رهاب التغيير وتضارب قيم المثقف

ذا المثقف بمقاومته للتغيير لديه بدوره دافع يقتنع به لممارسة هذه المقاومة بشكليها السلبي والإيجابي، لكن المفارقة تكمن في الازدواجية التي يعيشها ذلك المثقف الذي يتبنى الخطاب الحداثي الإنساني بكل قيمه و منطلقاته من ناحية، ليظهر ذلك جليا في خطابه الإبداعي، فتظهر إنتاجاته الأدبية و الفكرية مبشرة بتلك القيم وأهمها قيم الحرية و العدالة التي بدأت منذ عصر أثينا متطورة بعدها بحقبٍ منظومة القيم منتجة قيمة المساواة بين المواطنين لتشكل أساس القيم الإنسانية الحضارية الحداثية مع غيرها من القيم كالتعددية و الفردية،

change

رهاب التغيير و تضارب قيم المثقف

صالح بن علي الفلاحي

ليس هناك خوف من التغيير مادام في الاتجاه الصحيح، ولكن لا نستطيع أن نحكم على صحة اتجاهه إلا بعد أن يتحرك.

إن كل مبادرة للتغيير السياسي ستصطدم بمقاومة ، ومقاومو التغيير لديهم أسبابهم الخاصة وقناعاتهم المبدئية فالبعض يقاوم خوفا على فقدان السلطة و آخرون خوفا على خسارة امتيازات مادية و اجتماعية والبعض الآخر خوفا من المجهول لأن ما نعرفه خير مما نجهله وقد لا نستطيع – من وجهة نظرهم – أن نواكب هذا التغيير المنادى به، وآخر ينتابه الشك في جدوى التغيير وهناك من يقاوم خوفا من تفكيك الوضع القائم و عدم تصور وضع أنسب منه، وإن كانت حتمية الخلاف في موضوع كهذا توجب – إنسانيا – وجود هذه الأطياف بنوعيها أي المقاومة الإيجابية التي ينشط أصحابها لمواجهة التغيير أو المقاومة السلبية التي يكتفي أصحابها بمراقبة الأمور من بعيد في انتظار ما تسفر عنه المواجهة بين أنصار التغيير من جهة و مقاوميه من جهة أخرى فإن المثقف المتبني للقيم الحداثية الإنسانية وإن كان من حقه ككل مواطن آخر أن يتبنى أو يقاوم دعوة التغيير استنادا لحقه في التعبير إلا أن موقفه قد يتضارب مع قيم يتبناها في خطابه الإبداعي مما يؤدي إلى تضارب بين الخطاب و الموقف .

هذا المثقف بمقاومته للتغيير لديه بدوره دافع يقتنع به لممارسة هذه المقاومة بشكليها السلبي والإيجابي، لكن المفارقة تكمن في الازدواجية التي يعيشها ذلك المثقف الذي يتبنى الخطاب الحداثي الإنساني بكل قيمه و منطلقاته من ناحية، ليظهر ذلك جليا في خطابه الإبداعي، فتظهر إنتاجاته الأدبية و الفكرية مبشرة بتلك القيم وأهمها قيم الحرية و العدالة التي بدأت منذ عصر أثينا متطورة بعدها بحقبٍ منظومة القيم منتجة قيمة المساواة بين المواطنين لتشكل أساس القيم الإنسانية الحضارية الحداثية مع غيرها من القيم كالتعددية و الفردية، ثم ومن ناحية أخرى وبدافع مقاومة التغيير يدعم هذا المثقف بمقاومته تلك لفكرة التغيير الوضع القائم والذي يستمد شرعيته أساسا من قيم قبلية أبوية و تأويل ديني تفسيري بحجة الشك من المواكبة و الخوف من تفكيك القائم و الارتياب من المجهول، وهكذا فإن قيم الحداثة الإنسانية وهي موضوع هذا التغيير و أساسه تصبح محل شك عند المثقف عندما يبادر البعض للمناداة بتطبيقها كواقع عملي من خلال دعوات التغيير.

فهو من ناحية يريد أن يرى واقعا معاشا تطبق فيه ديمقراطية تحترم القيم التي يؤمن بها والتي قد لا يستند إليها في واقعه الذي لا يطبق هذه القيم لأن مرجعية المجتمع تستمد من القيم الأخرى،وعلى سبيل المثال فالواقع الذي يعيشه يقلل من شأن الجدارة العلمية والمهنية مقابل القرب القبلي و الاجتماعي عند اختيار شخص لوظيفة أو منصب ما، فعندما يواجه المثقف مثل هذه الإشكالية وتكون لديه الرغبة في انتقاء الأجدر سيحاول أن يصارع في حدود إمكاناته لأجل تطبيق قيمة المساواة و تكافؤ الفرص، ومن ناحية أخرى يرتاب إن كانت هذه القيم صالحة لهذا المجتمع أصلا و إن كان هذا المجتمع قادر على استيعابها، ويظهر هذا الارتياب في مقاومته لمبادرات التغيير مما يؤدي إلى أنه يبرر وجود القيم السائدة رغم معرفته بانتفاء صلاحيتها.

وأهم ما يبرر به المثقف المقاوم للتغيير موقفه أن المجتمع حاليا ليس لديه الوعي الجمعي كي يتحمل مسؤولية خياره وبالتالي فإن التغيير سيقود إلى وضع السلطة في يد ” المتشددين و دعاة الرجعية”، لكن هذا المبرر هو نفس المبرر الذي يسوقه القائمون على النظام الفردي والذين يرون أن المواطن لم يصل بعد إلى سن الرشد الإنساني، وإذا كان علماء النفس يرون في مرحلة المراهقة أنها أزمة في التكيف مع النمو الجسدي والنفسي والعقلي وأنها مؤلمة و مليئة بالصدمات فإننا إذا أردنا إسقاط الفكرة هنا فإن على المجتمع ليتخطى طفولته السياسية– من وجهة نظر من يرى أنه قاصر طبعا – أن يمر بمرحلة المراهقة السياسية حتى يصل إلى سن الرشد السياسي الذي يجعله مستحقا للقيم التي يتمتع بنتائجها غيره من شعوب الشرق والغرب والتي أثبتت رشدها ولكن بعد أن قاست من مرارة مراهقتها، وهكذا فإن هذا التغيير حتى وإن كان مؤلما بما يكتنفه من مخاوف و شك في تجارب أسوأ فإنه الطريق الوحيد للوصول إلى الديمقراطية التي لم يصل إليها شعب من الشعوب دون المرور بخبرة مليئة بالأزمات حتى يتبلور الوضع السياسي المناسب لذلك الشعب.

يُنقل عن الفنان التشكيلي الأمريكي الراحل أندي وارهول قوله ( يقولون دائما أن الزمن يغير الأشياء لكن الحقيقة هي أنك أنت من يجب عليك أن تغير تلك الأشياء بنفسك)، فأن يراوح المبدع مكانه و ينتظر أثر الزمن متجاهلا كل الهدر الذي يسببه الوضع الحالي الذي يستنفد الطاقات المادية و الإنسانية للمجتمع لمجرد أنه يتصور أن الأسوأ قادم يجعلنا هذا نعيد النظر في أهلية المبدع المثقف لقيادة التغيير، و لا أظن أن البدائل التي ستقود هذا التغيير بدلا منه سترضيه لأنه يعتبرها بعيدة عن القيم الإنسانية التي ينادي بها ولهذا فإن تحديد بوصلة القيم لديه يجب أن تكون أولوية ليحدد ما إذا كان مؤمنا بهذه أو بتلك من القيم ليؤسس عليها بعد ذلك إبداعه و سلوكه المجتمعي دون تناقض ، ففي المؤسسات الحديثة تُنتقى القيم المؤسسية كأساس للخطط الإستراتيجية وبعدها تبنى السياسات و الخطط التنفيذية لتلك المؤسسة على أساس تلك القيم التي ستسير بالمؤسسة في الاتجاه الصحيح.

العدد الرابع ثقافة وفكر

عن الكاتب

صالح بن علي الفلاحي

كاتب عماني