عمتي أم ربيع

كتب بواسطة هدى حمد

download

ارتفع ضغط عمتي أم ربيع التي تسكن في كندا بسبب الرسائل التي تهطل في “الجروبات” التي نشترك فيها مع فتيات العائلة والصديقات. رسائل أقل ما يمكن أن نقوله عنها أنها مُهينة للمرأة. تحتوي على أحاديث مُلفقة عن الرسول تحث المرأة على أن تكون خادمة تحت أقدام الزوج، بل تحكي أشكالا ألوانا من العذاب “الفانتازي” لمن تمتلك وجهة نظر تختلف فيها مع زوجها. وما يُصيبنا  بالتعاسة أكثر أنهن نساء مُتعلمات وجامعيات وعلى درجة من الوعي إلا أنهن لا يتحرين صحتها وما أن تُحاججهن فيها حتى يرتبكن وأسهل إجابة تحصل عليها منهن “كما وصلني”. رسائل  تسعى لتدجين المرأة ووضعها في أقفاص التبعية.

عمتي أم ربيع ليست أخت أبي وليست أم زوجي ولم ألتقي بها حتى الآن. رغم أنها زارت عمان لأيام قليلة ولكننا التقينا عبر الأفكار المتشابهة. فهذه المرأة التي تسبق بنات جيلي بعقود تمتلك وجهة نظر قادرة على تفنيد حالة الاستلاب التي تعيشها المرأة اليوم بإرادتها التامة بتغييب عقلها ومداركها نتيجة غسيل المخ الذي تشارك فيه.

أنا وعمتي أم ربيع  نتفاجأ من نساء يحملن أرقى الشهادات، يهززن أسرة أطفالهن بيد ويمكنهن أن يهززن العالم بيد أخرى لو أردن ذلك، لكنهن لازلن يتناقلن رسائل غريبة عجيبة تُقلل من قيمتهن بل تجعل وجودهن في الحياة لا قيمة له إلا عبر الآخر، وكما قالت عمتي: “نحن لا نعاتب الرجل، بل نعاتب المرأة التي تقبل بذلك بل تساهم بإعادة النشر”.

بالطبع لسنا ضد طاعة الزوج ولكن ضد أن تُلغي المرأة نفسها وكيانها وقرارها لأجل هذه الغاية. ضد أن تلغي نجاحها وامتيازاتها وأن يُصبح الرجل هو محور الكون والحياة بل هو الطريق إلى جنة الدنيا والآخرة.

وأكثر ما يزعج في الأمر أنّ الخطاب الديني للأسف عبر وسائله الإعلامية المختلفة لا زال في كثير من الأحيان يُركز على إبراز نظرة ذكورية فيحرض على المثنى والثلاث والرباع، ويذكر بقوامة الرجل على المرأة وأنّ المرأة العاصية تلعنها الملائكة، والمرأة الناشز تعاقب بكذا وكذا. بل  أتفاجأ أكثر من الأسئلة التي يطرحها شباب اليوم والشابات في البرامج الدينية وحجم القلق الذي يُكابدونه من اهتمامهم بتفاصيل صغيرة تُحجم أفكارهم وتجعلها في صندوق صغير لا تغادره.

وأتساءل: لماذا لا يركز الخطاب الديني على علاقة النبي بزوجاته، وعلى فهمه العميق واحتوائه لهن. على سبيل المثال كان النبي يُقدر غيرة عائشة فعندما جاءت بحجر صلب ففلقت به صحفة الطعام التي جاءت بها أم سلمة، جمعه النبي صلى الله عليه وسلم بين فلقتي الصحفة وقال: “غارت أمكم”. كان النبي يستشير زوجاته، كما حدث في صلح الحديبية عندما اشتكى لأم سلمة فدلته على الصواب. وليس كما يقال لدينا “شاورها وخالفها”. وما أحلى ما قالته عائشة عن علاقتها بالنبي: “كنتُ أشرب فأناوله فيضع فاه على موضع فيّ”، ولم يكن يقرف من ظروفها  الشهرية تقول عائشة: “كان يتكئ في حجري وأنا حائض”. يساعد زوجاته على أعباء المنزل ويخيط ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه. وإذا غضبت زوجته وضع يده على كتفـها ودعا لها، ولم يكن يخجل من أن يُعلن عن حبه لزوجاته، كما قال عن خديجة “أني رزقت حُبها”. ويشيع المرح والسعادة في بيته ويمازح أهله، ورجالنا يستحون من ذكر أسماء زوجاتهم كأنهن نكرة.

على الخطاب الديني بدلا من أن يُمني الرجال بحور العين وأنهار من عسل وخمر، وأن يجلد المرأة بسياط العذاب المنتظر إن هي عصت زوجها، أن يُقدم صورة النبي في بيته، وأن يثقف الرجال بضرورة الترفق بالقوارير، وعلى المرأة نفسها أن لا تقبل أن تكون بمكانة متدنية في بيتها، فلها حقوق وعليها واجبات.

فلا يكفي أن تحمل المرأة أعلى الشهادات  وتلبس أغلى الماركات وتتحدث عن الحريات وعقلها مغلق تهتز قناعاته مع كل ريح. قالت عمتي أم ربيع “على النساء أن لا يضعن رؤوسهن في التراب مثل نعامة ويتغاضين عما يحيط بهن من ظلم وهضم للحقوق”.

الخامس والأربعون ثقافة وفكر

عن الكاتب

هدى حمد

كاتبة عمانية