حين تكون قلّةُ الأدبِ “أدبا”

كتب بواسطة يحيى الرواحي

 

يُحكى أنّ ملكاً كان يعشقُ الثيابَ الجديدة، و الأقمشةَ القشيبةَ الغريبة، لكنّه كان غيرَ عالمٍ بها، و لا خبيراً بأصنافها. فقصدَه يوماً دجّالون ادّعوا أنّهم خيّاطون يملكون قماشاً عجيباً لا يراه إلا الأذكياء! عجبَ الملكُ من ذلك، لكنّه لضعفِ بصيرتِه، و تحكّمِ شهوةِ تجريبِ الجديدِ و الغريب به، أمرَ أن يُوفّرَ للخيّاطين ما يحتاجونه ليخيطوا له الثوبَ الذي لا يراه إلا الأذكياء. وُفّرَ للدجّالين ما أرادوا، و زعموا أنّهم بدأوا العمل في خياطة الثوب العجيب.

عهدَ الملكُ إلى وزيرِه مسؤوليّةَ متابعة عمل الخيّاطين، فقامَ الوزيرُ بإرسال رئيسِ الجندِ لينظرَ ما يصنع الخيّاطون، فذهب رئيسُ الجند حيث يعملون، و حين دخل عليهم وجدَهم مستغرقين في العمل لكنّه لم يستطع رؤيةَ ما يخيطون، فقد كانت أيديهم تتحرّكُ في الهواء!! و حين رآه الخيّاطون بادروه بالتحيّة و سؤاله عن الثوب العجيب: “ألا ترى يا سيادةَ رئيسِ الجندِ كم هو جميلٌ هذا القماش؟” خشيَ رئيسُ الجندِ أن يقولَ أنّه لا يرى شيئاً فيفضحَ غباءه!! فأجابهم موافقاً و اخذَ يُثني على القماشِ و على جميل صنعتِهم فيه. بعد أيّامٍ -و قد قاربَ موعدُ تسليم الثوب العجيب- قرّرَ الوزيرُ أن يذهبَ بنفسه لرؤية ما أُنجزه الخيّاطون، و تكرّرَ ما حدثَ لرئيس الجندِ مع الوزير!

أتى يومُ تسليمِ الثوب للمك، و أقيمت مراسمُ مهيبة لحفل التسليم، و دخل الخيّاطون بكلّ فخرٍ يحملون الثوب، صُدمَ الملكُ بما رآه، فقد رآهم يحملون صندوقاً فارغاً لا شئ فيه، لكنّ صيحات إعجاب الحاشيةِ بالثوب العجيب جعلت الملكَ يؤمن بأنّه “غبي” و لذلك لم يستطع رؤيةَ الثوب! فتظاهرَ بالفرحِ و الإعجاب و أخذ يُثني على جميل صنعةِ الخيّاطين، و أمرَ لهم بالجوائزِ السنيّة، و المكافآت السخيّة. أخذ الدجّالون المال و الجوائز و فرّوا هاربين من المدينة. في حين أمر الملك ان تقامَ حفلةٌ عظيمة و يُدعى لها عامّةُ الناس لكي يروا الملك في ثوبه الجديد العجيب. كان الجميعُ قد سمع قصّةَ ذلك الثوب العجيب لذلك عندما رأوا الملكَ يخرجُ عليهم “عارياً” سرعان ما نفضوا رؤوسَهم و حاولوا سترَ “غبائهم” بالتصفيق و التهليل إعجاباً بذوقِ الملك و ثوبه العجيب! لكنّ طفلاً صغيراً وسطهم أخذ يصرخُ ضاحكاً “الملكُ عارٍ، الملكُ عارٍ” نبّهَ الجميعَ أنّهم كانوا ضحيّةَ مقلبٍ و خدعةٍ صدّقوها أنفسهم.

رغمَ مغزى القصّةِ الواضح إلا أننا لا زلنا نجدُ ملوكاً عراةً كلّ يوم، و لا ينتبهون أنّهم عراةً لأنّ من حولَهم لا ينبّههم لذلك خشيةَ أن يُتّهمَ بالغباء و عدم الفهم. و للأسف الشديد فإن مجالَ الأدب و الثقافةِ في بلادنا أصبحَ يعجّ بهؤلاءِ العراة، و الطامّةُ الكبرى أنّ تصدّرَ المشهدَ عراةٌ منهم فأصبحَ العريُ من الأدب و الثقافةِ -لا التلبّسُ بهما- جوازَ المرور لحمل لقب “مثقّف” و “أديب”، و أصبح الأدب الرصينُ، و الثقافةُ الحقّ غريبين ممجوجين! و بعكسِ قصّةِ الملك حين تنبّه الناسُ بعد صراخ الطفل –الذي يرمزُ للفطرة غير الملوّثة- فإنّ عراةَ المشهد الأدبي و الثقافي بيننا أصبحوا يحاربون كلّ من نادى بحقيقة عُريهم، و يتداعون للدفاع عمّن يتمَ فضحُه من بينهم، فهم يعلمون -علمَ اليقين- أن فضحَ واحدٍ منهم يفضحُ جميعَهم.

ترى ما أسبابُ انتشار الملوك العراةِ في هذين المجالين و يضافُ إليهما مجال “الفكر”؟ من يمعنُ النظر يستطيعُ أن يرى عدّة أسبابٍ لذلك، منها أولاً أنّ كثيراً ممن وُكّلَ إليهم أمرُ “الثقافة و الأدب” من غير أهلهما، فلذلك سهُلَ على الدجّالين خداعُهم و اقناعُهم أن ما يُنتجونه أدبٌ و ثقافة. الأمرُ الثاني هو أنّ هذه المجالات -بعكس التخصّصات العلمية- لا تملكُ ضوابطَ و مؤهّلات، و لا مراكزَ و قيادات يمرّ من خلالها من يريد أن يتخصّص أو يعملَ بها. فالمهندسُ –مثلاً- لا يكون مهندساً و لا يعتدّ به حتى يتخرّج من إحدى المعاهد العلمية المعترف بها لمنح شهادة الهندسة، و الفقيه المجتهد لا يكون كذلك حتى يشهدَ له فقهاءُ مجتهدون بذلك بعد أن يمتلك الأدوات اللازمة له. لكنّ “الثقافة” و “الفكر” –و الأدبَ شيئاً ما- وصفان فضفاضان، و هي مجالات غالباً ما تكون غيرَ ذات علاقةٍ بالشهادات التي يحملُها الفرد، فقد تجدُ طبيباً يحمل أرفعَ الشهادات في الطبّ ولكنّه لا يعرفُ من الفكر-مثلاً- إلا اسمه، لذلك سهلَ أن يدّعيَها الكثير و من حوصرَ و بُيّن جهلُه كان “حريّةُ الرأي و التعبير” طوقَ نجاةٍ، و حجّةً ليخوض فيما لا يفقه و يهرفَ بما لا يعرف. لكنّ السببَ الرئيس قد يكونُ انكفاءُ الأدباء الحقّ و المثقّفون المجيدون و المفكّرون الرصينون و انطواؤهم و اعتزالُهم ممّا أدّى إلى خلوّ الساحة ليظهرَ و يملأ الفراغَ فيها ملوكٌ عراة!

فهل يُعقلُ أن يتسنّمَ صهوةَ الأدب من لا ينتجون فيه إلا طعاماً فاسداً يكيلون عليه من “الملح” ما قد يشغلُ متلقّيه عن فساد طعمه؟! و هل يجوزُ أن يوصفَ بالفكر و الثقافة من يخوضُ في كتاب الله –مثلاً- و هو لا يُحسنُ الفرقَ بين المرفوع و المنصوب؟ فكيف عساه إذاً يقرأ قولَه تعالى: (إنَّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) و لا تسَلْ بعدها كيف سيكون فهمُه تبعاً لذلك؟!! و أليس من المعيبِ أن تُنشرَ “قراءات نقديّةٌ علميّة” لكتبِ علماءَ أجلاّءَ شهدَ لهم القاصي و الداني، فلا تكون تلك القراءاتُ سوى كلّ شيء إلا “القراءة النقديّةَ العلميّة”؟!!!

رغمَ ذلك فإن جسدَ التلقّي الأدبي لا يزالُ محتفظاً بعافيته، و لا أدلّ على ذلك من لفظه ذلكم الطعامَ الفاسدَ رغم ما ملئَ به من “ملح” كان يُرجى أن تُخدعَ به مناعةُ الجسد. لكن ينبغي التنبّه أن كثرةَ غزو الجراثيم و الفيروسات قد يؤدّي في النهايةِ إلى ضعفِ مناعةِ الجسم فيسهلَ عليها غزوُه و الدخول إليه و التعشيشُ فيه، لذلك ينبغي تحصين البيئة بجعلها طاردة للفيروسات أساساً. و ذلك لا يكونُ إلا بإنزالِ كلّ فردٍ منزلَته، و توسيد كلّ الأمورِ لأربابها، و لا يصحّ –بعد اليوم- اتخاذُ التواضعِ عذراً لتركِ المجال خالياً للملوك العراة، و ليصرخ “الأطفالُ” بيننا “الملكُ عارٍ، الملكُ عار”.

فحين يسودُ الملوكُ العراة يكون الأدبُ “قلّةَ أدب”، و حين تكون “قلّةُ الأدب” أدبا يكون العريُ ثقافة!

 

 

 

الثامن والأربعون ثقافة وفكر

عن الكاتب

يحيى الرواحي

كاتب عماني