خطاوي الطير: هنا القاهرة

كتب بواسطة خلفان الزيدي

 تعرض الفلق هنا أحد فصول كتاب “خطاوي الطير” (2013م) للكاتب والصحفي خلفان الزيدي، والذي يُصنف على أنه من أدب الرحلات حيث يعرض الزيدي في 292 صفحة من القطع المُتوسط ذكرياته وانطباعاته عن العديد من المُدن العربية والأجنبية.  والكتاب صادر عن عن مؤسسة بيت الغشام للنشر والترجمة.

 

 

أعترف في البدء أن عشقي لهذه المدينة أنطلق من الزخم الكبير الذي شكلته في ذاكرتي، كانت القاهرة حاضرة في وجداني، تلح علي زيارتها ومعاودتها، وهي التي ظلت لأمد بعيد، غائبة عن حضوري لها، ومجالستها، ولذلك فحين واتتني الفرصة كانت اقدامي تتسكع في شوارع القاهرة، وتجوب دروبها وأزقتها، وتقتحم مكامن العشق لأمكنة وشخوص طالما عرفتها الذاكرة قبل ان تصل اليها، فمن خان الخليلي إلى حي السيدة زينب والمتحف الوطني، وحي سيدنا الحسين، ومقاهي النيل وشارع الهرم ومدينة نصر وجامعة القاهرة وبرج القاهرة والنادي الأهلي وميدان التحرير وجميع الأسماء التي حفظتها، وتعايشت معي لتشكل جزءا من ذاكرتي، كنت أريد أن أصل إلى كل شيء أعرفه، والتهم ما فيه من تفاصيل وأشبع الروح وهي تسابقني لسكب عبارات العشق والهيام لمحبوبة لم تكتحل العين برؤيتها امدا طويلا.

 

***

هنا القاهرة.. العبارة التي حفظناها عن ظهر قلب، ونحن نبحث بين الترددات والذبذبات عما يشبع نهمنا ويلبي رغبتنا في امتطاء صهوة المعرفة لما يحيط بنا، ويلفنا بأحداثه المتسارعة، وبين هذا وذاك، يأتينا هذا الصوت، يجر خلفه نغمات تعانق القلوب، وتروي عطش العشاق، بكلمات تعبر عن البعد والاشتياق: بعيد عنك حياتي عذاب.. بعد الصبر ما طال.. البعد علمني السهر.. البعد طال.. بعدت عنك بخاطري، وكم كان الصوت يهزنا حينما يردد على أسماعنا.. على بلد المحبوب وديني.. ثم يتناهى إلينا صوت.. على باب مصر تدق الأكف ويعلو الضجيج.. رياح تثور جبال تدور بحار تهيج.. فتشتاق انفسنا أكثر لمعانقة بلد المحبوب والجلوس على ضفة النيل نردد مع الصوت الهامس لقلوبنا وللحبيبة الماثلة في شخوص الذاكرة.. يا مصر يا وطن العروبة يا منار الثائرين يا مهد كل حضارة يا دار كل الخالدين.

كنا نعرف عبارة (هنا القاهرة) ونعرف معها كلمات اخرى تشكل معاني لشخوص وامكنة وتفاصيل نكاد نكون جزءا منها وتكون جزءا منا.. كان النيل ينساب في ذاكرتنا.. ويختال وهو يبحر بالعشاق يأكلون (الترمس) ويتلذذون برومانسية الكلمات، وخفقات القلوب.. يعلن ميلاد حب اَخر يولد من رحم القاهرة.

 

***

في المطار لاحت لي عبارة تترصع بها جميع مداخل مصر.. (ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ) عبارة قرآنية كريمة تدلل اعجازا تجاوز الزمن بأزمنة طويلة.. واعطى صفة لازمت مصر لأمد بعيد.. وتلك نعمة أخرى وهبة الخالق عز وجل لمصر بعد هبة النيل.. عند بوابة الوصول أقترب مني احدهم أسمعني بضع كلمات ترحيب وتبجيل: نورت مصر يا بيه.

ـ منورة باهليها.

ـ أنت من فين يا بيه؟

ـ أنت تفتكر من فين أنا أكون؟

ـ والله يابيه شكلك بيقول أنك من السعودية؟

ـ لاه.

ـ طب من…. ؟؟

ـ لاه.

ـ من….؟

ـ لاه.

ـ حيرتني يا بيه..‍‍‍‍‍‌‌‍‍!

ـ أنا من المشرق العربي.

ـ أجدع ناس يابيه.. والله حبايبنا.. أنت قلت من فين يا بيه؟؟.

 

***

ولا يتوقف الحديث، فكل من يأتي مصر، ومن يدخل في حوارات هنا، هم أجدع ناس، وأحلى ناس، ولا يتوقف المدح والتبجيل في شخصك، حتى تصل إلى وجهتك المقصودة.

واعترف مرة اخرى ان وجهتي في القاهرة وأن كانت محددة سلفا وقصيرة إلى حد ما، الإ ان الأسماء المألوفة تضاربت في ذهني.. ايهما احتفي به أولا؟.. أي الامكنة تطؤها قدمي قبل الأخرى؟.. قلت لسائق سيارة الاجرة: خذني على خان الخليلي وعلى السيدة زينب وعلى ميدان التحرير وفرجني على كوبري النيل وعلى…..

ـ حلمك عليّ يا بيه.. هو أنت عايز تلف مصر في ساعة.. ما تنزل في (أوتيل) أول وبعدين تشوف المشوار اللي عايز تروح له.

ـ طب وديني على شيرتون رويال جاردنز في شارع الهرم.

ـ أمرك يا بيه.

كان شارع الهرم.. كما عرفته الذاكرة.. وهي تجوب مع أبطال (السيما) سهراتهم ولقاءاتهم.. وتعايش حكاياتهم.. مكتنزا بتفاصيل لا حدود لها، ولا امد يتسع لاستيعابها، كان الشارع جزءا من القاهرة.. مفتوح الأعين، لا يغمض له جفن، أو ترمش له اغفاءة، حاله كحال المدينة، لا تكف عن الحياة ليلا أو نهارا، تظل تنبض بالضجيج وأصوات البشر المتداخلة مع آذان المساجد وأجراس الكنائس، ومع الباعة وهم يجرون عربات محملة بصنوف متعددة من احتياجات البشر، المدينة التي طالما كانت معانقتها والتماهي في دروبها وأزقتها، جزءا من حلم مشروع تتوق النفس إليه وتهفو كلما جال في الخاطر رسمها أو ترددت على الاسماع أسمها.. هي الآن تتشكل أمامي.. وتتوقد بالحضور.. وتفتح ذراعيها للقادمين.

 

***

قال لي موظف الفندق وهو يهم بأخذ أمتعتي إلى الغرفة المستأجرة: إن فندق رويال جاردنز أو الحدائق الملكية يمثل في الاساس فيلا الفنان الشهير يوسف بك وهبي، وتم تجديدها أخيرا وتدعيمها بأحدث الامكانيات في مجال الفنادق والضيافة بحيث تكون من أهم المقاصد السياحية في العالم.

ومضى يشير إلى مطعم ينبعث منه صوت فيروز: هذا المطعم أقيم مكان مسرح يوسف بك وهبي الذي أقامه بجوار فيلته التي عاش فيها ليباشر عمله المسرحي.

وفي الفيلا التي مازالت تحتفظ بشكلها القديم حيث سقفها المثلث وسلمها الخشبي الداخلي كانت صورة يوسف وهبي معلقة على الحائط تستقبلك عند دخولك إليها وتعيش معه ليلة كاملة مع التحف والمرايات والاثاث الذي كان يهتم بجمعه على ذوقه الخاص، كانت الفيلا وأنا أناظرها تستذكر الأيام الجميلة التي مرت بها، حيث كانت أبدع نصوص المسرح تبزغ على الخشبة، وتحاك روائع السينما.. ويلتقي رجال الفن والأدب، يتسامرون ويتداولون النقاش، حتى إذا ما انفض اللقاء، ولد من رحمه نص ابداعي يجسده عملاق المسرح العربي ونخبة من النجوم تلألأت بتوهجهم خشبة المسرح.

قضيت برهة من الزمن متأملا الفندق والفيلا والمسرح الذي صار مطعما، وما حولهما، حتى اذا ما نازعتني النفس وشدتني للإبحار في دروب القاهرة، وجدتني أنحشر في سيارة أجرة، وكان خان الخليلي هو وجهتي هذه المرة..

 

***

لماذا خان الخليلي؟، لم أكن ذاتي أملك اجابة لهذا السؤال، لكن ربما الرغبة في استكشاف عوالم نجيب محفوظ أمير فن الرواية بلا منازع في الأدب العربي الحديث ربما هي دفعتني إلى ذلك، كنت مغرما بروايات محفوظ ديوان الحياة المصرية الحديثة، تلك التي تألفنا معها وغصنا في احداثها وعايشناها كما نعايش ذكريات طفولتنا، فمن رائعته الباكرة خان الخليلي، إلى الثلاثية، وزقاق المدق، وبداية ونهاية والكرنك، وقلب الليل.. تطول القائمة، حتى اذا ما نزلت مصر بدأت تسأل عن الأزقة والدروب والشخوص النوبلية، وكحال من ينزل المحروسة، اخترت الخليلي لتكون وجهتي المفضلة، وفي خان الخليلي تجولت في الأزقة وبين الدروب الضيقة، والبوابات الشهيرة، والمقاهي الشعبية، وجلست على مقهى الفيشاوى مجاورا لأساطين الأدب والفن نجيب محفوظ وكامل أمين وفريد الاطرش ومحمود المليجي وكمال الشناوي وفايزة أحمد، متأملا ما يفيض به المكان من روحانية، ويجسده من اتقان لصناعات اَخال إنها اندثرت، إلا في هذا المكان، حيث كانت تتشكل بخصوصية تحمل رائحة مصر القديمة، من صناعات الحفر على الخشب وأشغال الأرابيسك اليدوي وتطعيم الخشب بالصدف والنقش على النحاس والفضة والتماثيل والتمائم الفرعونية إلى مشغولات الرسم على أوراق البردي والزجاج الملون والمشغولات اليدوية من الحلي والعقود وكذلك المطرزات.

 

***

كانت المحروسة باختصار هي الصورة الحية للمواطن المصري، أو الحياة المصرية بكامل أفراحها وماَسيها، وبكلّ فضائلها ونقائصها، السعي المضني نحو الرزق، والعمائم الحمر المزدانة على رؤوس طلبة العلم في الازهر الشريف، وعربات الفول، ومكتبات العلم والمعرفة، والصناع المهرة، ورجال المقاهي، الكل هنا يعيش حياته بعيدا عن صخب مصر الجديدة، رغم انه لا يبعد عنها سوى دقائق معدودة.

كانت منارة مسجد سيدنا الحسين تتلاقى في الافاق الرحبة، مع منارة جامع الازهر الشريف، الأزهر رمز مصر والمصريين الذي قاد نضالهم الوطني ضد الطغاة والمستعمرين.. والقلعة العلمية المتميزة لتعليم علوم الدين واللغة وعلوم الدنيا والجامعة العريقة التي تخرج افواج العلماء والدعاة.. كانت الصورة بهية في ابدع ما تكون.

وكان الجو غائما في تلك اللحظات، ونسائم المطر البارد تهب علينا، وتدفعنا للتّدثر بصوت بديع لقارئ شاب يجّود القراَن الكريم، كأحسن ما يكون التجويد و التلاوة، ومن هنا وهناك كان السياح والزوار يتنقلون ليلتقطوا مشهدا قد لا يتكرر في مكان اَخر.

ولجت إلى مسجد سيدنا الحسين، ومنه إلى داخل الحجرة التي قيل لي ان رأس الحسين بن علي يرقد هنا، ويهل بركاته ومكرماته على زوار الحجرة وعلى المصلين، ورغم ما تحمله الحادثة من إبهام، تجترنا للبحث في أغوار التاريخ ونبش فتن خمدت نارها، وتضع تساؤلات عما إذا كان رأس الحسين في هذه الحجرة، أم في المسجد الأموي في دمشق، أم في كربلاء، أم…؟؟، ووجدتني أنفض هذه التساؤلات، وأندس في أوهام وتخاريف العادات والمعتقدات البالية.. وأنضم إلى الجموع المستغيثة، طالبة العون والمساعدة، راجية رفع العوز والمعاناة، ودفع البلاء والمصائب، مع الجموع كنت ألف حول المثوى، وأرتجي البركات.. علها تهل عليّ في هذا المقام.

 

***

وتركت الحسين.. تركت الفيشاوي والأزهر والقلعة، لكن المحروسة لم تتوقف عن الحياة، فقد ظلت تنبض حتى الصباح الباكر، وذلك حالها في كل يوم، وفي كل حين، ومنها كانت الرحلة إلى أحد اكبر ميادين القاهرة، وأشهرها على الاطلاق، ذلك هو ميدان التحرير، حيث مجمع التحرير الشهير الذي جبناه مع عادل امام في فيلمه الشهير (الارهاب والكباب)، وتخيلنا كّم البشر الذين يعودون هذا المجمع يوميا، وهناك حيث مبنى جامعة الدول العربية، بيت العرب، ومكتبة مدبولي وبنك مصر ومقاهي الرواد، واتحاد الادباء والكتاب، وملتقياتهم على المقاهي وأخيرا المتحف المصري، كان ميدان التحرير رمزا للنضال والتضامن العربي للشعب العربي في مصر مع قضايا أمته وهموم وطنه، وكم طافت هذا المكان المسيرات، وتعالت النداءات الوطنية الرافضة للهيمنة والاستعمار، والداعية إلى تحرر الشعوب، واعطائها الحرية الكاملة في انتهاج الحياة التي تودها.. متسائلا في قرارة نفسي وانا في قلب الميدان.. هل لذلك حمل أسم التحرير؟.

وأعود من ميدان التحرير لأقدم نظرة هي اشبه ما تكون بخاتمة رحلتي، حيث يشمخ برج القاهرة في حديقة الزهرية بالجزيرة، في المصعد قال لي أحدهم، أن برج القاهرة يعد أعلى برج سياحي في العالم مبني من الإسمنت، يبلغ طوله 187 مترا، ويتألف من 61 طابقا، يضم في احد طوابقه مطعما راقيا، وقام بتصميمه المهندس نعوم شبيب الذي اشرف على انشاء مبنى جريدة الاهرام في شارع الجلاء، وتم افتتاحه في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، من أعلى البرج كانت القاهرة تبدو كقطعة فنية رسمها فنان عبقري، يجوبها النيل، كالدم في الوريد، فتتجدد الحياة، وتواصل ديمومتها، واستمرارها، من هناك من الأعلى كانت دار الاوبرا تلوح بروائعها الاستعراضية، وكان النادي الأهلي حاضرا هو الأخر بمشاكساته وصولاته مع الزمالك، وكانت الاهرام من بعيد تلوح هي الأخرى في سقارة وفي الجيزة، وفي الاتجاه الأخر قلعة صلاح الدين، أنضوت تحرص مدخل القاهرة الشرقي، وبين هذا وذاك كان النيل يختال زاحفا بين أحياء مصر القديمة والجديدة، ومعه كان كل شيء حاضرا، هناك.. وصورة خلف صورة تتوالى.. دون أن أشعر بجريان الأيام التي مضت سريعا، وكأني طفت القاهرة دون أن أشبّع عيني مما حوته، فثمة معالم كثيرة لم تسنح لي الفرصة لزيارتها، فقط كنت أتنسم روائحها من البعيد.. وألقي عليها السلام.. سلام العشاق والمحبين.. وأعدها وهي متشبثة بي أن أتيها في يوم أخر.

وفيما الساعة كانت تشير إلى الخامسة فجرا، كان سائق سيارة الاجرة يمخر بنا شوارع القاهرة، إلى المطار، كان كل شيء يقظا في تلك الساعة، ربما لأنه لم ينم بعد، ولا يود ذلك، فثمة احباب، قادمون سيستقبلهم، وستلامس أسماعهم عبارات الود والترحاب.. نورت مصر يا بيه، وحينما يواجه القادم باستفهام عن بلاده، وجنسيته، يأتيه الرد سريعا وحاسما لا لبس فيه: أجدع ناس والله يا بيه.

أدب الرابع والأربعون

عن الكاتب

خلفان الزيدي