العاشر بعد المئة سياسة

جوجل وسرقة أربعة آلاف عام مِن فلسطين

Written by مصطفى شلش

مؤخرًا اكتشف مجموعةٌ من الصحفيين الفلسطينيين أن خرائط جوجل لا تتضمن دولة فلسطين. وعندما تقرّر البحث عن فلسطين عبر تطبيق “خرائط جوجل”، اتضح أن الخريطة لا تتضمن اسم فلسطين، بينما تظهر إسرائيل داخل الخريطة. بالتزامن مع الغضب الذي أثاره هذا الخبر خصوصًا في الأوساط العربية صدرت الطبعة العربية من كِتاب “فلسطين: أربعة آلاف عام في التاريخ” عن مركز دراسات الوحدة العربية، لنور مصالحة، وترجمة الدكتور فكتور موسى سحّاب.

يستكشف كتاب “فلسطين: أربعة آلاف عام في التاريخ” تطوّر اسم فِلَسطين، وتواريخها، وهويتها، ولغاتها، وثقافاتها، من العصر البرونزي المتأخر، حتى العصر الحديث. إضافة إلى هذا نجد ردًّا يدحض حجة شركة جوجل التي قدمتها لتبرر أنه عندما تضغط على منطقتي الضفة الغربية وغزة وقتها فقط يظهر اسم أرض “فلسطين” خصوصًا أن ما يُدرَّس مِن تاريخ فِلَسطين في الغرب ما هو إلا تاريخ قطعة أرض، وليس تاريخ أرض فِلَسطينية، أو تاريخ شعب فلسطيني. لذا عملت مصالحة على إلقاء الضوء على المقاربة الاستعماريّة لفِلَسطين، وتفكيك الخرافة الخبيثة “أرض بلا شعب”. وتقدم تاريخ فِلَسطين بأعين شعب فِلَسطين الأصليّ، أصحاب الجذور المحليّة المنغرسة بعمق في الأرض، مُستندة إلى كم ضخم مِن الأدلة، والشهادات، والمصادر المعاصرة، ومُعتمدة على مقاربة من زوايا نظر متعدّدة لتاريخ فِلَسطين عبر التاريخ.

ويقدم نور مصالحة عدة تفسيرات للبدايات المتعددة ومراحل تطوّر مفهوم فِلَسطين، وتضعها في السياقات، الجغرافيّة، الثقافيّة، والسياسيّة، والإدارية. كما ترمي كذلك إلى أن تُثبت كيف أن اسم «فِلَسطين» كان الأكثر شيوعًا واستخدامًا في الإدارات الرسميّة، في التاريخ القديم. كما تُناقش أسطورة غزو «الإسرائيليّين» أرض كنعان، والروايات الأساسيّة الأخرى في العهد القديم (التوراة العبريّة) – وهي مجموعة كتب وُضِعَت عبر قرون متعددة – هي روايات خرافيّة غرضها التأسيس لوعي خاطئ، وليست تاريخًا مؤسَّسًا على أدلة تخدم الحقيقة وفهم الوقائع، كما تفعل شركة جوجل اليوم.

عن جدلية الاسم

إن اسم فِلَسطين ظهر موثَّقًا لأول مرة في العصر البرونزي المتأخر، قبل نحو 3200 سنة، هو الاسم المصطَلَح عليه بين 450 ق.م و 1948 م لوصف منطقة جغرافيّة بين البحر المتوسّط ونهر الأردن، وأراض مجاورة مختلفة. كما أن الاسم واضح فيما لا يُحصى من التواريخ، والكتابات العبّاسيّة من ولاية جند فِلَسطين، والنقود الإسلاميّة والخرائط القديمة (بما فيها «خرائط العالم» بدءًا من العصور الكلاسيكيّة القديمة) والنقود الفلستيّة من العصر الحديدي والعصر القديم، والمقادير الهائلة من نقود فِلَسطين الأمويّة والعبّاسيّة التي تحمل اسم فِلَسطين. وكما أشارت مخطوطات الجنيزة في الفُسطاط (القاهرة القديمة)، إلى ولاية فِلَسطين العربيّة الإسلاميّة.
ومنذ العصر البرونزي المتأخر، كانت تُطلَق على المنطقة أسماء دجاهي، وريتينو، وكنعان، ومهّدت جميعها لاسم فِلَسطين. وعبر العصور القديمة الكلاسيكيّة والمتأخرة – وهي عبارة يطلقها المؤرّخون لوصف الحقبة بين القرنين الثالث والثامن الميلاديين، أي الحقبة الانتقالية بين العصور القديمة الكلاسيكيّة والعصور الوسطى في عالم البحر الأبيض المتوسط، أوروبا والشرق الأدنى – ظل اسم فِلَسطين هو الأكثر شيوعًا. وحتى في العصور الرومانيّة والبيزنطيّة والإسلاميّة، اكتسب مفهوم فِلَسطين وجغرافيتها السياسيّة وضعًا إداريًا رسميًا.

خسر البيزنطيّون سيطرتهم على الولايات الفلسطينيّة الثلاث دون رجعة بين 636 و 638 م أثناء الفتح الإسلامي لبلاد الشام وفلسطين. وظلت البنية الحضريّة في فلسطين وبلاد الشام سالمة إلى حد بعيد مع الساسانيّين والفتوح الإسلاميّة‏ وصار معظم فلسطين الكبرى، أي بروفنسيا باليستينا، التي كانت تحت حكم البيزنطيّين – وكانت تضم باليستينا بريما وباليستينا ترشيا (سالوتاريس) – صار يُعرَف باسم ولاية جند فلسطين تحت الحكم الإسلامي.
ويجنح المؤرّخون إلى الخلط بين عمليّة التعريب في فلسطين وإقامة اللغة العربيّة لغة تفاهم في فلسطين والشرق الأدنى. وفي الواقع، كان التعريب والأسلمة في فلسطين وتحويل المجتمعات الدينيّة في البلاد – ومن ضمنها ولايات فلسطين الثلاث: بريما وسيكوندا وترسيا – عمليّتين منفصلتين تاريخيًّا، وينبغي ألّا تُخلَطا آليًا أو تُزامَنًا. تاريخيًّا، سبقت عمليّة التعريب في فلسطين الكبرى (بما في ذلك وجود مسيحيّين فلسطينيّين يتكلّمون العربيّة) بوقت طويل، عمليّةَ الأسلمة في البلاد، على الرغم من أن جعل العربية هي لغة التفاهم سار في فلسطين مع أسلمة البلاد. فلاحظ هيرودوتس (حوالي 484 ق.م – 425 ق.م) وجود العرب في فلسطين في القرن الخامس ق.م، واكتُشِفَت كتابات عربيّة في فلسطين من الحقبة الرومانيّة. واللغة السريانيّة الآراميّة الفلسطينيّة وثيقة الصلة بالعربية الفلسطينيّة، فهذه اللغة [السريانيّة الآراميّة] كانت جزءًا من مجموعة اللغات الساميّة الشماليّة الغربيّة، وكانت لغة الناس العاديّين في البلاد. وظلت السريانيّة الآراميّة تنتشر على المستوى الشعبي غير الرسمي في فلسطين الرومانيّة البيزنطيّة، وفي فلسطين أوائل العصر الإسلامي، وصارت على صلة وثيقة باللغة المحكية العربيّة الفلسطينيّة المعاصرة.
وكان العرب في القرون الوسطى بالطبع يعرفون العهد القديم والعهد الجديد. لكنهم اختاروا الاسم التاريخي الحقيقي والإداري الرسمي للبلاد: فِلَسطين، ولم يختاروا الاسم الأيديولوجي في العهد القديم «كنعان»، واعتنقوا وأجلّوا كل تراث فلسطين المتنوّع، والإرث المشترك في المشرق. كان اسم فلسطين الجغرافيّ العربيّ في القرون الوسطى مطابقًا للإسم الفرنسي فِلِستين (Philistin) الذي اشتُقَّ من الأسماء اللاتينية فِلِستينا أو فِلِستينوس أو باليستينا.

من فلسطين إلى أرض إسرائيل

يشير نور مصالحة إلى الحزب الشيوعيّ الإسرائيلي الذي كان حزبًا لليهود الأشكيناز حصرًا، وفي فلسطين عام 1923. ومع كون الييدش تاريخيًّا وواقعيًّا «اللغة الأم» لدى اليهود الأشكيناز، ومع كونها اللغة المتكلَّمَة لدى كثير من اليهود الأوروبيّين الشرقيّين، سُمِّي الحزب الشيوعي: (Palestinishe Komunistishe Partei). وعندما أخذت تنتشر «العبريّة الحديثة»، صار الحزب أخيرًا معروفًا باسم: Ha-Komunistit Ha-Yisraelit Ha-Miflaga. لكن في زمن الانتداب كان اسمه العربي الحزب الشيوعي الفلسطيني. في عام 1923، وُلد الحزب الشيوعي الفلسطيني تحالفًا بين المستوطنين الصهيونيّين اليساريّين، والشيوعيّين غير الصهيونيّين بين الأوروبيّين الشرقيّين. وعند تأسيسه، وفي سنواته الأولى، كان يغلب اليهود على أعضائه، وظل صغيرًا، لكن يغلب فيه اليهود الأوروبيّون الشرقيّون في معظم سنوات الانتداب على فلسطين‏. ولما كان الستالينيّون يسيطرون عليه على مدى كثير من سنوات الانتداب، فإن الحزب، عام 1947، بعد تأييد الاتحاد السوفياتي القرار الدولي لتقسيم فلسطين، اعتمد تسمية صهيونيّة، فحلت عبارة «إيريتس يسرائيل» (بدلًا من فلسطين) وكان الحزب فعّالًا في تأمين المعونة العسكريّة من تشيكوسلوفاكيا لدولة إسرائيل، في أشد مراحل حرب عام 1948‏. وفي العام ذاته، كان رئيس الحزب، مئير فيلنر، أحد الموقّعين لـ «شرعة الاستقلال» الصهيونيّة الإسرائيليّة، التي كرّرت وصف البلاد بأنها أرض إسرائيل. وبعد النكبة، دعا الحزب إلى ذاكرة جماعيّة ساهمت في أَسْرَلَة مواطني إسرائيل الفلسطينيّين، أي من يُسَمَّون «عرب إسرائيل».
عام 1943، في خضم الحرب العالميّة الثانية، اختلف الحزب الشيوعي الفلسطيني، تحت ضغط الرغبة في التآلف مع سياسة روسيا الستالينيّة في الشرق الأوسط، اختلف مع الأهداف الكبرى لدى الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة. فانقسم الحزب، وأنشأ أعضاؤه العرب الفلسطينيّون الأكثر جذريّة في مناهضة الصهيونيّة، عصبة التحرّر الوطني عام 1944. وتحت تأثيرات الجناح الصهيوني اليساري، واعتناقًا للرأي السوفياتي القائل إن الصهيونيّة هي شكل من القوميّة البرجوازيّة، غيّر الحزب الشيوعي الفلسطيني اسمه إلى حزب أرض إسرائيل الشيوعي – بعدما أيّد قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين عام 1947 – فاتّخذ بذلك عبارة مركزيّة في التفكير الصهيوني. كانت تلك هي المرة الأولى التي استخدم فيها الشيوعيّون الفلسطينيّون العبارة الصهيونيّة («أرض إسرائيل»).
يتوقف مصالحة أمام مشروع إعادة اختراع الماضي اليهودي والقوميّة اليهوديّة المعاصرة، في علم التاريخ الصهيوني، وإنشاء وعي قومي عبراني حديث، كذلك في فلسطين عمّت بكثافة مشاريع تسمية الأماكن الجغرافيّة وإعادة رسم الخرائط، وكانت مشاريع إعادة التسمية العبريّة حاسمة في التحويل الإثني لليهود الأوروبيّين، والتحويل القوميّ للتوراة العبريّة.
كانت الصهيونيّة اليهوديّة العلمانيّة نموذجيّة في اصطناع شعب في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، وفي مشروعها لتكوين أمة. كان هذا التقليد المصطنَع يَعُدّ اليهود عنصرًا ومجموعة بيولوجيّة، واستعير الكثير من القوميّات الرومانسيّة في وسط أوروبا وشرقها.
لقد جنّدت الصهيونيّة السياسيّة، وتخيّلت سرديّة توراتيّة أعيد تشكيلها في أواخر القرن التاسع عشر، من أجل الأغراض السياسيّة للحركة الأوروبيّة الحديثة، التي أرادت استعمار أرض فلسطين. والصهيونيّة، بوصفها تقليدًا (أوروبيًا) مختَرَعًا في آخر العصر الحديث، كان لا بد لها من أن تكون مشروعًا تركيبيًا. لقد جادلت بقوّة الباحثة الإسرائيلية رونيت لنتين في كتابها إسرائيل وبنات الشواه: إعادة احتلال مساحات الصمت‏، برأي مفاده أن القوميّة الإسرائيليّة شُحِنَت بالنزعتين الذكوريّة والعسكريّة، في مقابل «تأنيث» الآخر.
لقد أعاد آباء الصهيونيّة المؤسِّسون تخيُّل الجماعيّة العبريّة الجديدة، في تناقض كامل مع الشتات اليهودي المقيت، غير القادر على مقاومة اللاساميّة الأوروبيّة التي أدّت إلى الهولوكوست. ويظهر جليًا ازدراء الصهيونيّة للشتات اليهودي ورفضها شتاتًا «مُؤَنَّثًا»، وهوسها بتركيب أمة، في واقع أن رموزها كانت مزيجًا، منتقًى، ليس فقط من الدين اليهودي والأجزاء المقاتلة في التوراة العبريّة، بل أيضًا من تقاليد ومصادر ورموز حديثة منوّعة، استُولِيَ عليها على أنها «قوميّة يهوديّة»، صهيونيّة أو «إسرائيليّة»: فموسيقى النشيد الوطني الإسرائيلي، ها تيكفا، أتت من موسيقي قومي تشيكي، هو سْميتانا؛ وكثير من الموسيقى المستعملة في أغنيات قوميّة إسرائيليّة مصدرها أغنيات روسيّة شعبيّة؛ وحتى الكلمة التي تعبّر عن يهودي مولود في إسرائيل، وخالٍ من جميع «أمراض الشتات وشوائبه» مستقاة من الكلمة العربيّة صَبَر التي عُبرِنَت إلى كلمة صابار، أو سابرا (المنطوية على معنى الذكورة والقسوة)‏، والمستمدّة من شجرة الصُّبّار الشائك، التي زُرِعَت في مئات القرى الفلسطينيّة ومن حولها، ودمّرتها إسرائيل عام 1948. وحتى «أغنية حرب الأيام الستة الوطنيّة»، التي وضعتها ناعومي شيمر «جيروزاليم الذهبيّة»، كانت نسخة منحولة من أغنية تهويدة أطفال باسكيّة‏. ادّعى المستعمرون الأوروبيّون الشرقيّون اليهود، سعيًا لخلق هويّة «محليّة أصيلة»، أنهم شعب محلي يعود إلى أرضه بعد 2000 سنة من الغياب؛ والواقع أن القوميّين الروس والأوكرانيّين كانوا العصب المركزي في الحركة الصهيونيّة الناشطة.
لقد تركّز إخفاء فلسطين المادي عام 1948، وإلغاء الحقائق الديمغرافيّة والسياسيّة في فلسطين التاريخيّة، ومحو الفلسطينيّين من التاريخ، على بعض القضايا الأساسيّة المحدّدة، أهمها قضيّة النزاع بين «الإنكار» و«التأكيد»‏. لم يكن القصد من إلغاء فلسطين التاريخيّة عن الخرائط وعلم الخرائط، تعزيز الدولة المنشأة حديثًا فقط –كما فعلت شركة جوجل، الآن- بل كان القصد أيضًا تدعيم أسطورة الرابط الذي لا ينفصم بين أزمان «الإسرائيليّين التوراتيّين» والدولة الإسرائيليّة الحديثة.
ويعرض المؤرّخ إيلان بابي، في كتابه التطهير العرقي لفلسطين، معقّبًا على الإسكات المنهجي للماضي الفلسطيني، عقيدة قتل الذاكرة الثقافيّة، ويشير على الخصوص إلى المحاولة المنهجيّة الدراسيّة والسياسيّة، والعسكريّة، في إسرائيل بعد 1948، لنزع العروبة عن الحيّز الفلسطيني، وأسمائه، ومواقعه، ومعالمه الدينيّة، وقراه، ومدنه، ومَوَاطِنه الحضريّة، ومقابره، وحقوله، وبساتين زيتونه وبرتقاله، والثمرة المسمّاة الصبر (الصُّبّار)، وهي أشبه بالإجاص الشائك، واشتهرت زراعتها في القرى العربيّة وجوارها، في بيّارات فلسطين العربيّة. ويتخيّل بابي ما يشبه اللوح المدرسي في هذه العمليّة، حيث يُمحَى تاريخ شعب، من أجل كتابة تاريخ شعب آخر فوقه؛ وتقليص الشرائح المتعددة، إلى شريحة واحدة‏.
ولا عجب، إذ إن المستوطنين الصهيونيّين الأوائل لم يكونوا فقط مصمّمين على «اختراع وطن، واختراع أمة»‏، بل أيضًا على اختراع لغة وهويّة جديدتين. شهدت حقبة ما بعد 1948، كبار القادة الصهيونيّين، وقادة الجيش، وباحثي الآثار التوراتيّة والكتّاب، وهم يعيدون اختراع هويّتهم الجديدة العبريّة التوراتيّة المتخيَّلة، فيغيّرون أسماءهم من الروسيّة والبولنديّة والألمانيّة إلى أسماء «أصليّة» (توراتيّة) عبريّة الرنين.
مع أن تحويل اليهود الأوروبيّين إلى الساميّة، وفق أصحاب النظريات اللغويّة والعنصريّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلا أن العبريّة الحديثة كانت في الواقع من اختراع الصهيونيّين الأشكيناز في أوائل القرن العشرين، وهي ليست لغة ساميّة، بل هي في الحقيقة لغة هجينة، بمفردات أوروبيّة وروابط أوروبيّة قويّة، وحيّزٌ شعر فيه المستوطنون الجدد في المستعمرة (الييشوف) الصهيونيّة، بأنهم على راحتهم. صارت الييشوف الصهيونيّة («المستعمرة النقيّة»)‏ في فلسطين، شكـلًا جديدًا من المنفى، كانت فيه العبريّة الجديدة الوثيقة الصلة باللغات الأوروبيّة، توفّر الروابط الأساسيّة بالحيّز الثقافي الأوروبي القديم. بحسب مصالحة.
في نظر القادة الصهيونيّين الأوروبيّين الأوائل، كان بناء «وطن قومي» في فلسطين يتطلّب اختراع لغة جديدة، وتأسيس أساطير، وشيء ما في مجمله مختلف – لغة عبريّة أشكينازيّة علمانيّة عصريّة جديدة. وكثير من الصهاينة الأوائل أطلقوا على أنفسهم اسم «العبريّين الجدد» لا اليهود، فبدّلوا متعمّدين أسماءهم الأوروبيّة من الييديش، والروسيّة، والبولنديّة، والألمانيّة، حتى تبدو عبريّة، أكثر شبهًا بألفاظ التوراة؛ وثمة مثال معروف، هو اسم دايفيد غرون صار دايفيد غرين في البداية عندما هاجر إلى فلسطين، ثم فيما بعد تحوّل إلى دايفيد بن غوريون. غير أن المخترع الأول، و«الأب» في عمليّة التحوّل إلى العبرية الحديثة كان إليعيزر بن يهودا (وكان اسمه في البدء لازار بيرلمان) (1858 – 1922)، الذي صار بطـلًا أسطوريًّا للصهيونيّة، على غرار الأب المؤسّس للصهيونيّة السياسيّة، ثيودور هرتسل. نظر بن يهودا، بوصفه صهيونيًّا ثقافيًّا، إلى «العبريّة الحديثة» والصهيونيّة على أنهما متلازمتان. وكان ذا نفوذ هائل في تشكيل هويّة جماعيّة عبريّة جديدة، مغروسة الجذور في «وعي قديم» مخترَع. كان هذا يستند إلى تحويل عبريّة الطقوس من لغة في حال سبات (شبه ميتة) إلى لغة جديدة يتكلّم بها اليوم ملايين الإسرائيليّين.
كانت عمليات إعادة تحويل الذات الصهيونية الدخيلة إلى سكان محليّين والنسخ عن اللغة العربيّة والأسماء الجغرافيّة الفلسطينيّة العربيّة، تتطلّب كثيرًا من الجهد لتكوين رجل السابرا العبري الأسطوري الجديد، وبناء هويّة يهوديّة جديدة.

أخيرًا

ركز كتاب نور مصالحة على فكرة أن مناهج التاريخ الأكاديميّة والمدرسيّة يجب أن تؤسَّس على وقائع تاريخيّة موضوعة في سياقها، وأدلة ملموسة، ومكتشفات أثرية وعلميّة، لا على آراء تقليديّة أو سرديّات خياليّة من العهد القديم، والعقائد الدينيّة – السياسيّة التي يتكرّر سردها لأجل مصلحة النُّخَب ذات النفوذ في الشركات العابرة للقارات والتي صارت تصنع الرأي العام العربي.
كما سجل الكتاب محاولات الفلسطينيّين الأصليين الذين كرّسوا الكثير من انتباههم لتاريخ القرى، والتقاليد المحكيّة، والحياة المحليّة والممارسات المعيشيّة‏. كما رأت مصالحة ضرورة نزع بصمات الاستعمار عن التاريخ، واستعادة التراث القديم والثقافة الماديّة لدى الفلسطينيّين وفي فلسطين، وحفظهما، هما أمران حيويّان.
ثمة حاجة عاجلة إلى تعليم تاريخ فلسطين القديم وتاريخ الفلسطينيّين المحليّين، بما في ذلك إنتاج كتب تعليم فلسطينيّة جديدة ونقديّة، للمدارس، والمعاهد، والجامعات العربية، وكذلك لملايين اللاجئين الفلسطينيّين المنفيّين. ولا بد لهذا الفهم وهذا التعليم، من أن يشملا مادة علم الآثار النقدي الجديد في فلسطين، والفهم النقدي الجديد للتاريخ القديم، وذكريات هذه البلاد.

عن الكاتب

مصطفى شلش

اترك تعليقاً