سمفونية الصلاة

كان الفن أحد وسائل الاحتضان الاجتماعي، من بعد ما أصبح الفن حقاً للجميع وليس حكراً على الطبقات العليا، فالفن المعاصر لا يعترف بالتفرقة الطبقية ولا العرقية، فلا يلزمك الالتحاق بالفن إلا امتلاك موهبة مصحوبة برغبةٍ وإرادة. ومن خلال جوهر وبواطن الأوركسترا والكورال والجوقات، نجد أمثلة ومدارس للحياة الاجتماعية

prayer

سمفونية الصلاة


عاصم المحرمي

ما أجمل ذلك المشهد ونحن نشاهد مجموعة من عازفي الأدوات الموسيقية وهي تعزف مقاطع السيمفونيات، وما أجمل تناسق حركات أصحاب الآلات المتماثلة، حين يرتفعون وينخفضون بالسّلم الموسيقي في نسقٍ جميل مبدع، وكأن حركات عزفهم شبيهةٌ بأسماك “السردين” الصغيرة وهي تسبح راقصةً بتناسق عجيب في رتمٍ واحد، مما يدلنا على أن المُؤَلَّفَ السيمفوني الموسيقي قد استطاع أن يضبط حركات مجموعة عازفي الأدوات الموسيقية والمعروفة بالأوركسترا، وبسبب هذا الانضباط من قبل المُؤَلّفَ السيمفوني تجاوزت الأوركسترا الموسيقية في عصرنا الحالي مهمة العزف وحسب ، بل أصبحت وسيلة لرفع مستوى الحس الاجتماعي لدى المجموعة الواحدة، ففي الاغتراب المقفر الذي يعيشه الإنسان المعاصر وسط مجتمعه المدني. والتفكك الأسري الرهيب المستشري في العواصم الكبيرة حول بلدان العالم، جعلت من الوحدة والعدمية زائر شبه يومي لكثير من الشباب، فحدا بهم الحال إلى الانخراط في سلك الجريمة وتعاطي المخدرات والمسكرات، حتى تعالت مستويات الجريمة والاغتصاب إلى معدّلاتٍ فضيعة، الأمر الذي استفز مؤسسات المجتمع المدني إلى قرع نواقيس الخطر مطلقةً نداء الاستغاثة لكبح الجريمة والتقليل من ثورانها. فالسعار والظمأ الاجتماعي الذي تعاني منه الإنسانية، قد حدا بها لأن تبتدع حاضنات صناعية راجيةً منها أن ترفع من الحس الاجتماعي لدى أفرادها، ومن بين هذه الحاضنات المعوّل عليها في رفع الحس الاجتماعي، كان الفن أحد وسائل الاحتضان الاجتماعي، من بعد ما أصبح الفن حقاً للجميع وليس حكراً على الطبقات العليا، فالفن المعاصر لا يعترف بالتفرقة الطبقية ولا العرقية، فلا يلزمك الالتحاق بالفن إلا امتلاك موهبة مصحوبة برغبةٍ وإرادة. ومن خلال جوهر وبواطن الأوركسترا والكورال والجوقات، نجد أمثلة ومدارس للحياة الاجتماعية، ففي العزف والغناء، وبالانضباط والاحتكاك المتمثل فيهما، تبدأ تتسرب معاني التعايش الجماعي في نفوس المجموعة الواحدة، حينما يكونون قادرين على ضبط أصوات الآلات فيما بينهم، فتناسق عزفهم الذي ساهم في خروج السيمفونية بأبهى حلّة فشنّف المسامع، وأبعد عنها قبح النشاز، سَيَنْحُتُ في وجدانهم روح التضامن والتعاون والأخوّة، ليدرك الفرد حقيقة الامتداد الاجتماعي مع مجموعةٍ ما، ومن خلال هذا الإدراك سيتم إشباع غريزة الحس الاجتماعي التي ما فتأت تطالبه منذ نشأته بالتواصل المستمر مع بني جنسها من البشر.

ولا يختلف مشهد الأوركسترا الموسيقي عن مشهد جماعة المصلين، حيث نرى تلك الأبدان البشرية المجتمعة والمتراصة وهي تؤدي سيمفونية الصلاة، بحركاتٍ جميلةٍ ومتناسقة فيما بينهم، وكيف يرتفعون وينخفضون بآلات أبدانهم بين ركوعٍ وسجود لتأدية هذه السيمفونية، متبعين حرفيا إمامهم، كما يقود المايسترو الأوركسترا. وستجد بأن البعد الاجتماعي في الصلاة مصمم للجميع ولجميع الطبقات الغنيّة والفقيرة سوءاً بسواء، فتنشئة الأطفال بين صفوف المصلين فرصة ثمينة لتنمية جوانبهم الفكرية والعاطفية، لتصبح الصلاة منبعاً لتطوير أبعادهم الإنسانية قبل الدينية، وكذلك رافعةً من حسهم الاجتماعي، فتقودهم إلى تنمية وتطوير شخصياتهم بالكامل، فمن خلال الانضباط في صف الصلاة ينمو فيهم الإحساس بالالتزام والمسؤولية والإخلاص للجماعة وبدورها للمجتمع ككل. وأما الإفساح والتنفيس للشيخ الكبير والمريض وعدم مزاحمتهم بدنياً، سينمّي فيهم الكرم والتواضع للغير، وأما التركيز على المساهمة الشخصية من خلال الصمت والسكون لتحقيق الإنجاز الجماعي الكبير لتأدية الصلاة، فهذا يؤدي إلى تطوير احترام الذات والثقة بالنفس، والأهم من ذلك بكثير الإشباع الاجتماعي والشعور بالهوية ووجود نصير ومعين خارجي، “إن أكثر شيء محزن ومأساوي في هذه الحياة ليس الشعور بالفقر والجوع، ولكن الإحساس بأن معاناتك لا تعني الآخرين، وبأنك لا شيء يذكر بالنسبة لهم” أو كما قالت الأم تيريزا. فترعرع الأطفال في المساجد لإقامة الصلوات، يعطيهم هوية نبيلة، ويجعلهم قدوة في عائلاتهم ومجتمعاتهم، فترتيل الطفل للقرآن وتظاهره بالصلاة أمام أبيه وهو يؤدي عملا ما أو يشاهد التلفاز، رسالة قوية تنبعث منها بأنه أصبح قدوة، شأنه شأن الطفلة الصغيرة التي تصلي بينما أمها تقوم بأعمال البيت، إن العالم الروحي الكبير، والذي تصنعه الصلاة في نفوس مؤديها، تقوم بالتغلب على هذا الفقر المادي الموحش في النفوس، منذ اللحظة الأولى التي تدخل فيها المسجد فترى فيها وجوه الأخوة والأصحاب. ولا يمكننا أن ننسى بأن الصلاة عند المسلمين يجب أن تكون بحد ذاتها المانع الأول، للعادات السيئة كالعنف والسرقة، وتعاطي المخدرات، والدعارة، لأنها توجب النهي عن الفحشاء والمنكر، أو كما قال مشرعها في كتابه العزيز: (…إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت : 45 )

ولا تقف الصلاة عند هذا الحد بل تتفوق على برنامج الإنقاذ الاجتماعي للموسيقى، حيث سنجد في البرنامج الموسيقي كماًّ من السلبيات التي تقلل من جعله برنامجاً يتصدر المركز الأول بين البرامج الأخرى. فامتلاك وشراء آلة العزف بحد ذاته مُكْلِف للأسر الفقيرة، وطول مدة تعلم العزف وإتقانه يظل كذلك عملاً شاقاًّ ومملاً للأطفال والمراهقين، واحتمالية الإقصاء من المجموعة بسبب ظهور عازف أمهر تأرق البعض ومحبط للعزيمة، وكذلك اختلاف ذائقة الحس الموسيقي لدى الجمهور وردات فعلهم السلبية يؤثر على نفسية العازفين.

كل هذه العوائق والسلبيات لا تجدها في سيمفونية الإنقاذ الاجتماعي “سيمفونية الصلاة”، فهي لا تحتاج إلى شراء آلة، فبدن المصلي بحد ذاته هو الآلة، وأما مدة تعلمها قصير ويسير ويستوعبها الصغير قبل الكبير، وأما الإقصاء من صفوف الصلاة بسبب تدني المستوى فذاك أمر غير وارد، وأما تأديتها فهي لا تقدم لجمهورٍ ما، وإنما لرب الجمهور ومشرعها، وهذا الذي يضفي عليها نوعاً من القداسة في نفوسهم، فيؤدوها بروح ملؤها الرجاء والأمل في تَقَبُّلِها: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162)

العدد الرابع ثقافة وفكر

عن الكاتب

عاصم المحرمي

.
.
.