تأملات علمية في الفن الإسلامي

زخرفة اسلامية او الجرث في قبة ضريح
نافذة بالزخرفة الاسلامية

نافذة بالزخرفة الاسلامية

عبر مؤرخ الفن دالو جونز في كتاب Architecture of the Islamic World، عمارة العالم الإسلامي، عبر عن الزخرفة الإسلامية بقوله :

” يستخدم الفن الإسلامي الأشكال المركبة من تصاميم هندسية. و تخلق هذه التصاميم المعقدة الانطباع بتكرار لا نهاية له يعتقد البعض انه يرمز إلى الحالة المطلقة لله: لانهائية بدون زمان أو مكان”.

تحكم قوانين رياضية التكرار الذي لا نهاية له ، أو بعبارة أخرى، ملء السطح بأشكال لا تتداخل و لا تترك فراغات. و رياضيا هناك سبع عشرة مجموعة ينطبق عليها ذا الوصف، الانسجام التلقائي، جميعها قد اكتشفت في زخرفة قصر الحمراء بغرناطة، اسبانيا حاليا( انظر الصورة). و يميل النقاد و مؤرخو الفن إلى القول بأنها أثرت في الرسام الهولندي أ.سي. إيشر Escher الذي زار المكان عام 1922 و أمضى عدة أيام يدرس النقوش و ينقلها على الورق. و أشهر لوحاته في هذا المجال هي اللوحات المسماة ” تقسيم السطح”. و هي لوحات استمر في إنتاجها طوال 24 عاما.

و يعتقد مؤرخو الفن الغربيين أن النزعة إلى استخدام التجريد في الفن الإسلامي أصلها النهي الشرعي عن تصوير ذات الروح خاصة في المساجد و المباني الدينية و المساكن. بل يذهبون إلى القول أن هذا النهي هو الذي أدى إلى بلوغ فن الزخرفة التجريدية عند المسلمين ذروته.

ما يقوله هذا الفن بالنسبة للمتذوقين الغربيين هو الثابت مطلق لا يمكن تصوره و بالتالي لا يمكن تصويره. و لكن يمكن التعبير عنه تعبيرا مجردا غنيا بالجمال بدون نهاية.

لذا يعتقد المهندس المعماري جاري مارتن Garry Martin أن العمارة الحديثة في العالم العربي بما في ذلك العمارة في الخليج عمارة تغريبيه إلى حد أنها تؤثر سلبا في إنسان المدينة ، أي تشعره بالاغتراب. و يرى في مقال مشهور أنها لا تمت بصلة إلى حقيقة العمارة الإسلامية التي يصفها بقوله (ترجمة هذا الكاتب): ” عندما تفحص بنيان العمارة الإسلامية تنكشف لك علاقات هندسية معقدة و مراتب تسلسلية بين الشكل و الزخرفة و غزارة في المعاني الرمزية”. و لعل من أسباب جاذبية الزخرفة الإسلامية هي اعتمادها على الخط المستقيم. فقد اكتشف علماء الأعصاب خلايا في الدماغ متخصصة في إدراك الخطوط المستقيمة فقط يعتقدون الآن أنها أساس إدراك جميع الأشكال. على سبيل المثال، استخدم الرسامون المسلمون قاعدة بسيطة هي المربعات المتداخلة، خطوط مستقيمة، لإنتاج بتكرار لا نهاية له النجمتين الخماسية و الثمانية( انظر الصورة).

نموذج للتكرار اللانهائي في الفن الاسلامي

بيد أن أعظم اكتشاف عن الزخرفة الإسلامية هو الاكتشاف الذي أعلنت عنه أوائل عام 2007 مجلة Science ، العلم، ثاني أوسع مجلتين علميتين انتشار في العالم. و قد كتبت عنه أي هذا الاكتشاف حينها لبرنامج علمي كنت أعده لإذاعة سلطنة عمان. فقد اكتشف عالم الفيزياء بيتر لو Peter lu ، من جامعة هارفارد، أن أعمال الفن الإسلامي التي تعود  إلى القرن الخامس عشر الميلادي تكشف عن معادلات بنروس الهندسية التي لم تكتشف سوى عام 1974.

تتألف تصاميم بنروس ، نسبة إلى عالم الرياضيات البريطاني روجر بنروس التي اكتشفها عام 1974، تتألف من شكلين بسيطين، أدناه، سمى احدهما الطائرة الورقية Kite و الآخر رأس النبل Dart ، يغطيان، بتناسق خماسي، السطح كاملا ( أي بدون ترك فراغات) تغطية غير دورية ، رغم أنها، في النظام الممتد، تبدو أنها دورية.

الطائرة الورقية ورأس النبل من تصاميم بنروس

الطائرة الورقية ورأس النبل من تصاميم بنروس

فتصاميم بنروس ذات تناسق دائري خماسي أي مثل تناسق النجمة الخماسية. فلوا أدرت التصميم 72 درجة يبقى الشكل كهيئته قبل الاستدارة. و القول بأنه اكتشاف لأنه لم يتمكن احد من استخدم الأشكال ذات التناسق الخماسي لملء السطح بدون ترك فراغات. لذلك ذهب علماء الرياضيات إلى القول انه لا يمكن لأي شكل هندسي ذو نظام ممتد أن يظهر في الوقت نفسه تناسقا خماسيا بدون ترك فراغات. غير أن بنروس عام 1974 دحض هذا باكتشاف الشكلين عن طريق سلسلة من المعادلات الرياضية. ثم اكتشف عالمان رياضيان آخران بعد ذلك تناسقا مشابها. ما اكتشفه بيتر لو هو أن زخرفة المسجد الأخضر في تركيا و زخرفة ضريح داربي أمام في أصفهان (إيران) كلاهما تكشفان عن هندسة بنروس( انظر الصور)!

هندسة بنروس في المسجد الاخضر بتركيا

هندسة بنروس في المسجد الاخضر بتركيا

هندسة بنروس في ضريح داربي امام اصفهان

هندسة بنروس في ضريح داربي امام اصفهان

أي أن الرسامين المسلمين اكتشفوا هذه الهندسة المعقدة قبل العصر الحديث بثمانمائة عام. بل انه اكتشف مخطوطة في متحف قصر طب قابي في اسطنبول مليئة بأشكال بنروس يبدو أنها استخدمت لخط الشكل على الجدار قبل نقشه. و هذا يفسر برأيه خلو الزخرفة الإسلامية من أي خطأ رغم امتداد العمل، النظام بعيد المدى. و لقد حقق الفنانون المسلمون هذا الفتح باستخدام آلتين بسيطتين فقط: المسطرة و الفرجار. و لتقدير هذه الانجازات الفنية الجميلة اصدر متحف متروبولتن نيويورك للفن مرشدا لأساتذة الفن و الرياضيات لتعليم أساسيات الزخرفة الإسلامية للطلاب دون المرحلة الجامعية باستخدام المسطرة و الفرجار. و يقول المتحف انه يمكن استخدام المرشد لخلق دروس مثيرة في الفن و الثقافة و الرياضيات و الهندسة فالزخرفة الإسلامية متعلقة بهذا كله.

بقيت ملاحظتان قبل ختم هذه المقالة. الأولى عن النزعة في الفن الإسلامي لاستخدام اللون الأزرق و الخطوط الزرقاء، و الثانية عن حقيقة خفية في هذا الفن. أولا اللون الأزرق لون روحي. فقد كشفت الأبحاث العلمية انه يعين على الاسترخاء و يبعث على السكينة. و يفسر هذا جزيئا سكوننا إلى زرقة البحر و السماء. بل حالة السكون التي نحس بها في الزرقة الخافتة جدا لليلة الصافية بدون نور القمر أو أضواء اصطناعية. في المقابل تسبب ألوان النار، الأحمر و البرتقالي و الأصفر، العكس تماما: الإثارة. و من هنا يمكن فهم الحكمة وراء النهي الشرعي عن استعمال اللونين الأحمر و الأصفر داخل المساجد.

ثانيا تخفي تصاميم بنروس وكذلك الزخرفة الإسلامية ما يسميه علماء الرياضيات “النسبة الذهبية” أو العدد Phi و هي نسبة شائعة في الكون و الكائنات. و تصير العلاقة بين كميتين نسبة ذهبية إذا كانت النسبة بين مجموع جميع الكميات و مجموع الكمية الأكبر النسبة نفسها بين مجموع الكمية الأكبر و مجموع الكمية الأصغر. و هي تساوي 1.618 تقريبا. و قد اكتشفت هذه النسبة أو العلاقة في شكل المجرات و ترتيب النظام الشمسي و تركيب الحامض النووي الوراثي و مقاسات الوجه البشري و أجسام الحيتان و الأصداف الحلزونية و فصوص فاكهة الأناناس و نظام عروق أوراق الشجر و ترتيب الفروع في جذع الشجرة على سبيل المثال لا الحصر. و هي عدد غير عقلاني لا نهاية له. فقد حسبت إلى مليون خانة بدون الوصول إلى قيمة نهائية!

أليس من المدهش أن الفن الإسلامي الذي يراه النقاد الغربيون انه يعبر عن الحقيقة اللانهائية عن طريق زخرفة لا نهائية (دورية و غير دورية) يخفي أيضا النسبة الذهبية و هي نسبة لا نهائية؟

لذا يقول ماريو ليفيو في كتابه المثير للدهشة The Golden Ratio، النسبة الذهبية : “من الإغريق إلى رياضي عصر النهضة إلى العلماء المعاصرين و الفيزيائيين ، مثل روجر بنروس، جميعهم افنوا ساعات لا حصر لها في دراسة هذه النسبة البسيطة و خصائصها. و لم يقتصر الافتنان على هؤلاء بل شمل علماء الأحياء و الفنانين و الموسيقيين و المؤرخين و المعماريين و علماء النفس بل أهل التأمل في الخفي كذلك الذين تمعنوا فيها و تدارسوها”. بل أن زخرفة داربي إمام في أصفهان اشد دهشة. فهي تظهر التصاميم بمقياسين. فالتصاميم الكبيرة مجزأة إلى تصاميم اصغر الأمر الذي يسمح بمليء أي سطح مهما عظم بهندسة بنروس عن طريق تكرار المقياسين (انظر الصورة)!

زخرفة اسلامية او الجرث في قبة ضريح

زخرفة اسلامية او الجرث في قبة ضريح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إعلامي عماني. محاضر في فرع الجمعية العمانية للفنون التشكيلية بمحافظة ظفار. عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين.

 

 

الثامن والأربعون ثقافة وفكر

عن الكاتب

محمد عبدالله العليان

إعلامي عماني و عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA