حين تغدو الكتابة أرضا بلا هوية

كتب بواسطة أمل الإدريسي

أراد أن يكتُب .. أو أن يقول لمن بعده لماذا أنا أكتُب ، لماذا لم أختر حرفة تُخول لِي اجتراح الحزن على مهل ، لماذا كنتُ واقفا على عتبةِ النار و أنا بُعدُ المرهمين من البَرَدِ قد أكون ، لماذا أصبحتُ أتسولُ ملاقط لأجمع شتات مفرداتي الهائماتِ بين منفى لا يجمع شملا ، و لا أملا يُعوض الباقياتِ من تعبِ الحياة !!

عرفتُ شخصًا كان يحرثُ الأرض طوال سبع سنين و لا أثر لحبة خردل على تربته الناشفة ، لا أثر للفراشاتِ و لا للون الزيتون ، لا أثر للريح الملونة بأرشيفٍ من سعاداتٍ ناضحة ، لا أثر للماءِ العذبِ و لا لنحل مُبارك الطنين .
عرفتهُ و هُو قائم على وحل و طين ، و شرانق مغمورة في ملح و لا شيء إلا الموت مُحيط به ، لا بيت له سوى قصب مزهو بريحانة اصفرت من شدة الزمهرير ، غطاؤه كان حديدًا أحمرا يُحرق أضالعه المرنة على شظفِ الذكرى ، و قد كان باسمًا و هُو يذكر لِي كيف أنه فقد عشر أصابع و لم يفقد القدرة على الكتابة ، و لا على إغداق ورقة خضراء من لب شجرة التوتِ بمداد دم العرق النافر من قلبه ، قال أن الصهيل يُعالج حمرة الشمس و هي تغيبُ ، و أن له ولدين البكر عاد إليهِ أشلاء بعد حربٍ خاسرة مع النسيان ، و الأصغر كان يميلُ إلى ابنةِ الجيرانِ فثقبت قلبه إلى أربعين خندقًا و للآن يُسمع عواؤه حين يشتد الليلُ ألمًا على بواطن ما تعرت إلا لرب السماوات .
حدثني عن القلم لازال صوت هسيسه يُصوب بنادق إلى عين حمئة من الوحشة ، خرج بعد مُضي قرون عدة من المعتقل ، أراد أن يقول كلمة واحدة لكنها انتفضت منه في هزءٍ بليد ، أراد أن يُثبت أن اللسان حين يُفصل من محجره فإن القلب يُعد مرفأ الكلمات ، يُمكن أن يشدوا على الحبر حتى يجف ، و لهم أولوية تقزيم الخيال ، لكن .. حين تغدو الكوارث في جل حالاتها أشبه بقرطاس ضخم من المواساة ، فلا أحد يُمكن أن يهزم تلك البوابة الصغيرة / العملاقة من التمني .
هُو هكذا سافر إلى أقصى الجحيم حين أراد أن يُعيد سيرة الكلمة الأولى في جوف صدره ، التقى بالعَبَراتِ فلم يدمع ، اشتهى الفرح فكان نضالا خاسرًا و هو قاب الكي أدنى الشفاء ، كتب على الهواءِ ” إني حي هنا .. في مكان ما ” ، استعان باللوح المكتنز / المغبر بين تلافيفِ عينيه ، هناك كانت تقبع الشارة القُدسية للحياة ، فبقي بالهواءِ متمسكًا ، ما اختنق إلا ليكتب ما لا يُمكن محوه و لو بالظلم ، تلك الجدران الأربع و السقف و الأرضية ، جعلته يشتهِي أن يلمح ظلا لمفردة هاربة من بنادق المزارع المحترقة ، اختلق عالم الوهم ليبقى مُستقرا أمام الفواجع ، لم يتململ لكنه اهتز نوعا ما ، اختار البُشرى على أن يكون أمام القاضية ، أهلك الرجاء بشد معولهِ في بصيرته ليرى ما لا يُرى ، شعرًا كان يطفح على كفيه كما ثمار البندق الحار ، قصيدة لها معطفين أسودين و الثالث كان بلا أزرار لأنه امتهن العُري أمام الثلج الخؤون .
أراد أن يكتُب .. أو أن يقول لمن بعده لماذا أنا أكتُب ، لماذا لم أختر حرفة تُخول لِي اجتراح الحزن على مهل ، لماذا كنتُ واقفا على عتبةِ النار و أنا بُعدُ المرهمين من البَرَدِ قد أكون ، لماذا أصبحتُ أتسولُ ملاقط لأجمع شتات مفرداتي الهائماتِ بين منفى لا يجمع شملا ، و لا أملا يُعوض الباقياتِ من تعبِ الحياة !!
و كانت الكتابة هِي الدواءُ ، في عز القيدِ و التعذيبِ و الجنون ، في عز البكاءِ على الكرامةِ السليبة و الجسد المهترئ تحت أدواتٍ شيطانية من الغلو التعسفي ، استفرغ آلافًا مؤلفة من الدواوين و قد كانت لها أم كلما ازرقت الروح من حُلكةِ السجان ، أم جعلتها تعرفُ ماهية أن تكون ابنًا لأرض شامخة لا سماء لها غير السمو كبرياءً ، لهذا خرجت للنور نحيلة جدا و بعيون جاحظة ، لأنها لمحت السر المكتنز بصندوقِ الموت ، تلك الارتجافة الخفيفة على الكفين و هما يحملان معول الأيام و يُهشمان جمجمة الترابِ الصلد و يسترجيانه أن يكون بريئًا من دمع نُثر فوق الحجارة الصغيرة اللامعة .
أحنى ظهره و هُو يرف فوق سُحبِ الهذيان ، كان بإمكانه أن يكون إنسانًا جيدًا لو أنه اختار النصف الممتلئ من كأس المغامرة ، لكنه انحاز إلى الفراغ و كان هذا الأخير هُو مأواه الأخير ، كمحارب تقاعد بعد أن خسر ساقيه وذراعيه و ما عاد له شبح ليُعانقه أو يركض و إياه عبر حقول الحنطة ، و تلكم كانت الكتابة امتحان سري لمبادئه في أن يبقى أو لا يبقى إنسانًا شريفًا ، أن يتكئ على أعمدة الشمس و هو يتقول برهانًا من سُلطة المعجم ، أو معلقاتٍ قيلت في زمن المشاحناتِ و صهيل الخيل الصهباء ، لم يشتري بها ثمنا و لا أراد بها خُبزا و لا أديمًا يسد عروقًا نافرة من الجوع الأبدي ، أراد لها أن تكون سيرة حياةٍ طويلة من الملاكمة ، بينه و بين غيلان رُوي أنها لا توجد إلا بين دفتي الأساطير ، لكنه رآها بقوائمها الأربع و ذيلها العرجونيِّ القزم ، و أظافرها المحدودبة اللامعة ، و أسنانها التي كلما ضحكت سالت عليها سموم العالمين أجمعين .
عرفتُ شخصًا أراد أن يُغير ما بالدنيا من سخافاتٍ طوال ، أن يُجرد النساء من النكاتِ الفاضحة و أن يمنحهن الورود و السنابل الزرقاء ، أن يقف على صخرة التلمودِ معنفًا الطير و هي تتخطف بمناقيرها الرضع الصغار .
عرفتُ شخصًا كان مُفعما بالأمل ، باسم الثغر مستبشرًا بغد أفضل ، لكن حين أتته عبَّارة القدر وجد أن جيبه يخلو من الرصاص المُذابِ في طنجرة الظلم ، حتى سلاحه كان كاتمًا للموتِ و ليس للفناء ، ألقى سيفه و الدرع و قاد جيشه اليتيم كأي قائد هزمته النوائب ، صلى ركعتي دم و هو يطوف صحراء الخسائر كزاهد لا يلوي على لقاء ، و حين كانت النهاية كانت كلمته تقف كمجموعة من الحصى الدقيقة تُشكل خلية سرطانية تتوغل في الكبد و تنتشر عبر الرئة ، فتتشجر صوب الحلقوم و هناك تغرقُ ملايين من الكلماتِ التي كان عليها أن تُجيد السباحة في وهن الصمود ، لكنها عاندت و انتحرت كأي حمامة لمست قبة المشرقِ و سلمت جناحيها للعاصفة .
و كتبَ :
” لا شيء يبقى غير النواح المتبلد بالوصايا .. لا شيء يترمل غير الأحلام المشدودة لقرابين الوعد ”
و قد أردتُ أن أكتبَ مجاراة لروحهِ التي سافرت عبر الرمل و الغبار ، كتأبين إن صح الوجع أو كحق يُستباح وسط جنون الزحام و الصراخ ، لكن ما نفع الكتابة إن كانت هي في حد ذاتها أداة تهييج و ليست رفيقة لينة العواطفِ ، عرافة تكذبُ على الشخص الماد كفه لها لتمنحه خبز الأمل ، عساه يوقى شر الأرض التي لا تلدُ إلا الديدان المحنطة ؟
ما نفع الكتابة و أنت تواجه ظهرك المسلوخ عنك ، و صدرك المعتل بالطاعون ، و أصابعك المبتورة و المستندة إلى خيط في رقبة أحدهم ، زينة له و ذكرى توجع الخواء الذي سقطت فيهِ حين فقدها ؟؟
ما نفع الكلمات و هي تمشي مشية الأعرج المختل ، على حبل سيق من رماد و كأنه الدخان يتخافتُ إلى أن يتعاظم و أنت تدري أن كل شيء أمامك ما هو إلا تفسير رديء عن معاناةِ الإنسان ؟؟
و بقيت الجباه مضرجة بالوفاءِ و اللاوفاء .
و بقيت الكتابة لا ترجو منها خيرًا إن كانت تفيك حاجتك من المصائر القاتمة ، و أنت تدري كما كان صاحبنا يدري أن الجهات الأربع للكون إن دحرجتها يُمنة أضحت غايتك قيدا ، و إن شقلبتها يُسرة سولت لك النجاة في رصاصة مزهوة بالريحان ، و إن تركتها على جبلتها قادتك إلى عُمق عُمق التاريخ ، لتجد أنه مهما احترفت الأبجدية فإنك لا محالة هالك و لا محالة مُقتاد إلى الجنون أو إلى الغفلةِ بالمواساة .
عرفتُ شخصا كان يحرثُ الأرض طوال سبع سنين ، و ما تزالُ آثار حبة الخردل على جرح أصابعهِ تطفو هواءً ساخنًا .
تطفو حياةً ببابين موصدين .
تطفو بلا حبر و لا ورق فقط سبيل شرس نحو الغياب .. دون هوية .

أدب الرابع والخمسون

عن الكاتب

أمل الإدريسي