكى في الزقاق الجانبي

وإنه قاسٍ، إنه قاسٍ

مطرٌ قاسٍ سوف يهطل

 

أوه، ومن قابلت يا بنّي، يا أزرق العينين؟

مَن قابلت يا حبيبي الصغير؟

قابلتُ طفلاً صغيراً بجانب مهر مقتول

التقيتُ رجلاً أبيضَ يماشي كلباً أسوداً،

التقيتُ امرأة شابة كان جسمها يشتعل

التقيتُ فتاة صغيرة وأعطتني قوس قزح

التقيتُ رجلاً كان مجروحاً من الحب

والتقيتُ رجلا آخر كان مجروحاً من الكراهية

وإنه قاسٍ، إنه قاسٍ

مطرٌ قاسٍ سوف يهطل.

 

وماذا ستفعل الآن يا بنّي، يا أزرق العينين؟

ماذا ستفعل الآن يا حبيبي الصغير؟

سوف أعود إلى الخارج حيث المطر بدأ يهطل

سوف أمشي إلى أعمق أعماق الغابة السوداء

حيث الناس هناك أكثر وأيديهم كلها خاوية

حيث قطرات السّم تسقط وتغمر مياههم

حيث البيت في الوادي يساوي سجنا قذراً ورطباً

حيث وجوه الجلادين دائما مخبأة بإحكام

حيث الجوع عاطل والأرواح منسية

حيث الأسود هو اللون، واللاشيء هو الرقم

وأنا سأرويها وأفكر بها وأقولها وأتنفسها

وسأعكس شعاعها عن الجبال، لتراها كل الأرواح

ثم، سأقف في المحيط حتى أبدأ في الغرق

لكني، سأعرف أغنيتي جيداً قبل أن أبدأ بالغناء

وإنه قاسٍ، إنه قاسٍ

مطرٌ قاسٍ سوف يهطل

التاسع والسبعون ثقافة وفكر

عن الكاتب

رأفت خليل عبدالله