المحامية بسمة الكيومي: أكتب دفاعًا عن حقّي!

لـ

#أكتب_دفاعاً_عن_حقيّ

 

أنا، المحامية بسمة الكيومي، رقم القيد ١٢٤٣/٢٠٠٨، أكتب دفاعاً عن حقيّ!

 

في جوهر الأمر ولبه، ومعناه الأبسط والأعمق، ماذا يعني أن تكون محامياً؟

 

أفهم مهنتي، وواجبي، على أنه دفاعٌ عن حق، وانتصارٌ لمبدأ، لفكرة، لقانون، لإجراءٍ سليم، ولسانٌ يتحدث باسم من لا يستطيع الحديث عن نفسه.

 

بهذا الفهم البسيط، أجد أن صمتي عن حقي أنا، تحت أي ذريعةٍ أو مبررٍ، خيانةٌ للذات والمبدأ؛ إذ لا خير فيمن يدافع عن الآخرين، ويسكت عن حقه!

 

أنا، بسمة بنت مبارك بن سعيد الكيومي، مواطنة عُمانية، ومحامية أعمل بموجب الترخيص رقم ١٢٤٣/٢٠٠٨، الصادر من وزارة العدل، أكتب هذه المرة، ولأول مرة، دفاعاً عن نفسي، عن حقي أنا في أن أحيا وأعمل في وطني، بكرامةٍ ودون تعرضٍ أو أذى.

 

لمن لا يعرفني، تخرجتُ من الثانوية العامة (القسم العلمي)، في ٢٠٠٣، بمعدل ٩٩.١٤٪، وحصلت على بعثةٍ لدراسة القانون في المملكة المتحدة، والتحقت بعد تخرجي في ٢٠٠٨، بمكتب محاماةٍ في السلطنة، ثم تركته للعمل في الشركة العمانية للغاز الطبيعي المُسال ش.م.م، كمستشارةٍ قانونية، وقبل أن يمضي على التحاقي بالشركة ثلاثة أشهر (فترة الاختبار)، تقرر ابتعاثي إلى المملكة المتحدة لأحصل على دبلوم عالٍ في القانون، يؤهلني للحصول على ترخيص المحاماة في إنجلترا وويلز، وأنهيت متطلبات الدبلوم بامتيازٍ رغم أنني في الوقت نفسه كنت أدرس، وعلى نفقتي الخاصة، للحصول على شهادة الماجستير بالبحث (الـ MPhil) في جامعة مانشستر، وأنجزت بحثاً عن النظام الأساسي، تمت إجازته مع توصياتٍ بالنشر والاستكمال إلى درجة الدكتوراة، ونشرته واحدةٌ من أهم دور النشر العربية، وأكثرها جديةً ورصانة. ثم التحقت بعدها، بمكتب محاماة دولي وعملت في فرعهم في السلطنة، ثم في مدينة لندن، حتى أتممت متطلبات الحصول على رخصة ممارسة المهنة في إنجلترا وويلز، وعدت بعدها لأعمل في مكتب خليفة الهنائي للمحاماة، وأبدأ مشروع الدكتوراة في جامعة إكستر بالمملكة المتحدة. هذا المشروع الذي اضطررت إلى تأجيله حين رزقت بجود، وبدأت العمل في مكتبي الخاص.

 

بدأت في مكتبي، في سبتمبر ٢٠١٦، وحيدةً في شقةٍ بسيطة، مع منسقةٍ اتفقت معها على أن تصبر عليّ إن لم أستطع سداد راتبها. هذا المكتب الذي أتم قبل بضعة أشهرٍ عامه الثاني، وتضاعف طاقمه، ونستعد الآن للانتقال به إلى واحدٍ من أجمل وأرقى المباني في قلب مسقط. وعلى عكس مخاوفي كلها، لم أتأخر يوماً عن سداد التزاماتي، أو راتب المنسقة وكل من عمل، وسيعمل، معنا بعدها.

 

أنجزتُ كل هذا، وأنا زوجةٌ وأم، وفي خلاله اعتقلت وحوكمت ودخلت السجن، وشاركت في حراكٍ وطني مجيد، ونشرت أوراقاً بحثية، وشاركت في مؤتمراتٍ وورش عمل ودوراتٍ تدريبية لا تحصى. أنجزته دون أن أعتمد على مال أبي، أو اسمه، أو علاقاته، أو أتعلق بلقبٍ أو قبيلة.

 

في كل ما عملته، كنت أسلك الطرق الأصعب، التي تضمن أن ما أحصل عليه وأنجزه، حقيقيٌ وذو قيمةٍ ومعنى، مبتعدةً عن الطرق المختصرة، والإنجازات الشكلية الفارغة من أي قيمةٍ مضافة، مهما كان ذلك مرهقاً أو مكلفاً، وحتى وإن عنى ذلك أن يتقدمني آخرون مسرعين، اعتدت أن أفسح لهم الطريق دون ذرة شكٍ أو حسرة. لأنني أبني لسنين قادمة، بناءً رصيناً وجاداً أفتخر بأن أضع عليه اسمي. ويعرف كل قاضٍ مثلتُ أمامه، وكل زميلٍ عملت معه أو في مواجهته، أنني محاميةٌ جادةٌ لا يهمني إلا عملي ومصلحة موكلي، ملتزمةً بأخلاق المهنة، وواجباتها واحترام كل من أعمل معه.

 

أسرد كل هذا، لا غروراً ولا خُيلاءً، ولا حتى إعجاباً بذاتٍ، يعرف جيداً كل من يعرفني، أنني أقسى جلاديها؛ وإنما دفاعاً عن حقٍ، واستحقاقٍ، وجهدٍ صادقٍ بُذل ويُبذل منذ لحظات الوعي الأولى.

 

ما المشكلة إذاً؟!

 

المشكلة، أنني ومنذ أبريل ٢٠١٨ وحتى يومنا هذا، أتعرض لمضايقاتٍ لا حصر لها، بسبب عدم ارتدائي للحجاب، رغم أن نصوص القانون كلها، خلت من أي إلزامٍ لي بصفتي مواطنةً، أو مقيمةً، أو محاميةً، بارتدائه! وعلى مدى هذه الأشهر، حاولت التعامل مع الموضوع، بكثيرٍ من الأناة والحكمة وضبط النفس، وسعيت لحله بالطريقة العمانية التقليدية، وطرقت أبواب كل من يعنيه الأمر أو أتوسم فيه مقدرةً على حل المشكلة، بمن في ذلك:

 

  • معالي عبدالعزيز الرواس، مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية.
  • فضيلة الشيخ إسحاق البوسعيدي، رئيس المحكمة العليا، نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء.
  • فضيلة الشيخ ماجد العلوي، رئيس محكمة القضاء الإداري، عضو المجلس الأعلى للقضاء.
  • فضيلة الشيخ خليفة الحضرمي، قاضٍ بالمحكمة العليا، والأمين العام السابق لمجلس الشؤون الإدارية للقضاء.
  • فضيلة الشيخ خالد المنوري، الأمين العام لمجلس الشؤون الإدارية للقضاء.
  • فضيلة الشيخ محمود الراشدي، قاضٍ بالمحكمة العليا.
  • الدكتور عيسى العزري، وكيل وزارة العدل.
  • المكتب السلطاني.
  • جهاز الأمن الداخلي.

 

بالإضافة إلى من وصلهم الأمر عن طريق أطرافٍ ثالثة، كمعالي السيد خالد البوسعيدي، وزير ديوان البلاط السلطاني، ومعالي عبد الملك الخليلي، وزير العدل، وآخرون أقرر أنني لن أذكر أسماءهم هنا لأسبابٍ مختلفة. بالإضافة إلى دائرة شؤون المحامين، بوزارة العدل، وجمعية المحامين.

 

ورغم ذلك، لايزال الأمر قائماً والمضايقات مستمرة، دون اعتبارٍ لحقي المكفول بموجب قوانين الدولة؛ إذ تنص المادة ١٧ من النظام الأساسي للدولة على أن المواطنين (جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي). ونصت المادة ٢٧ من قانون المحاماة على أن (يُعامل المحامي بالاحترام الواجب للمهنة)، كما نصت المادة ٣٣ على أن (يعاقب كل من اعتدى على محامٍ بالضرب أو التهديد أو الإهانة أثناء قيامه بأعمال مهنته بالعقوبات المقررة لتلك الجرائم إذا وقعت على موظفٍ عام).

 

وتنص المادة ٤١ من ذات القانون على أن (لا يقبل حضور المحامي أمام جميع المحاكم إلا بالرداء الخاص الذي تحدده لجنة قبول المحامين). ولم تنص لجنة قبول المحامين إلا على ارتداء الروب الأسود، الذي أرتديه، ويرتديه جميع المحامين العاملين في السلطنة. أما مسألة حجابي، من عدمه، فلا يوجد نصٌ قانوني بشأنها، وهي تبقى بذلك، شأناً خاصاً لا علاقة لأحدٍ به، وليست مؤهلاً لممارسة المهنة، ولا شرطاً لمزاولتها، ولا دليلاً على مواطنتي.

 

إذا لماذا أكتب هذا الآن؟

 

أكتب، لأن من حقي أن أدافع عن نفسي، وعن مواطنتي الكاملة، وعن حقي في ممارسة مهنتي، وحقي في أن أحيا في وطني دون مضايقاتٍ أو أذى، فقط لكوني مختلفة. وأكتب لأننا، كدولةٍ، وسلطةٍ، ومنظومةٍ قانونية، ومجتمع، علينا أن نواجه أنفسنا ونجيب بكل صراحة عن أسئلةٍ مفصليةٍ وجوهرية، ليست مشكلتي سوى تمظهراً بسيطاً لإلحاحها:

 

هل نحن دولة قانونٍ ومؤسسات، ينعم أفرادها بالمساواة والحماية القانونية لحقوقهم الأساسية؟

 

هل نحن دولةٌ مدنية، تضم العمانيين باختلاف أطيافهم ومشاربهم في إطارٍ قانوني واضحٍ وصريح؟

 

إلى أي حدٍ استطعنا خلال ما يقارب النصف قرن، أن نتجاوز هيمنة تياراتٍ معينةٍ على جسد ومفاصل الدولة ومرافقها المهمة؟

 

وما أهمية أن نحمي مرافق الدولة من التحول إلى ساحاتٍ للصراع الأيديولوجي، والخطاب الإقصائي، ونحافظ على حيادها الكامل والمطلق إلا من سلطة القانون؟

 

وهل صحيحٌ ما ننسبه لأنفسنا من تسامحٍ وسلامٍ وتقبلٍ للآخر المختلف؟

 

أكتب هذا، منطلقةً من إيمانٍ كاملٍ وقناعةٍ مطلقة بحقي وحق الآخر المختلف في أن نتواجد ونحيا جنباً إلى جنب، ممارسين وجودنا بقناعاتنا المستقلة، وبرؤانا المختلفة، وجلّ ما أرجوه أن يعترف لي الآخر بذات الحق الذي أدافع له عنه.

 

أكتب هذا المقال، مجاهدةً لأجد له وقتاً، في يومٍ حضرتُ فيه ثلاث جلسات في ولاياتٍ مختلفة، وتنتظرني أربع مذكرات، بالإضافة إلى رسالةٍ وعقد تجاري، لمراجعتها وإتمامها قبل تسليمها غداً، ومواعيد في المكتب مع موكلين حاليين واستشاراتٍ جديدة. لذا، ورغم كل ما يحدث، فإنه لا تخامرني ذرة شكٍ واحدة، في أنني سأكسب هذه المعركة، كما خرجت من كل معاركي السابقة منتصرةً، مرفوعة الرأس.

 

هذه بلدي، وهذه مهنتي، وأنا موجودةٌ لأبقى. 

#أكتب_دفاعاً_عن_حقيّ

 

2 50610 22 يناير, 2019 الثالث بعد المئة, سياسة يناير 22, 2019
Avatar

عن الكاتب

كاتبة ومحامية عمانية

عرض كل المواضيع التي كتبها بسمة مبارك سعيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.