“ماذا رأتْ؟ ” قراءة انطباعية في المعرض الخامس للمصورات العمانيات

كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

خلق المعرض لدي تساؤلاً عن سر هذا الغياب للفضاء الاجتماعي اليومي للمرأة/ الأنثى العمانية، وطبعاً ستتعدد الإجابات. واستوقفني الغياب الآخر، المميز، عدا صورة (سمو، غدينة العيسائية)، والذي لا أعلم مدى تقصد تغييبه من صدفويته، للحضور الجغرافي العماني المعتاد الكثافة في أعمال بعض المصورين العمانيين المأخوذين بسحر الطبيعة والجغرافية المحيط.

ما هي الصورة التي تستأثر بعين المصورة العمانية في هذه الأعوام؟ من أي زاوية/ زوايا تنظر إلى العالم المحيط بها؟ وما هي اللحظة الزمنية التي تريد أن تحبس ضوئها في إطار الصورة؟ وكيف نظرتها للحياة؟
بمثل هذه الأسئلة وأشباهها ذهبت إلى المعرض الخامس للمصورات العمانيات المقام مؤخراً في مقر الجمعية العمانية للتصوير الضوئي، وقضيت بعض الوقت مع أعمال متنوعة لتشكيلة واسعة من المصورات العمانيات اللواتي عرضن نماذج من أعمالهن، تنوعت مواضيعها، وكان معظمها بين الاشتغال الخفيف لبورتريهات الأطفال بمختلف الأعمار من سن الرضاع إلى المراهقة، وبين الاشتغال الأعمق لاستغلال الصورة كعمل فني لإيصال رسائل فنية، فكرية، جمالية، مثلاً حول وضع المرأة ومشكلة التعاطي الاجتماعي معها (صرخة سجين، خلود المعمرية)، أو أعمال تجريدية تعمل على الصورة كموضوع ملهم (الجسد الواحد، أميرة المنذرية)، أو التحذير من الحداثة الشكلية المتضخمة كخطر يهدد بابتلاع بساطة الإنسان (خطر، رفيدة الجابرية)، أو إلقاء نظرة ثابتة، محايدة ظاهرياً، على أبواب مساكن العمال المتقشفة والفقيرة (توجد حياة بالداخل، الشيماء الجهضمية). وإلقاء نظرة متعمقة، سابرة، على إنسان العالم الخارجي، خارج الحدود العمانية (بعد العتمة، غالية الحجرية)
مجموعة مواضيع متنوعة عكست اهتمامات مختلفة وتوجهات فكرية متباينة بين المصورات العمانيات في التعاطي مع الصورة كمادة فنية أو كوسيط فني بين المصور والجمهور العام، مع ملاحظة للتأسيس التقني الجيد، الذي أعطى صورا احترافية متكاملة العناصر التأسيسية.
ما أثار انتباهي هو الخروج عن إطار استعمال الصورة كمرآة عادية للعالم، بالاشتغال الذاهب نحو تطويع الصورة لنقل عمل فني يحمل مضامين أغزر دلالة، ربما كان بعضها شائعاً، مثل الأعمال التي تناولت النظرة السوداوية للمرأة (ذنوب مستورة، إسراء الهنائية) (راحلون، ميثاء السنانية) وهي أعمال تمضي باتجاهين أحدهما نقد المجتمع الذي يحجز المرأة في إطار أسود ضيق والآخر نقد الذات الأنثوية التي تنصاع وتدافع عن الإطار الأسود، وهي تنتمي لأعمال مشابهة في كل مكان في العالم الإسلامي والعربي تقريباً تعمل على نفس الموضوعة ولم تشكل فرادة متميزة عدا تسجيل/ وتأكيد حضور نفس الهم الأنثوي لدى المرأة العمانية.
أما الأعمال التي تناولت صور الوجوه (البورتريهات) فلا يمكن أن نقول عنها الكثير، سوى محاولة التقاط البراءة الطفولية (هدوء، بتول الغافرية)، لكن يستوقفنا الاشتغال المتفرد/ الحديث الذي يذهب أعمق لخلق عمل فني من البورتريه مثلما في عمل (يأس، ريم الخيارية) أو للإلتقاطة القوية التلقائية المنعكسة من ملامح البنت التي تحمل أختها (بساطة الحياة، بلقيس الراشدية) مستندة على الشجرة، وهي واحدة من الصور التي أسرتني لصدقها وتعدد ألسنتها بين موضوعة الحياة، وعمانيتها، وقسوة عوامل الطبيعة الواضحة ملامحها على الفتاتين وخاصة الرضيعة، وبين الانعكاس الاجتماعي للفتاة التي تعتني بأخوتها في المجتمع العماني التقليدي، والانبعاث للماضي في الحاضر، والملابس والثياب غير المتكلفة والتي تعكس حالة كفاف وتقشف لكن مع الإصرار على الزينة، والفضاء الجغرافي للمكان الذي التقطت فيها الصورة.
بعض المصورات استثمرن الجانب التجريدي في الفن لتحرير الصورة من نمطيتها، (تجريد، شمسه الحارثية)، ومنهن من حاولن توظيف المشاعر (قاتل الطفولة، شذى الغمارية)، أو التعامل الشعري الأعمق والقبض على الثمين في الصورة (الوحدة، داليا البسامية)، أو الاهتمام بالحدث السياسي للأمة (غزة لن تموت أبداً، موزة التميمية)، أو الحضور الاجتماعي المعاصر للإنسان العماني (البائع، فاطمة الراشدية)، أو التقاط العادي في الممر اليومي وإبراز حضوره (انتماء، هبة الخروصية)، أو عكس النفس في المنظر البانورامي (الطريق الأسود، سارة الطائية) (راحلون، هند الحجرية) أو تصوير الحزن الصامت (حكاية صمت، يمنى السليمانية) ما جعل الأعمال الناتجة من تلك التجارب غنية المفردات، ثرية الانطباعات.
استوقفني أيضاً غياب صورة المرأة الإنسانة العمانية عن المعرض وعن جميع الأعمال المشاركة، فردياً أو جماعياً، وحل مكانها صورة يتيمة (أمجاد، خديجة البلوشي) لحشد من الرجال في رقصة شعبية مأخوذة من زاوية منخفضة تلتقط خلفية النخيل العالية والسماء، وتعكس الكثير من المعاني التحليلية، استغربت غياب الحضور النسائي فيما عدا صور البنات والفتيات، والتي كانت في شكل بورتريهات شخصية مثلما في صورة (سلمى، تهاني اللمكية) التي اختيرت كملصق للمعرض، وبقية الأعمال لا يزيد موضوعها عن حضور واحد أو اثنين، لكن محيط البيئة العمانية الأنثوية نفسه والمرأة العمانية سجل غيابه، المستغرب، عن المشهد وحلت محله صور من الأسفار لبورتريهات نساء شرق أسيويات (ملامح متعبة، هاجر البلوشية) (المرأة الغامضة، زهراء المهدية) أو ما تعبر عنه صورة (كان يا مكان، سارة الهنائية) الملتقطة من المتحف لبعض مفردات وأدوات الحياة القديمة، في ترميزٍ لافت.
خلق المعرض لدي تساؤلاً عن سر هذا الغياب للفضاء الاجتماعي اليومي للمرأة/ الأنثى العمانية، وطبعاً ستتعدد الإجابات. واستوقفني الغياب الآخر، المميز، عدا صورة (سمو، غدينة العيسائية)، والذي لا أعلم مدى تقصد تغييبه من صدفويته، للحضور الجغرافي العماني المعتاد الكثافة في أعمال بعض المصورين العمانيين المأخوذين بسحر الطبيعة والجغرافية المحيط.
هناك أعمال عانت فقر الوحدة، ولم تكن كافية وحدها لحمل رؤية المصور كاملة، مع أنها تحمل فرادة متميزة مثل صورة (أفريقيا تحلم، خلود البكرية) وصورة (وقل اعملوا، أسماء البداعية)، (وجوه مبعثرة، ثريا المعولية) (قصة، ثريا السليمية) (تجريد، ربيعة الحارثية) (نحو الهدف، ريم الراشدية) (نبض، رشا العبدلية) ويخاف المرء أن يظلمها بالابتسار لوجودها ضمن مجموعة متنوعة في معرض مشترك، فيما قد تخفي وراءها مشروعاً فنيا أكبر.
خانني طبعاً كتيب المعرض الذي لم أجد فيه كل الصور المشاركة، لكن التجربة نفسها كانت تجربة ممتعة للعين والفكر، وحماسية في آن واحد لقراءة أفكار وانعكاسات الضوء عبر عين العمانية في الصورة، في عصر من الواضح أنه يدفع الصورة لتذهب فيه أكثر نحو الحضور المتسيّد، لكنه يبشر عموماً بانتشار وقبول وتقدير الأعمال الفنية، متمنياً أن نشهد في الأعوام القادمة حضوراً أكثر فرادة وإبداعاً للمصور العماني والمصورة العمانية اللذين يعملان أكثر على إغناء صورهما بالإبداع الخلاق لإنتاج أعمال عظيمة تمسّ المفاصل الجذرية لحياتنا اليومية وتدفعنا باتجاه الانخراط والغوص أكثر، وأعمق، في بحرنا الحياتي.

الثالث والخمسون ثقافة وفكر

عن الكاتب

إبراهيم بن سعيد