ماذا بعد..

كتب بواسطة سلطان حمود

ما معنى أن نولد ونزج في وهج هذه الحياة وفي لحظة ما نموت بدون خيار تماماً كما ولدنا! الحياة أشبه ما تكون بلعبة حظ, فبمجرد وصلونا إليها يعني هذا قد ربحنا. سوف أوضح فكرتي بالمعنى الآتي: تصور كيف أن من بين مئات الملايين من الحيوانات المنوية هناك فرصة واحدة, لتلقيح بويضة واحدة, في عملية جنسية واحدة فقط, فحيثما هنالك حياة, هنالك حتماً موت لاحق قد يكون بخيارنا كما نسميه الانتحار, أو صنيعة قوانين الفيزياء والطبيعة التي تسير هذا الكون وحياتنا بصفتنا جزءاً ونتاجاً منه.

هاتف المنزل يرن.. التلفاز يعرض أغنية (بودعك) للفنان حسين الجسمي.. أنا وأختي ننظر إلى بعضنا البعض وكأن أحدنا يطلب من الآخر الرد على الهاتف.. تخرج أختي من صالة الجلوس لتترك مهمة الرد لي.. أقترب أنا من سماعة الهاتف استعداداً للرد بعد أن أشهق أقصى كمية أكسجين في رئتيّ.. صوت أحد معارف العائلة يتحدث: “ألو سلطان شد حيلك الوالد في ذمة الله”.. صدمة تضرب عقلي وتتسبب في انهيار جسدي أرضاً.. يتعالى صوتي: “لا لا أستطيع التصديق.. هذا مستحيل”.. تعود أختي مجدداً لتراني في تلك الحالة المزرية وتسبقها دموعها قبل أن تنبس شفتاها بحرف.. تستنجد بأمي.. تصرخ أمي بأعلى صوتها حزناً وحرقةً.. لا يزال بعض أفراد عائلتي لا يعرفون الخبر بعد باستثناء أخويّ الكبيرين حيث كانا على مقربة من سرير أبي في المستشفى.. تذهب أختي لإخبار أختي الصغرى بضرورة العودة من منزل أحد الأقارب بجوارنا.. أذهب أنا لإخبار أختي الأكبر بالعودة أيضا من منزل إحدى صديقاتها بجوارنا.. الكل ينهمر في البكاء.. لم تمر دقائق من عودتنا إلى المنزل إلا ونتفاجأ بكم أعداد الجارات المتوافدات للتعزية.. بعد مرور ساعة تقريباً تصل سيارة الإسعاف محملتاً بجثمان أبي.. لا تزال مشاهد الجنازة عالقة في ذاكرتي, التغسيل.. التكفين.. نظرة الوداع.. ومواراة الثرى.. تلك كانت سردة مقتضبة عن تلقينا خبر وفاة أبي وما حدث بعد ذلك أثناء مراسم الجنازة.
لعل توقف شريط ذاكرتي عن استذكار ما حدث خلال لحظات ولادتي ومروراً بسنوات عمري الثلاثة الأولى, هو ما دفعني إلى التساؤل عن إحساسي خلال لحظات الموت وما سيأتي بعدها. ماذا بعد..؟ هذا السؤال الأزلي الذي شغل أذهان البشرية وقامت على أساسه أديان وميثولوجيات تتفق إجمالاً على وجود حياة بعد الموت, وتحاول تفسير معنى الموت ومن ثم قدوم الحياة الأبدية أو الآخرة المتمثلة بالجنة والنار كما هو معتقد في الأديان “السماوية”, أو بتناسخ الأرواح بعد أن يتم التخلص من جسد الميت حرقاً حسب ما يعتقد به أتباع الديانة الهندوسية, و بدورة إعادة الولادة من جديد عند أتباع الديانة البوذية, وفي عصر مصر الفرعونية كان يتم تحنيط الجثث اعتقاداً بأن الروح ستعود إليها مجدداً مرة أخرى. صعوبة تقبل الإنسان لفكرة النهاية المطلقة له وجودياً, وحاجته إلى قوة فوقية وخارقة توفر له الحماية والعناية الكونية وتولد في داخله الشعور بالطمأنينة والراحة “الروحية” أو النفسية _ولو كمسكن مؤقت_ هي ما جعله عبر مر الأزمان والعصور يبحث عن الحقيقة الغائبة من خلال العقائد الدينية المتلاحقة والمستمدة في أحيان كثيرة من بعضها البعض كإرث أنثروبولوجي, تعكس تصورات وتأملات الإنسان لسر وجود هذا الكون بما في ذلك هو ذاته كإنسان بكونه جزء منه يؤثر ويتأثر بمكوناته ومجرياته, وتقدم أجوبة لما يدور به من ظواهر طبيعية قد تبدو أحيانا مريبة ومبهمة له.
منذ أن ولدت أول لحظة من عمر الكون عند نشؤ ما يعرف بالانفجار العظيم ((Big Bang, وبدأ معها تكون الزمان والمكان وستمر إلى حد هذه اللحظة في التكون والتوسع إلى ما لا نهاية طوال عشرات مئات ملايين السنين والذي يقدر ب 13,5مليار سنة تقريباً, تمخض عن ذلك خلق أعظم وأضخم الأجرام السماوية, كويكبات, كواكب, أقمار, نجوم.. من أدق وأبسط المكونات, جزيئات, ذرات, غازات, مركبات.. بما في ذلك الأرض التي بدأت قصة حياتنا نحن بني البشر عليها قبل أكثر من 200 مليون سنة عندما توافرت الظروف المعيشية الملائمة لبقاء جنسنا بعد أن شقت بذور الحياة طريقها إلى النمو والتطور نتيجة وجود المواد العضوية المتطلبة والماء على سطح كوكبنا وتحديداً على القارة السمراء إفريقيا, مسقط رأس أجدادنا القدماء كما تشير تتبعات شجرة العائلة البشرية جينياً.
لا يمكن لأحد أن يقلل من غريزة البقاء التي تحركنا وتقودنا إلى مواجهة أي خطر يهدد حياتنا والبحث عن أية فرصة للنجاة, فالطبيعة الأم التي تحتضننا عززت هذه الخاصية في جميع كائناتها بما فيها نحن البشر بهدف الحفاظ على جنسنا من الانقراض, وخلق توازن حيوي وبيئي مع باقي الكائنات الأخرى التي تشاركنا الحياة على هذه الأرض. الخوف من الموت يقف وراء مواجهتنا وتمسكنا بالبقاء؛ تسارع دقات قلوبنا, تكاثف تعرقات أجسادنا, تزايد مرات أنفاسنا, كلها علامات طبيعية وفطرية على مواجهة خطر الموت. لماذا نخاف من الموت؟ الإجابات المحتملة تتلخص بالمعاني المرتبطة بمعنى الموت الآتية: المجهول, الألم, الفراق.
لقد لعب الجانب الغيبي دوراً أساسياً ترتكز عليه كافة الأديان: الإسلام_ المسيحية_ اليهودية, نموذجاً, بما في ذلك حياة ما بعد الموت وما يتعلق بها من حياة أبدية إما في الفردوس كثواب لمن أطاع الله, أو في جهنم كعقاب لمن عصاه. ولأن لا أحد بإمكانه أن يعرف حقيقة ما سيؤول إليه مصيره بعد الموت, أو حتى قدرته على استيعاب كيفية حدوث ذلك بصفته أمراً مجهولاً وخارجاً عن إدراكه العقلي, يكتنفنا الخوف كلما تخيلنا أنفسنا نموت أو كنا قاب قوسين أو أدنى منه.
إن الجسم البشري هو نظام مكون من عدة أجهزة تقوم فيما بينها على تنظيم خط سير عمل هذا الجسم, فبينما يقوم الدماغ بالدور المركزي في التحكم بجميع أدوار الأجهزة الأخرى, تقوم الأعصاب بدور الأسلاك الناقلة للأحاسيس من مختلف أجزاء الجسم إلى الدماغ وترجمتها به فورياً . لك أن تتخيل لو لم تكن أجسامنا مزودة بهذه الأعصاب, لأنعدم لدينا مثلا أي إحساس بالألم وقت التعرض إلى جرح ما, أو بالمتعة وقت ممارسة حميمية ما.. إلخ.
لا شك لكوننا كائنات اجتماعية لا يمكنها العيش بمفردها دون اتصال مع الآخر, أياً كان هذا الآخر بالنسبة لنا, أماً تحنو وتربت علينا, زوجاً يشاطرنا مهام الحياة, صديقاً يمثل ملجأً لنا وقت الشدة.. لا شك بأن ابتعادنا عن من يشكل لنا رابطاً أسرياً أو اجتماعياً سيخلف بنا شرخاً عاطفياً أو نفسياً, فما بالك بفراقنا عنه إلى الأبد.
“الحاجة أم الاختراع”, تعبير يجسد ما توصل إليه إنسان اليوم من إنجازات علمية تصب في حماية البشرية من أسباب عديدة يمكن أن ينتج عنها ما يقود إلى خطر الموت, الكائنات الحية المفترسة, الكوارث الطبيعية المدمرة, الأمراض والأوبئة المميتة, أو حتى خطر بني البشر اتجاه بعضهم البعض: كالإجرام والحروب. فمنذ مراحل تطور عقل الإنسان وتحديداً في المرحلة الطفولية_ إن صح التعبير_ وسط حالات علامات الاستفهام والتعجب جراء ما يحيق به من أخطار و ظواهر كانت تبدو له غريبة في ذلك الوقت, كان يلجأ تارةً إلى الهرب, وتارةً إلى الاحتماء بأحد الآلهة على حد اعتقاده, وتارةً أخرى يبحث عن حل نظري عن طريق الملاحظة, يتلخص بولادة فكرة تعلمه درس ما, أو حل تطبيقي عن طريق التجربة, يتحقق بابتكار أداة تعينه على قهر صعوبة ما.
ما من شك أن تجربة الاقتراب من الموتNear Death) Experience) تعد ضرباً من الخيال للكثير من الناس سواء من حيث ندرة حدوثها, أو القدرة على استيعابها؛ تتلخص ماهيتها في مرور بعض الأشخاص ممن تعرضوا لحوادث كادت أن تودي بحياتهم, بأحداث في أماكن مختلفة وغريبة, منهم من وصفها بالطيبة, ومنهم من وصفها بالشريرة والتي لا يقدم لها العلم حتى الآن تفسيراً معيناً ودقيقاً رغم محاولات بعض العلماء طرح العديد من النظريات حول ربط حدوثها فسيولوجياً بموت خلايا الدماغ وإفراز مادة الإندروفين المسؤولة عن تخفيف الألم وإعطاء الشعور بالتحسن والراحة, أو سيكولوجياً بالعقل الباطن وما يفتعله من ردود فعل نتيجة الاقتراب من الموت. يبرق هنا اسم المحلل النفسي الأمريكي ريموند مودي باعتباره أكثر من أولو اهتماماً كبيراً بجمع قصص لأشخاص تم إعلانهم متوفين إكلينيكياً بعد أن عادوا إلى الحياة من جديد. يتجسد هذا الاهتمام من خلال تسميته تلك القصص “قصص مشارفة الموت”, ونشره كتاباً حولها عام 1977 أسماه حياة بعد حياة (Life After Life) والذي بيع منه 13 مليون نسخة.. “لقد لاحظ قاسما مشتركا يجمع كل تلك القصص: السفر عبر نفق ثم تحية أفراد العائلة والأصدقاء المتوفين من قبل ثم مواجهة هالة ضوئية تعطيهم شريطا مفصلا لحياتهم ثم تسألهم عمّا إذا قضوا تلك الحياة في محبة الآخرين”, http://archive.arabic.cnn.com/2013/entertainment/5/20/us.afterlife/
ما معنى أن نولد ونزج في وهج هذه الحياة وفي لحظة ما نموت بدون خيار تماماً كما ولدنا! الحياة أشبه ما تكون بلعبة حظ, فبمجرد وصلونا إليها يعني هذا قد ربحنا. سوف أوضح فكرتي بالمعنى الآتي: تصور كيف أن من بين مئات الملايين من الحيوانات المنوية هناك فرصة واحدة, لتلقيح بويضة واحدة, في عملية جنسية واحدة فقط, فحيثما هنالك حياة, هنالك حتماً موت لاحق قد يكون بخيارنا كما نسميه الانتحار, أو صنيعة قوانين الفيزياء والطبيعة التي تسير هذا الكون وحياتنا بصفتنا جزءاً ونتاجاً منه. هنا يختلط الإيمان بالشك لينشب زوبعةً من الهواجس والوساوس, لطالما ستمرت في دواخلنا تتصارع. كيف لمن نؤمن بأن له القدرة أن يُحينا هو ذاته من يمكنه أن يُميتنا بأية طريقة كانت وتحت أي سببٍ كان, ليس إلا لأن أجلنا آن, أو في أحيانٍ دون أن يوقف شبح الموت من طريقه إلينا؟؟ تساؤلات تفطر قلوبنا في لحظة عزاء ورثاء على كل من لم تكن له يداً في رحيله من الحياة.
لا أحد يعلم على وجه الدقة ما الحكمة من مسلسل هذا الموت المستمر, أهي لعبة الحظ وفوضى الفرص تأخذ مجراها, أم هي “مشيئة الإله” التي لا أحد يعلم سرها ومبتغاها!!

الرابع والخمسون ثقافة وفكر

عن الكاتب

سلطان حمود

كاتب عماني