التفكير الوطني 44/14

كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

يدعي المرء أن الحب الوطني يقوم بالضمير الحيّ، بالحب الذكيّ، بالالتزام الأخلاقي الداخلي وبالشعور بالمسئولية العامة، لا بالإقصاء والانتخاب لضد ومع، ولا بالوطنية الزائفة، بل بروح الوطن ويقظة الضمير والإحساس والمشاعر في وحدة مكتملة النسيج لتصب في مجرى نهريّ واحد يسقي مساحات الحياة الخضراء على اختلاف أشجارها وثمارها.

إذا ما نظرت حولك، إلى مآل البلاد العربية، وهي أكثر البلدان شبهاً ببلادك، سواء تلك التي وصلت، بكل أسف، حد الدمار والانفجار، أو في الطريق إليه، ألن تتساءل ما الذي يجنبني وبنيَّ أن نصل إلى تلك الحال؟ ولماذا بعد أن سلكت تلك البلاد الطريق الحديث (بالمعنى الامبريالي لما هو حديث) عادت بعد سقوطها لتتشابك مع وحوش القرون الماضية؟ ولم عاد الناس بعد السلام والتعايش لخيار التطرف تحت أي ذريعة؟
يتحدث عبد الرحمن منيف في كتابه (الديمقراطية أولاً الديمقراطية دائماً) عن هذه الثورات العمياء، موضحاً أنها تنسف كل الحضرية والتمدن الذي عاشته البلدان العربية، كأنها لم تشهد معارك تحرر من المستعمر، ولم تشهد أي تحديث سياسي لاحق، تجد الشعوب نفسها قد عادت للمربع الأول لتتمزق تحت ضغط الأقطاب القديمة نفسها، القبلية والدين والقوة العسكرية، واملاءات القوى الخارجية.
هل ستتساءل؟
ما الذي يجعل أمريكا، التي يطلب منها آلن غينسبرغ في قصيدته الشهيرة أمريكا أن تضاجع نفسها بقنبلتها النووية، تتصرف أمريكا مع هذه البلدان تصرف الضباع، وأوروبا كالمفترس المُسنّ، ينتظران أدنى سانحة لينقضّا على أي بلدٍ تلوح عليه علامة الضعف عند أول سانحة، وتحت أي مبرر مختلق، كما حدث في أفغانستان والعراق لتدمراها وتنهباها نهباً؟
ألن ترى في ذلك صورة الاستعمار القديم وقد تزيّا بالثياب العصرية، يرفع لافتات الحداثة والأخلاق كي يمارس دوره القديم نفسه، في قتل الرجال والنساء والأطفال دون حسابٍ أو عقاب، كما في اليمن وفلسطين، دون وخزة ضمير بمبررات مختلقة، فقط لأن أولئك الرجال والنساء والأطفال ينتمون للغابة، الغابة التي تسميها أمريكا وأوروبا: العالم الثالث. في عنصرية القرن العشرين. كأن الناس وتلك البلدان هي مجرد بريّة يسكنها نوع من الكائنات التي لا تنتمي لإنسان أوروبا وأمريكا. يحاول ذلك الإنسان أن يصبح مثل إنسان أوروبا وأمريكا ولكنهُ يفشل.
لكن لماذا يفشل؟
لماذا فشلت المشاريع العربية مجتمعة، ومتفرقة، في كل البلدان، مع كوكتيل التوجهات الفكرية التي اعتمدتها، في أن تحمي نفسها من الضبع والمفترس المسن، ومن وحوشها الداخلية، وقبل ذلك كيف ظلت تلك الوحوش القديمة ساكنة في نفوس الناس طوال تلك المدة.
فرانز فانون في كتاب (معذبو الأرض) يوضح لنا كيف أن البرجوازية التي استخلفت الاستعمار وقامت تدير البلاد كالمستعمر تماماً بتجيير كل موارد البلاد لخدمة اقتصاد المستعمر السابق، وهي المشاريع التي عادة ما نجدها ناجحة في كل البلدان المستقرة، مع اهمال تام وفشل ذريع لأي مشاريع حقيقية أخرى تفيد الاقتصاد الوطني وتجعله ينهض بنفسه وباعتماد على ذاته، الطبقة المختلطة التي تلت الاستعمار وباعت البلاد لصالح رفاهها الذاتي وبذخها وإسرافها وتبجحها بأنها صارت أوروبية هي الأخرى وأنها الآن تستطيع أن تقف مع الأوروبي والأمريكي كالندّ وجهاً لوجه. في كاريكاتورية سخيفة. بتجيير بلاد بأكملها لنيل رضا ابن (المندوب السياسي) السابق أو حفيده، أو جاره، أو أي أحد من تلك الأمكنة المقدسة ما وراء البحار.
يحدث كل ذلك مع اختلاط عجيب متنافر، من احتقار الشعب والذات الوطنية المتجسدة في الناس، والنظر بمنظار مستعار من حقبة الاستعمار الأوروبي للشعب والسكان الأصليين، ما يفضح احتقار الذات، عبر اتهام الناس بالجحود والكسل واللامبالاة والفساد، في نفس الوقت من التقدير الزائف، الذي تفضحه مبالغاته، للذات السلطوية وللزعيم والرئيس والقائد. باسم الوطن والوطنية المتضخمة، تلك الوطنية التي لا تعرف أنّ من أسس الوطنية عدم تجريدها من الشعب ولا تجريد الشعب منها، لأن الشعب هو في لباب الوطن وجذره الحيوي ونسغه الحيّ.
في نفس الوقت مع محاولة تجميد صورة متوهمة للطيبوبة، ما دامت الطيبة تعني عدم المساس ولا مساءلة الثروات الشخصية والأجنبية، ولا المطالبة بالحزم مع المال العام ومع الثروات الوطنية، ولا بأس بقبول بعض الامتعاض من قطاع الخدمات المختلفة، فهو مما يمكن استيعابه سلطوياً باتهام الشعب من جديد، بما أنهُ يخدم ذاته، بأن الفساد فيه هو، وأن المشكلة أنهُ هو المشكلة.
وربما ذلك حقيقي، المشكلة أن الوعي الشعبي ضعيف، وأن الشعور بالوطنية الحقيقية وبمخاطر التهاون الأخلاقي قليل، بسبب التناقض القائم بين الشعارات المرفوعة والحقائق على الأرض، التناقض القائم بين الأحزمة المشدودة على التعليم العالي والخدمات الصحية والبلدية والإسكانية والقيود المفروضة على المستثمرين الشباب، وبين التبذير المفرط على الاحتفالات والندوات العالمية والرحلات حول العالم للترويج، والدعاية والإعلان لجذب الاستثمار الأجنبي.
لبناء أي وطن ولتجنيبه منزلقات التفكك والانفجار والدمار بفعل الهيمنة الغربية او أشباح الإرهاب والتطرف الديني أو التطرف القبلي أو الطائفي يحتاج الأمر حرثاً حقيقياً أعمق بكثير من المسح السطحي والماكياج الملوّن والزينة في الشوارع وغسيل الأدمغة بتكرار الخطاب عن المنجزات والمكاسب، لأن نفس هذا الخطاب هو نفسه الذي كان متكرراً، في بلدان الانفجارات، ولا اختلاف في الممارسات السلطوية أو الشعبية ولا في ردات الأفعال.
لو أن الفرصة المتاحة لتلك الشعوب لم تتبذر في رفاه الطبقة المخملية وتوسيع ممتلكاتها وتجارتها وشكلها ورقعة أسفارها وتعليمها، هي والطبقة الفضولية المحيطة بها، وفي تخدير الشعب بفتات الأموال والخدمات الشكلية، واستُغل بدلاً من ذلك التبذير في عمل جذريّ عميق لتحرير الناس وتوسيع آفاق مداركهم وتطهيرها من حقبة الاستعمار والهيمنة الغربية المظلمة ومن التبعية الأمريكية المتغطرسة لكانت أكثر تماسكاً وتضامناً وصدّاً ومقاومة للاستلاب الذي لا يبدو أنه يريد شيئاً آخر سوى الخراب المطبق لبلدان الآخرين والنهب المنظم لثروات الأرض، لأنهُ بالخراب المطبق يحافظ على كنزه وإلهه المعبود: القوة.
ليس سهلاً أن تضرب مثلاً ببلاد تحبها وتتألم لمصابها، لكن من الأجدر أن نضرب المثل قبل أن يتسع المصاب ويكبر الألم، ولات حين مندم.
يدعي المرء أن الحب الوطني يقوم بالضمير الحيّ، بالحب الذكيّ، بالالتزام الأخلاقي الداخلي وبالشعور بالمسئولية العامة، لا بالإقصاء والانتخاب لضد ومع، ولا بالوطنية الزائفة، بل بروح الوطن ويقظة الضمير والإحساس والمشاعر في وحدة مكتملة النسيج لتصب في مجرى نهريّ واحد يسقي مساحات الحياة الخضراء على اختلاف أشجارها وثمارها.

الرابع والخمسون سياسة

عن الكاتب

إبراهيم بن سعيد