أسطرة العمى

كتب بواسطة صالح لبريني

    ما من شكّ في أن  ثيمة العمى شيء موروث عبر تاريخ البشرية، منذ آدم الذي اغتال بصيرة بفعل غواية حواء التي سقطت في شَرَك الغاوي الشيطان، فحدث العمى وقذف بالبعلين إلى العمى الأكبر/ الأرض، كذلك في الأساطير التي هي الأخرى لم تخلُ من سؤال العمى، فكان أوديب عنوانا للجهل بالأبوة ومن ثمّ السقوط في الرذيلة- بالمعنى الأخلاقي- مع الأم ليفقد بصره، بعد أن أعماه طمع الرغبة انتصارا للملكة، دون أن ننسى العمى الإبداعي الذي أنتج لنا عمالقة في الشعر والنثر والكتابة قائدهم المعرّي مرورا بطه حسين وصولا إلى بورخيس العظيم. لكن الذي يشغلنا هو الرواية العظيمة للروائي العبقري جوزيه ساراماغو “العمى” حيث استطاع أن يبدع عوالم متخيلة ذات بعد فنطاستيكي عجائبي، الذي تشكّله الفواعل السردية انطلاقا مما تخلقه أفعالها وأفكارها، وعلاقاتها المتصارعة والمتضاربة والملتقية في مواجهة مصيرها المهدّد بالفناء. حيث أسهمت في بناء خطاب روائي ذي نزوع جمالي، يطرح الكثير من الأسئلة المتعلقة بالكتابة الروائية القادرة على مقاومة الموت الجواني الذي يعتَور الشخصيات قاطبة.

           فالرواية تبتدع عالما سرديا مشحونا بسؤال المصير أمام هول المصاب، إذ أصيبت المدينة بوباء العمى، وباء غيّر مجريات الزمن وبعثر أوراق الإنسان، وحوّل المكان إلى مجال للصراع، والقتل والاغتصاب والعبودية والفرز الطبقي وهلم ظواهر مشينة للكائن البشري. فالذوات الفاعلة تعرّضت لمسخ وجودي، عرّى حقيقة الإنسان ووضعه أمام مرآة حقيقته البشعة، المتنافية مع جوهره الإنساني. مما جعلها تدخل في صراع محتدم بين السلطة التي تعدّدت بتعدّد المتدخلين فيها، فنجد سلطة العمى التي اكتسحت الكلّ، وسلطة الجيش الحارس للمستشفى، وسلطة فئة من العميان التي استولت على الطعام. فهذه السُّلطات تجسيد لهيمنة عقلية القوة.

           إن الرواية تسرد إصابة أحد السائقين، في ظل زحمة السير، بالعمى الأبيض، ثم بعد ذلك سيصاب الطبيب الذي عالج السائق الأعمى ثم المرضى الذين تواجدوا في العيادة، لينتشر العمى لأبيض في أرجاء المدينة كافة، إلا زوجة الطبيب التي ستكون شاهدة على مسارات الحكي والأحداث، وأمام هول جائحة العمى ستعيش البشرية وضعا مقلقا، مضطربا، موغلا في الالتباس، خصوصا وأن المرض مجهول الأسباب، مما زاد من حيرة الناس، لتدخل الرواية منعطفات سمتها التحوّل من الفظيع إلى الأفظع، حيث سيتم تحويل مستشفى الأمراض العقلية إلى محجر صحي كمعزل لإقامة المصابين بحراسة مشدّدة من لدن عناصر الجيش، إذ تعاملوا مع العميان بطريقة نلمس فيها الاستبداد والتسلط وغياب الجانب الإنساني، من خلال تعريضهم لكل أشكال العنف بشقّيه المادي والمعنوي بإطلاق النار على كل من سوّلت له نفسه التوجّه عندهم والاقتراب منهم، أو لحظة بحثهم عن صناديق الطعام التي يتلاعبون بها ويتقاذفونها خوفا من الإصابة بالوباء تاركينهم عرضة للموت.

وبين العميان تمكّنت زمرة منهم بقيادة زعيم بحوزته مسدسا، وُظِّف كأداة للتهديد، واللعب بمصير بقية العميان، حيث نجحت تلك المجموعة من العميان على الطعام، وإجبار المرضى بتسليم ممتلكاتهم، ودفع النساء كرها إلى ممارسة الجنس للحصول على حصتهنّ من الطعام، فكان العنف اللسان المعبّر عن أوضاع العميان من رجال ونساء، إذ برزت الرغبة الحيوانية المتجسّدة في ممارسة كل أشكال الوحشية من سلب لآدمية النساء، وممارسة تعذيب الآخرين بشتى الوسائل القبيحة تجسيدًا حقيقيًّا إلى أن العنف آلية من آليات التحكّم من لدن الطبقة السائدة، ولكن شمس الأمل أشرقت على العميان والتي تمثلت في زوجة الطبيب المبصرة التي استطاعت القضاء على زعيم العميان بقتله، ليعرف المحجر اندلاع معركة بين العميان نجم عنها حريق مهول سيأتي على الجميع. وأمام هذا الطارئ هرب العميان متجهين إلى باب المحجر غير مبالين بتعرضهم لرحمة رصاص الجيش، لكن المفاجئة أن حراس المستشفى سيصابون بالعمى ويهربون، ليتمكّن العميان من الفرار من سجن المحجر إلى مدينة تنعم في العمى الأبيض، بعدما أصيب سكانها بهذا الوباء اللعين.

وهنا سيتّخذ السرد مسارا آخر تميّز ببروز التوحش في أجلى صوره، فالسارد، وهي زوجة الطبيب المبصرة، تنقل عبر الحكي مشاهد الرعب والهلع، والهيستيريا التي أصابت العميان بسبب البحث عن الطعام، فالناس يأكلون اللحم النيء، يتشبّهون في مشيهم بالحيوانات في منظر مقزّز، عبارة عن قطيع ضالّ بين شوارع مدينة عمياء، ووصل الصراع بين العميان قمته من خلال التقاتل والتطاحن من أجل بقايا الطعام. مما جعل الرواية تحوّل هذا العمى إلى أسطورة ممتدة في الزمان والمكان والذاكرة.
في هذا المنعطف السردي تروم الرواية إلى أن تعرّي جوهر الإنسان الشرّير، وتفضح ضعفه وقزميته وضحالته أمام جلال الوباء وعظمته، فالجوانب الحيوانية أبرزتها الرواية، بل لنقل غريزة البقاء، حيث المصير المجهول الذي يهدّد حياة الإنسان هو الذي أبان عن خسّة ودمامة الإنسان على المستوى الباطني. وفي النهاية سيستعيد الكل بصره أمام اندهاش الجميع، فالعمى الأبيض حلّ وارتحل دون معرفة الأسباب.

            إن جوزيه ساراماغو قدّم عملا روائيا متخيّلا بأبعاده الوجودية والفلسفية العميقة، والحاملة لأسئلة مرتبطة بعجز الإنسان وعدم قدرته على تغليب القيم الإنسانية، فالرواية محنة القيم النبيلة في مجابهة تحديات الأوبئة والشرور المحيقة بالإنسان. رواية “العمى” نستعيدها في هذه الراهنية التي تمرّ منها الإنسانية جمعاء، وهي راهنية تطرح الكثير من الإشكالات، وتكشف عن هشاشة الإنسان الذي أصبح سجين الجدران ورهين وباء لامرئي، وتحوّل إلى كائن يواجه مصيراً وملتبساً نتيجة عوامل المفاجئة، والغموض المحيط بالعمى الذي طال الجميع، مما طرح الكثير من التساؤلات العميقة والجارحة في الآن نفسه أمام العجز الكامل الذي كشف حقيقة الإنسان، وأبان عن جوانب التوحّش والاستبداد، وهيمنة القوة بتجلياتها، والتجبّر بصوره المتعدّدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصدر الصورة: https://2u.pw/D8B31

أدب العدد الأخير العدد الواحد والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

صالح لبريني