واقع الصحافة العمانية

لذا أصبحت صحافتنا اليوم وبعد أربعين عاماً صحافة مدللة تقبع في أحضان الدولة، ولم تستطع الخروج من شرنقة التمجيد وتعظيم أفعال الحكومة وتقديس سلوكيات المسؤولين ، بل غدت غير قادرة على طرح المواضيع المعقدة التي تلامس واقع المجتمع العماني بأسلوب شفاف وبطريقة ناقدة حتى تخدم مسار العمل الحكومي وتصحح بعض الأحداث الجارية في المجتمع.

broken pen

واقــــع الــــصــحـــافـــة الـــعـــــمـــانـــــيــــة


هيثم بن سليمان البوسعيدي

خروج الصحافة العمانية إلى النور لم يرتبط بسبعينيات القرن الماضي، بل إن ميلادها سبق ذاك التاريخ بفترات طويلة حيث ظهرت صحف ثقافية ومجلات سياسية كالفلق والإصلاح والأمة والمرشد في أماكن متفرقة خارج حدود الوطن.

كانت تلك الوسائل الاعلامية تمارس أدواراً هامة من خلال تشريح الواقع العماني بكل تفاصيله، بل إنها تناولت هموم الوطن في أغلب أنشطتها الصحفية وتطرقت إلى قضايا المواطن وخاضت معارك شرسة ضد ممارسات السلطة السياسية.

أما عام 1970 فقد شكل منطلق مهم لولادة كثير من الصحف التي استوردت كثير من المثقفين والكتاب ” كالوطن ” فقد كانت إطروحاتها في البدء تتسم نوعا ما بالجرأة والشفافية ليتلاشى ذلك الأمر تدريجياً برحيل المؤسس الأول للجريدة مما أدى إلى غياب النهج التطويري الذي كان مخططاً له أن يتكامل مع مهمة الصحافة الحقيقية.

وعبر العقود السالفة فإن خفوت تأثير الصحف على الرأي العام وتهاوي حضورها في المشهد العماني جاء نتيجة طبيعية لضعف الإمكانيات المالية وتدني مستوى الاستقلالية عن سلطة الدولة المتمثلة في وزارة الاعلام، مما أسفر عنه حالة من التراجع لدى هذه المنابر الحديثة عن أداء دورها الحقيقي والذي يسعى دائما نحو تحريك المياه الراكدة وفتح المجال لمختلف الآراء المعارضة والعمل على المشاركة الفاعلة في صناعة القرار داخل المجتمع العماني.

لذا أصبحت صحافتنا اليوم وبعد أربعين عاماً صحافة مدللة تقبع في أحضان الدولة، ولم تستطع الخروج من شرنقة التمجيد وتعظيم أفعال الحكومة وتقديس سلوكيات المسؤولين ، بل غدت غير قادرة على طرح المواضيع المعقدة التي تلامس واقع المجتمع العماني بأسلوب شفاف وبطريقة ناقدة حتى تخدم مسار العمل الحكومي وتصحح بعض الأحداث الجارية في المجتمع.

من جانب آخر، فإن الصحافة الحالية فشلت فشلاً مدوياً في تكوين حراك تنافسي يستنهض الكفاءات الإعلامية أو المؤسسات الصحفية وسط بيئة إعلامية لم تتمكن من الوصول إلى مبدأ الموازنة بين مفاهيم الحرية ومصطلحات المسؤولية، كما إنها لم تستفد أيضا من الثورة المعلوماتية والوسائل الالكترونية بحيث لازالت تستمر في نشر خطاباتها الورقية بدون انتاج أخبار حديثة أو صناعة تحليلات مستقلة عبر النسخة الإلكترونية.

هذه التحديات الصعبة التي تواجه الصحافة الورقية يقابلها على الضفة الاخرى ظهور ملامح ” الصحافة الرقمية ” التي بدأت بالتكوين بعد ثورة المنتديات الالكترونية حيث اقتربت بنسبة معينة من تفاصيل الواقع العماني، لكن هذه الصحافة تنتظرها عشرات العثرات والحواجز ولن تزداد مساحة وجودها على أرض الواقع ولن تتصاعد ارصدتها في قلوب القراء ما لم يتزامن ذلك مع وجود جهود جماعية متضاعفة وقدرة تنظيمية مميزة تمكن إدارات هذه الصحف من امتلاك الأدوات المناسبة والإستناد على الخبرات الواعية في عملية إدارة الحدث وتحليل الخبر.

في النهاية فإن احتضار الصحافة الورقية واستمرار الوضع الإعلامي الحالي كما هو يعتبر مؤشر قوي نحو عودة الصحافة العمانية المهاجرة التي ستسعى مستقبلا لاستقطاب الأقلام الفذة والمشاركة في صناعة مشهد عماني أكثر مصداقية يعمل على تحليل الواقع الموجود وتجريده من كامل سلبياته واخطائه.

بقلم هيثم البوسعيدي

Haitham_sulieman2020@yahoo.com

العدد الثالث ثقافة وفكر

عن الكاتب

هيثم بن سليمان البوسعيدي

كاتب عماني