مناجاة القلب في ليل بهيم

ثم مرت على مسامعي كلمات عتاب وانتقادات من بعضنا على بعض، وأخذ القلق يتردد فيمن نلوم؟ّ وأخذت الخيالات تريني أنواعا وأشكالا من حياتنا الحاضرة، وكأني بأناس فينا هم يكدحون ويزرعون ويحصدون ويجمعون ويخزنون، ولكنهم لا ينفقون ولا ينفعون ولا يضرون. وفوق ذلك تراهم جياعا ومعوزين. خيالات تشبه الحقائق، غير أن القلب يؤكد لي أنها حقائق لا خيالات، وأننا في ظلمة حالكة لا نرى فيها ولا نعتبر، وكأننا نمزق حياتنا بأظفارنا.

moon moonlight bird

في ذات ليلة من هذه الليالي السوداء عدت إلى منزلي مهموما منكسر البال لأمور كثيرة من أمور هذه الحياة، الحياة التي يعيش فيها عرب هذه البلاد عيشة تعبة بين ضيوفهم (الأجانب)، ضيوف يعدون كل عدة للقضاء على كل حقوق العرب، ضيوف لا يعرفون ما للمضيف من حق وحشمة وتقدير.

أخذت مرقدي والهموم والأفكار كانت تتسابق نحوي، وتحيط بالقلب والرأس، لمضايقة النوم الذي كان يقترب مني رويدا ليغمرني بلذاته فأستريح من آلام تلك الهموم والأفكار. عندئذ أخذ القلب يناجيني بشتى الأحوال (أحوالنا نحن العرب) وكأنه يقول لي:

لست أرضى بهوان أبدا * * * إن نفس الحر المضيم أبيه

وكأنه يحدثني عن العالم واضطراباته بالحوادث الجسام، وأن الأمم تتزاحم لنيل الحياة الطيبة، والدول العظام تتقاتل لأجل هذه الحياة. ويتراءى لي كأن العرب في غفلة مستمرة، أو في حصار بين هذه الأمم لا مفر منه، واستكانة تشبه الموت ومن حولهم زفرات وقهقهات، وأنين شيوخ وضحك شبان، غير أن هذا الضحك لا عن غبطة في الحق ولكنه كضحك المحكوم عليه بالإعدام. اللهم فارحم!

ثم مرت على مسامعي كلمات عتاب وانتقادات من بعضنا على بعض، وأخذ القلق يتردد فيمن نلوم؟ّ وأخذت الخيالات تريني أنواعا وأشكالا من حياتنا الحاضرة، وكأني بأناس فينا هم يكدحون ويزرعون ويحصدون ويجمعون ويخزنون، ولكنهم لا ينفقون ولا ينفعون ولا يضرون. وفوق ذلك تراهم جياعا ومعوزين. خيالات تشبه الحقائق، غير أن القلب يؤكد لي أنها حقائق لا خيالات، وأننا في ظلمة حالكة لا نرى فيها ولا نعتبر، وكأننا نمزق حياتنا بأظفارنا.

فمتى تنحسر عن أبصارنا هذه الظلمة يا رب؟ ومتى نعرف أننا محاسبون عن ضياع أخلاقنا وتدهور ديننا وقوميتنا؟ ومتى نعرف أن علينا واجبات لا بد من القيام بها مهما كلفتنا من نفس ونفيس لكي يطيب لنا العيش في هذه الحياة؟.

هاشل بن راشد المسكري

8 ربيع الأول سنة 1363 هـ

الموافق مارس سنة 1944 م

أدب العدد السادس

عن الكاتب

الشيخ هاشل بن راشد المسكري

مؤسس جريدة الفلق في زنجبار