النضال الفلسطيني بوصفه فعلًا ثوريًّا عربيًّا

كتب نزار قباني إبان نكسة حزيران أو ما تعرف بهزيمة 67 في قصيدته هوامش على دفتر النكسة: “أنعي لكم يا أصدقاء، اللغة القديمة، أنعي لكم، نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة”. كانت نكسة حزيران بمثابة عِدة الأرملة التي ظلت الشعوب العربية تقاسيها لوقتٍ طويل، فبعد الشعارات الحماسية التي نادى بها جمال عبد الناصر مؤججةً حميّة الشباب العربي في مختلف بقاع الأرض كحتمية لا يخامرها الشك، جاءت هذه الهزيمة بمثابة الصفعة التي يخر بها المرء من عليائه ويسقط في غياهب القاع، حتى نصر أكتوبر المزمع لم يكن كفيلًا بمداواة لعنة نكسة حزيران التي ظلت تتناقلها الشعوب العربية جيلًا بعد جيل، حتى سيناء لم تكن قادرةً على أن توقد تلك الجذوة المشتعلة والمتفاخرة وتنفخ فيها الروح من جديد. ظلت السرديات العربية تنعي الهزيمة المريرة في شعرها ونثرها، بل أن اللعنة قد طالت الأجيال، فكبيرهم مغمورٌ في نوستالجيا الأمجاد الدفينة، وصغيرهم يقاسي قهر هزيمةٍ لا يعلم مصدرها ولكنه رضعها في المهد. يا لهُ من اغترابٍ طويلٍ هذا الذي عصف بالإنسان العربي، كل هذه الانهزامات المتتالية والتي كانت نكسة حزيران أعظمها قد جعلته يقف عاجزًا عن مجابهة التحديات التاريخية، عاجزًا عن مواكبة الحركات القومية، تائهًا بعد أن كُسرت بوصلته وصارت تتخبط في كل الجهات حتى استفحلت الهزيمة موطنه على كافة الأصعدة النفسية، والاجتماعية، والسياسية.[1]

 في تقديمه لكتاب النقد الذاتي بعد الهزيمة للدكتور صادق جلال العظم، يقول الدكتور فيصل درّاج: “عثرت السلطات على حلها في سياسات تفقر المجتمع وتدفنه، وعثر المجتمع المدفون على حلها في “ميتافيزيقا الخلاص النهائي”، الذي يستدعي “زمناً راشداً” لا يعود، أو ينتظر “حلاً مباركاً” لن يأتي”[2] صارت الهزيمة متوالدةً بين الأجيال بحبلٍ سري ممتد لا يمكن قطعه، كيف لجيلٍ لم يذق يومًا أدرينالين النصر أن يتخلص من مثالب الهزيمة؟ الجميع راهن على خسارته، وبقدر القهر الذي ولدته الهزيمة في صدورهم، كان تمسك الأجيال السالفة بأمجاد الماضي بمثابة وصمة العار التي لاحقت الأجيال اللاحقة لتصرخ في وجههم: بئس الخلف لخير سلف!

في خضم هذا الركود الملبد بالرمادية، جاء محمد البوعزيزي شرارة أملٍ توقد الوطن العربي، تنفض عنه غبار الهزيمة وتعيده إلى الميدان ليصب لعنات الهزائم بأعلى صوته في وجه الأنظمة. كان الربيع العربي في ٢٠١١م هو الأدرينالين الذي ضُخ على شرايين الشبيبة العربية بين تونس، ومصر، وليبيا، وسوريا، والسودان، واليمن. لوهلة صارت الشعوب العربية كالقابضين على الجمر، لا يأبهون للحروق الدامية على كفوفهم، ولا يأبهون أين يلقون الجمر، ولكن شبح الهزيمة ظل يرتشف أرواحهم، بين حقوق مسلوبة، ووعودٍ كاذبة، وأفواهٍ مكممة. رفض البعض وصفها بالهزيمة لأن الثورة لا يمكن أن تهزم ولهيب نارها لن يُطفئ ولو بعد حين، وراح الآخر ليحكم عليها بالتأجيل إلى وقتٍ غير معلوم، بينما أفضى آخرون إلى الحُكم عليها بالموت الرحيم، وعلى الرغم من تفاوت المآلات باختلاف الثورات العربية وظروفها، إلا أنها كسرت ميتافيزيقيا الخلاص النهائي، ليعود الرهان على الشبيبة العربية وتحطم الأُطر الخزفية التي كبّلت الشاب العربي لعقودٍ طويلة، ولكن الرهان لا يزال غير محسوم، والخلاص النهائي ما زال تائهًا بين الخرافة والحقيقة.

في مطلع شهر أيار، وبينما السبات العربي قد خيم على أرضٍ قد وحدت الصفوف والقلوب العربية يومًا ما، أطلقت منى الكرد ووالدها نبيل صرخة النضال من القدس: “أنقذوا حي الشيخ جراح!” لتنشر صداها حول العالم أجمع. انتفضت فلسطين المحتلة، وتأهب أهلها لمقاومةٍ وجودية قد جُبلوا عليها منذ الأزل، وراح الكيان الصهيوني يتفتل بخُيلاء بعد أن أرسى أعمدته التطبيعية في الوطن العربي. راح الصهيوني والمتصهين يحسم النتيجة، بينما دجج الفلسطيني جسده وروحه بعتاد الشرفاء ليُنعش حس العروبة في الشبيبة العربية مجددً، ومع كل صرخة مقاومٍ فلسطيني، كانت الشبيبة العربية تُضخ بدماء النصر التي تعطشت لها منذ زمن طويل، تلك الدماء التي كانت غير مألوفة للبعض إلا أن نشوتها لا يمكن مقاومتها. جاءت فلسطين موحدةً الشعوب بعيدًا عن قادتها، الشعوب التي لم تملك سوى سلاح المنشور، ونقرة الإعجاب، وتقييم النجمة. تلك النقرات كانت كفيلةً بأن تُقوم اعوجاج ظهره، وتشد أزره، وأن تخبره أن النضال هو العقيدة وأن مآذن الحق ستصدح وإن طال بها الزمن. فلسطين المُحتلة جاءت مُحَرِرة الشعوب من نير الهزيمة.       

انقلبت الموازين، لم تعد النوستالجيا أداة تمسكٍ قهرية، بل نشيدًا حماسيًا يُذكر الشعوب بالولاء للقضيةِ العربيةِ الأم. توشحوا الكوفية، وأنشدوا “فلسطين داري”، وهتفوا باسم محمد الدرة. خرجت الأفواج معلنةً أن اللعنة على الصهيونية ولتحيا القدس العربية. اُستبيحت الشتائم لكل صهيوني ومتصهين، وارتقى الشهداء إلى مراتب الأنبياء، وأصبح الجميع يتحدث لغة الحرية، ثم زُلزِل الكيان الصهيوني برشقاتٍ تكالبت عليه من كل حدبٍ وصوب حتى صرخ متوسلًا: الهدنة!

لحظةٌ تاريخية قد سطرها الفلسطيني درسًا للشعوب العربية أن تَحَرَروا أبناء الأرض، ووحدوا صفوفكم، ولتعلو كلمة الحق. بدى شبح الهزيمة واهنًا منكمشًا، والأكتاف الخانعة قد انتصبت، أما لعنة هزيمة 67 فقد بَطُل سحرها لبعض الوقت، لتصبح غزة شاهدةً على الانتصارات العربية المؤجلة، ولم يعد التحرير من نسج الخيال، بل قصةٌ يتوق إلى روايتها الجميع لأبنائه بعد حين. لم تبد فلسطين أشد قربًا من الآن، بل كان وقع خطاها يقترب شيئا فشيء حتى تظن أن لا بحر ولا وادٍ ولا جبل قد يحول دون رؤيتها. لم يكن مصادفةً أن الحجر الذي أُلقي في غزة قد ألتقفه عربيٌ آخر ليرميه بوجه هزيمةٍ أخرى مُحتملة.           


[1] أبو زنيط، إ. (٢٠١٤). فكر الهزيمة لدى العرب بعد حرب ١٩٦٧م وانعكاساته على التخطيط السياسي في مصر وبلاد الشام. جامعة النجاح الوطنية.

[2] العظم، ص. (٢٠٠٧). النقد الذاتي بعد الهزيمة. سورية

الصورة: https://2u.pw/6gV7l

التاسع عشر بعد المئة سياسة

عن الكاتب

Avatar

صفية بنت خلف أمبوسعيدية