نفي النسب نووياً

بقي الحديث عن الحمض النووي في كونه دليل إثبات ونفي، لا يمكن التنكر لهذا الدليل من الوجهة القانونية، فهو قد أصبح من الأهمية بمكان، وإن اختلف في مدى الاعتراف بقطعيّته دليلاً، على أن الأمر لا يرجع إلى قانون الأحوال الشخصية وحده، بل يرجع إلى المشرّع ومدى اعتباره الحمض النووي من أدلة الإثبات أو النفي، وربما لم يعتمد في القانون العماني لحداثته، فالأمر يحتاج إلى وقت، وعلى أقل تقدير إن لم يصبح عرفاً، فينبغي أن ينال الاعتراف به من قبل المشرع وفق آلية التشريع المتبعة لدى المجتمع الذي يعمل فيه القانون، وبعض الإجراءات القانونية تبدو بدهية لكثير من المشرعين إلا أنه يتحفظ عليها في بعض القوانين، وعلى كل حال هذا الأمر يتعلق بجوانب قانونية عامة أكثر منه بقانون بعينه.

paternity-artwork

نفي النسب نووياً


(رأي مع الرأي)

خميس بن راشد العدوي

نقاط اتفاق

مقال الكاتبة بسمة الكيومي “الحاجة إلى قراءة جديدة في قانون الأسرة: اللعان نموذجاً” الذي نشرته مجلة الفلق الإلكترونية من الأهمية بمكان، فقوانين الأحوال الشخصية لدى المسلمين محتاجة إلى إعادة قراءة وصياغة من جديد، وقد كان لي فرصة مراجعة قانون الأحوال الشخصية العماني منذ حوالي خمسة عشر عاماً، ويومها سجلت فيه بعض الملاحظات، حسبما أذكر أن تلك الملاحظات تصب في صالح الفقه التقليدي، والذي قد يحتاج إلى مراجعة قانونية وفق الوضع الحالي، بما يراعي حاجات الأسرة الآن، ويغذيها من إشباع نفسي يمتح من روح الشريعة الإسلامية.

اليوم؛ لو أنني أعدت قراءة هذا القانون من جديد لربما سجلت ملاحظات أخرى، إلا أنها فيما أزعم قد تخرج عن حرفية الفقه التقليدية إلى رحابة الشريعة واتساعها لمستجدات البشر.

من نافلة القول: إن هذا المقال يتفق في كثير من الآراء مع مقال الكاتبة بسمة، ولا أريد هنا أن أعدد كل نقاط الاتفاق، وإنما أقتصر من كلامها على ما يؤسس للفكرة التي سأتطرق إليها لاحقاً، وهي مع الاختصار وإعادة الترتيب كالآتي:

–       (أن القدسية لكلام الله وحده، وكل ما جاء من عند بشر فهو قابل للأخذ والرد).

–       (الأسرة المتحابة المستقرة هي النموذج القادر على تنشئة الأبناء تنشئة سليمة).

–       (الدور الحاسم الذي تلعبه الأسرة يستوجب من المشرع وقفة عند الظروف والأوضاع القانونية المحيطة بها).

أرجو من القارئ أن يستحضر هذه النقاط وهو يقرأ بقية المقال، لأن لكل نقطة دلالتها التي يستمدها المقال.

الجيد في اهتمام الكاتبة أنها تعمل على الجمع بين الشريعة والقانون، وتجعل توجهها في ذلك الاستمداد من روح الشريعة؛ وأقصد بالشريعة هنا النص القرآني الخالص والتطبيقات النبوية المفعلة للتشريعات القرآنية التي تمثل سيرته وهديه، وهذا ليس توجهاً فكرياً يفرضه الإنسان على نفسه –وقد يكون كذلك– وإنما متطلب معرفي لمن يعمل في حقل القانون في البلدان الإسلامية.

ومن يشتغل بالقوانين عندنا يلزمه إدمان القراءة في سوحها الثلاثة: الشريعة والقانون والفقه، ولست أقول هذا لقصور في مقال الكاتبة، فأثر اطلاعها واشتغالها في هذه الجوانب واضح في أكثر من صعيد وموقف، بيد أن التحريض على المعرفة هو من متممات المعرفة، فقد يجد المرء في مطالعاته ما يكفيه مؤنة التأسيس، فالعلم بطبيعته تراكمي، ومن يشتغل في القانون يعرف مدى أهمية أن يكون الرأي قد اكتسب قبولاً اجتماعياً، إذ القانون يجب أن يعبّر عن العقلية الجمعية للمجتمع والثقافة السائدة فيه.

اللعان ونفي النسب

قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) النور:6-9.

وفقاً لهذه الآيات البينات أردت أن أسلط الضوء على قضية العلاقة بين آيات اللعان ونفي النسب، ومقال الكاتبة المشار إليه نص على عدم وجود رابط دلالي بين الأمرين بقولها: (على الرغم من أن الآية القرآنية لم تشر إلى نفي نسب الطفل باللعان)، لكنه رجع بعد ذلك ليجعل من دلالات آيات اللعان الأمر الذي يجب تجاوزه لصالح إثبات النسب أو نفيه بالحمض النووي، وليقرر أن اللعان هو أمر ظني يجب تجاوزه لصالح القطع.

بيد أنه كان يكفي تقرير أن الآيات لم ترد في نفي النسب، وأن نفي النسب أمر فقهي –وعلى وجه من وجوه الفقه فقط– وليس حُكماً تقرر في القرآن، ثم تأتي برأيها الفقهي، وهذا غاية الحمد في التعامل مع القضية.

كل ما أتوخاه هنا هو عدم الخلط بين الشريعة التي هي وحي الله وحده وبين الروايات الحديثية والآراء الفقهية، وربما أوقعنا هذا الخلط في زمنية النص التي تعتبر النص القرآني رهين زمان التنزيل أو بُعيده، والصواب أن هذا ليس أمراً محدثاً كما يريد البعض أن يجعل منه شأناً علمانياً، بل هو أمر قديم منذ بداية تبلور النظريات الفقهية، والذي عُبّر عنه بالنسخ، وقد تم تطويره على يد الفقهاء، بحيث أصبحت العديد من آيات القرآن في عداد المنسوخ، ثم تطورت نظرية النسخ إلى نظرية المنفعة على يد الطوفي من المتقدمين ومصطفى شلبي من المتأخرين وغيرهما من الفقهاء، وأخيراً تطور الأمر إلى زمنية النص على يد بعض المفكرين المعاصرين، وهذه النظريات كلها ساهمت في زحزحة النص القرآني بعيداً عن واقع الحياة، وهي تمثل سبباً من أسباب شكوى الرسول من هجران القرآن: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) الفرقان:30.

في إيماني؛ النص القرآني هو إلهي التنزيل قائمة أحكامه مدى الزمن، فهو مكتنز بالمعاني والدلالات والتأويلات التي يفجرها المستنبط بما يمتلك من أدوات التأمل والاستنباط والتدبر، ولا يقتصر ذلك على “علم الآلة” القديم، بل يشمل مع ذلك مناهج علمية توصل إليها الإنسان المعاصر كعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم تحليل النص، وهو ما يمكن أن يدخل فيما أسميه “علم الآلة الحديث” بالنسبة للفقه المعاصر، وهنا علينا أن نقرر جملة أمور:

–         آيات اللعان قائمة كما هي، وعلينا أن لا نخلطها بدلالة أخرى كنفي النسب.

–     آيات اللعان جاءت في أمر محدد وهو فيما إذا وجد الرجل امرأته قد أدخلت رجلاً أجنبياً في فراشه، وهذا –عادة– لا يمكن إثباته بأداة الإثبات المعروفة في الزنا، وهي أربعة الشهود، كما لا يمكن للرجل أن يتجاوز هذا الفعل عن زوجته، فما هو الحل؟ ليس من حل إلا أن يكون اللعان بينهما، حتى في هذا الزمان لا ينفع التصوير لإثبات الحكم قانوناً، لسهولة التزوير.

–    وفي آيات اللعان ملمح أخلاقي وتشريعي؛ حيث جعلت أداة الشهادة واحدة بين الرجل والمرأة، أما قوة الشهادة فكانت لصالح المرأة، إذ نفيها هو المعتمد في قبالة إثباته.

–    إذن ليس الظن في مقابل القطع، فهذه قضية ولها قانونها، وتلك قضية أخرى ولها قانونها، إن ما تراعيه الشريعة هنا هو الستر العائلي والحفاظ على أسرار البيوت، وهو ما يتحقق في الوسيلة المتروكة بيد صاحبي العلاقة.

–    كما أن هذه الآيات تلفت نظرنا إلى آلية الطلاق الشائعة في إيقاعه بأي طريقة كانت، فلو كان الأمر كذلك في القرآن لما احتاج الزوجان إلى حل لمشكلة التعدي على فراش الزوجية بطريق اللعان، ولكان يكفي أن يوجه الرجل إلى تطليق زوجته وانتهى الأمر.

 

مع مواد قانون الأحوال الشخصية

وإذ تقرر أن اللعان جاء –قرآنياً– لمعالجة علاقة زوجية تلابست بتهمة الزنا ولم يأت في شأن نفي نسب الولد، فعلينا أن ننظر في المادة78 من قانون الأحوال الشخصية التي تقول:

(اللعان: أن يقسم الرجل أربع مرات بالله أنه صادق فيما رمى زوجته به من الزنا، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. وتقسم المرأة أربع مرات بالله أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين).

وهذه مادة تعريفية، وقد فُصلت أحكام متعلقة باللعان في المادة 79، والتي نصت على:

(أ. للرجل أن ينفي عنه نسب الولد باللعان خلال شهر من تاريخ الولادة أو العلم بها، شريطة أن لا يكون قد اعترف بأبوته له صراحة أو ضمناً وتقدم دعوى اللعان خلال شهرين من ذلك التاريخ.

ب. يترتب على اللعان نفي نسب الولد عن الرجل، ويثبت نسب الولد ولو بعد الحكم بنفيه إذا أكذب الرجل نفسه).

لاحظوا هنا أن مستند  المادة 79- التي تتعلق بنفي النسب- هي المادة78، والتي هي منتزعة من القرآن، إذن ليس الفقه ولا حتى الرواية هي المصدر الشرعي للمادة 79 ، بل القرآن عند مشرّع هذه المادة، ويبدو لي وجود تداخل في تشريع هذه المادة، فالآيات القرآنية لها دلالات مختلفة تماماً عن إلزامات المادة 79.

وبالإضافة إلى ذلك توجد ملاحظة أخرى على المادة79 هي أنه يترتب تلقائياً على اللعان نفي النسب (يترتب على اللعان نفي نسب الولد عن الرجل)، وهذا يجعل الرجل إن وجد الجرم بين أمرين، إما الملاعنة فينتفي الولد عنه، وفي هذا مشكلة أسرية وإشكال بحق الولد معاً، وإما أنه يسكت عن أخذ حقه في الاعتداء على عرضه وأسرته، وهذا إشكال لا يقل عن الإشكال السابق.

ومن هنا للكاتبة بسمة الكيومي وغيرها –فيما لو أرادوا ذلك– أن يناقشوا في مضمون هذه المادة (م79) لما تثيره من إشكالات قانونية وأخلاقية وأسرية لأكثر من أمر، وليس أن ينقدوا دلالات آيات اللعان بأنها غير صالحة لهذا الزمان.

الحمض النووي ونفي النسب

دائرة الفقه واسعة، تشمل البحث والرأي والفتوى والأحكام القضائية، وكلها مثرية للقوانين المعاصرة، ليست فقط بالنسبة للمسلمين، وإنما أيضاً لبعض القوانين الأخرى، بما فيها القانون الفرنسي أبو التقنين المدني المعاصر الذي استفاد في أوجه منه من الفقه الإسلامي، وقبل سوق الرأي الفقهي أرجع إلى ما تنادي به الكاتبة بسمة من العدول عن اللعان إلى الحمض النووي في نفي نسب الولد، فأقول:

– إن نفي نسب الولد ليس مقصداً شرعياً، فإن كان اللعان لا يعد مصدراً شرعياً للقانون في نفي النسب فكذلك الحمض النووي، لأن الشرع في نظري بعيد عن هذه المزايدة في الأنساب، فالإسلام يرفع من شأن الأسرة، ولا يعرضها إلى أي زعزعة، فبما أن الزوجين في فراش واحد مدة من الدهر، فهل يسوغ أن تهدم الأسرة بالشكوك، فيلجأ إلى الكشف عن الحمض النووي ليثبت الولد أو ينفيه، ولو سلّمنا باختلاف طبيعة الحمض النووي بين الرجل وولده، فعند اكتشاف هذا الأمر، فما مصير الولد بعد ذلك؟ وماذا يكون حاله عندما يكبر بدون أب يعرفه؟ وقد أصبح معروفاً أمره في المجتمع وبين الناس؟!.

ويصح أن يقال: إن فحص الحمض النووي يفتح (الباب للتلاعب بمصير الأسرة واستقرارها وطمأنينتها لمن تغلبت عليه شكوكه وظنونه).

وأنا هنا مع (المعترضين على فحص الحامض النووي) الذين (يؤسسون اعتراضهم على الخوف من فتح الباب أمام الناس للطعن والتشكيك في الأنساب)، لكن دون اعتماد اللعان لنفي نسب الولد، وإنما عدم فتح المجال لنفي النسب، حتى لا يحدث التلاعب وتهدم الأسر ويحطم كيان الأولاد، اللهم إلا في أضيق الحدود التي لا يمكن أن يتصور فيها أي شبهة إمكان أن يكون الولد ابن “أبيه”.

وقول الكاتبة: (وهذا إشكال يمكن حله عن طريق وضع ضوابط إجرائية وشروط لمن أراد إجراء الفحص، وفرض عقوبات رادعة جزائياً ومدنياً لمن أجرى الفحص وثبت خطأ ظنه)، إذن ما الغرض من إجراء الفحص إذا كان سيعاقب مَن (ثبت خطأ ظنه)؟!.

يبدو لي أن الرواية المرفوعة إلى النبي الكريم: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) أقرب رحماً إلى الوئام الأسري وأقرب رحمة بالولد، فالولد يلحق صاحب الفراش؛ أي زوج المرأة، أما ذلك الذي حمله عهره على أن يتسور مضاجع الناس فليس له إلا الحجر، وهو كناية عن رجوعه بالخيبة والإفلاس والعقاب.

أليس من الأفضل أن تحتوى الأمور بالستر، وأن ينسب الولد إلى الرجل الذي كانت المرأة في عصمته، بدلاً من هدم البيوت وتشتيت الأسرة وتحطيم كيان الولد.

 

وفي الفقه رأي آخر

وإذا أتينا إلى دائرة الفقه فكما قلت إن الفقه من السعة يحوي الرأي وخلافه؛ بحسب منهج المستنبط والظرف الذي يعيشه، ولذلك ما يعنينا هنا إنصاف الفقه؛ من أنه ليس كله واقفاً مع نفي النسب باللعان.

وبما أننا نتكلّم عن قانون الأحوال الشخصية العماني، فدعونا نبحث في الحقل العماني، وليكن كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين للعلامة القاضي خميس بن سعيد الشقصي، وتكمن أهمية هذا الكتاب كون مؤلفه هو رأس السلطة القضائية، وهي ذاتها التي كانت تتولى التشريع وفقاً للنظام القانوني المعمول به في عهد دولة اليعاربة، وكتابه هذا يمثل الفقه الذي تطرحه أعلى سلطة قضائية، ويمثل المعمول به من أحكام القضاء في مختلف أرجاء هذه الدولة الضاربة القوة والانتشار، فما الذي يطرحه الشقصي من آراء حول إثبات الولد عن طريق اللعان؟.

جاء في [منهج الطالبين، ج9، ص95، ط مكتبة مسقط]:

(وإذا تزوج الرجل المرأة فولدت لستة أشهر فإن الولد للزوج، فإن رماها وانتفى من الولد لاعنها والولد ولده؛ طائعاً كان أو كارهاً، ولها مهرها كاملاً، ويفرق بينهما).

(وقال أبو عبدالله رحمه الله: إذا جاءت امرأة بولد، وقال زوجها: إنه ليس مني. فلا لعان بينهما بذلك، حتى يقول: هذا ولدك من زنا. فإذا قال هذا فبينهما اللعان.

وسئل عن ميراث ولد الملاعنة، قال: إن كان دخل بها فالولد ولده، وميراثه لعصبة أبيه.

وإما إن لم يكن دخل بها فالولد لأمه، والميراث لعصبة أمه).

يبدو من النصوص الفقهية السالفة الآتي:

–       اللعان يتعلق بالزنا، ونتيجته التفريق بين الزوجين.

–       إن كان يمكن أن يكون الولد من الزوج (فولدت لستة أشهر) فالولد ولده.

–       اللعان لا يؤثر على نسب الولد.

–       يحكم بلحوق الولد بالزوج (طائعاً كان أو كارهاً).

–   اللعان لا يؤثر على الميراث بين الرجل والولد، إلا إذا تعذر من الأصل إمكان أن يكون الولد ولده، كأن لم يدخل الرجل بالمرأة أصلاً.

بل تتسع دائرة بعض الفقه في إثبات نسب الولد، ولو كان من طريق الزنا إن كانت المرأة لا يأتيها إلا الرجل وحده، على بعض أقوال الفقهاء، وهو أشد من اللعان:

(ثم اختلفوا في الإقرار بالولد من الزنا.

فقول: يجوز الإقرار بالولد من الزنا؛ لأنه ولد، ويجوز به الإقرار.

وقول: لا يجوز الإقرار بالولد من الزنا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش، وللعاهر الحجر.

وقول: يجوز إقرار الرجل بالولد من الزنا إذا لم يكن للمرأة زوج.

وقول: إذا كانت المرأة معروفة بالسفاح لم يلحق ولدها بأحد، لأن منبت الولد مباح.

وأما إن كانت متخذة خدناً منقطعة إليه لحقه الولد، لأن الخدن غير المسافحة، وإن كان كله حراماً لقول الله عزَّ وجلَّ: (غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ).

(وإن اجتمعت امرأة ورجل على الحرام، إلى أن ولدت منه، ولم يكن بينهما تزويج، من أول أمرهما إلى آخره، ويظهر إلى الناس أنه تزوج بها، وولدت منه على هذا الاجتماع، فهو لاحق بأبيه). [منهج الطالبين، ج9، ص81].

وهذه بتقديري نظرة اجتماعية متقدمة بشأن نسب الولد، فما جرم الولد أن يكون ابن زواج شرعي أو زنا، أن يحرم من نسب أبيه، أليس من الأفضل إنسانياً أن ينتسب هذا الولد إلى أبيه، ولو جاء بطريق الزنا، وعلى الرجل والمرأة أن يتحملا عاقبة جرمهما وفعلتهما الشنيعة دون أن يسري ذلك إلى ولدهما.

الحمض النووي والقانون

بقي الحديث عن الحمض النووي في كونه دليل إثبات ونفي، لا يمكن التنكر لهذا الدليل من الوجهة القانونية، فهو قد أصبح من الأهمية بمكان، وإن اختلف في مدى الاعتراف بقطعيّته دليلاً، على أن الأمر لا يرجع إلى قانون الأحوال الشخصية وحده، بل يرجع إلى المشرّع ومدى اعتباره الحمض النووي من أدلة الإثبات أو النفي، وربما لم يعتمد في القانون العماني لحداثته، فالأمر يحتاج إلى وقت، وعلى أقل تقدير إن لم يصبح عرفاً، فينبغي أن ينال الاعتراف به من قبل المشرع وفق آلية التشريع المتبعة لدى المجتمع الذي يعمل فيه القانون، وبعض الإجراءات القانونية تبدو بدهية لكثير من المشرعين إلا أنه يتحفظ عليها في بعض القوانين، وعلى كل حال هذا الأمر يتعلق بجوانب قانونية عامة أكثر منه بقانون بعينه.

ختاماً؛ لم يأتِ هذا المقال نقداً لمقال الكاتبة بسمة الكيومي، بل ليصب فيما أرادته للأسرة من (الظروف القانونية الملائمة التي تحفظ حقوق أفرادها وتنظم العلاقة بينهم… في جو تسوده المودة والرحمة والاستقرار).

العدد الرابع ثقافة وفكر

عن الكاتب

خميس بن راشد العدوي

كاتب ومفكر اسلامي