تركيع الدور السوري

من أقوال “ماركس” أن التاريخ لا يعيد نفسه, فهو في المرة الأولى مأساة وفي المرة الثانية ملهاة، وهو بذلك يرى أن‏ لو أمة من الأمم تعرضت لنكسة مّا ثم عادت وتعرضت للنكسة نفسها وبالظروف والشكل نفسه فهذا أمر مضحك لأن هذه الأمة لم تستفد من تاريخها ومن التجربة التي مرت بها، ولكن يبدو أن التاريخ يعيد نفسه عند العرب غالبا.

قبل قرابة 90 سنة قامت في منطقة “الشام” ثورة حقيقية تحت مسمى الثورة العربية الكبرى، وكانت مطالب الثوار عادلة، لكنهم وقعوا في فخ الاستعانة بالشريف حسين حيث اعتمد على الكولونيل “لورانس” الذي ادعى لنفسه دور قيادة الثورة العربية، والذي بدوره سلم الأمر كله إلى بريطانيا وصارت المنطقة  تحت سلطة الماريشال “اللنبي” القائد العام للقوات البريطانية، لقد دفع الشريف حسين وأولاده والكولونيل لورانس وقائده اللنبي مسار ثورة الشام إلى سيطرة فرنسا وإنجلترا على المنطقة فيما عرف باتفاقية “سايكس  بيكو”.

والمتتبع للثورة السورية الحالية ضد نظام الرئيس بشار الأسد يرى أوجه التشابه بينها وبين الثورة العربية الكبرى، لأن هناك ممن يُسمون بالمعارضة السورية يشبهون تماما الشريف حسين، كما أن هناك أكثر من لورانس واللنبي يعملون في الخفاء لأجل تحقيق ما لم تحققه اتفاقية سايكس بيكو، وليس معنى كلامي هنا أني أقلل من قيمة الثورة السورية بل إني أقول إني مع الشعب السوري ومن حقه وحق أي شعب في العالم أن يعيش في الحرية ويتمتع بخيرات وطنه، ولكن يجب أن تظل الثورة ثورة الشعب السوري ولا يقفز عليها أحد من الخارج تحت أي مسمى كان، ومن هنا يرى الأستاذ هيكل في حديث لجريدة الأخبار المصرية أن كلاً من روسيا والصين باستعمال “الفيتو” ضد التدخل في سوريا لم يكونا في معارضة الثورة في سوريا، ولكنهما كان يعارضان تفويضها إلى غير السوريين

هناك حقائق في الوضع السوري لا يمكن لأي متابع أن ينكرها ومنها مثلا أن النظام بشار أتى بالوراثة وهو ما تحاربه الأجيال الشابة الآن في الوطن العربي، ثم إن فترة نظام الحكم طالت بأكثر مما هو صحي وأخلاقي، لأن طول البقاء في السلطة إلى درجة توريثها، – كما يرى الأستاذ هيكل – يفاقم سلبيات السلطة، ويستنزف أداءها، ثم هناك النظام البوليسي الشديد الذي يلغي حرية الفرد،  بمعنى أن في سوريا بالفعل حالة ثورية، لكن هناك من يستغل هذه الحالة ويوظفها لصالحه، ولا يخفى أبدا المخططات المعلنة والسرية ضد سوريا وكلُ ذلك لأنها رفضت أن توقع استسلاما مع إسرائيل ووقفت مع المقاومة العربية سواء كانت حماس أو الجهاد أو حزب الله في لبنان، ويكفي أن نذكر في هذا المقال أن الفريق “الدابي” رئيس مراقبي الجامعة العربية  تحدث في تقريره  صراحة عن أخطاء جسيمة للنظام السوري وعن أخطاء أكبر رصدها فريقه من قبل المعارضة، وفي تقريره ذلك يتحدث عن ضحايا لم يقعوا، وعن مشاهد لم تحدث، وعن صور وأصوات يجري تصنيعها بالتدليس والتزييف، وكثير منه في معامل باريس ولندن، لكن هذا التقرير تم إجهاضه منذ اللحظة الأولى ولم ير النور أبدا فيما اختفى الفريق الدابي ومن معه من المشهد كليا لأن هناك من لم يعجبه التقرير لأنه لم يتماشى مع مخططاته، مع العلم أن هناك حديثا منسوبا إلى الفريق الدابي قال فيه لو أن قناة الجزيرة أوقفت تحريضها في سوريا فإن الأزمة ستتوقف في غضون يومين

لقد سبق لي وأن نشرت مقالا بعنوان ( سوريا بعد العراق – الإنهيار النظيف ) وهو عن خطة وضعها “ريتشارد بيرل” لغزو سوريا بعد احتلال العراق وقد نُشرت مقتطفات من الخطة عام 1996 في الصحف الأمريكية أي قبل الاحتلال الأمريكي للعراق وفيها ما يشير إلى الوضع الذي آلت إليه سوريا الآن، والهدف من كل ذلك هو تركيع الدور السوري في المنطقة بعد أن عقدت دول الجوار الإسرائيلي اتفاقيات ما يسمى بالسلام مع الكيان الصهيوني والهدف النهائي هو تصفية القضية الفلسطينية تصفية كاملة بالقضاء على المقاومة وعلى الدول المساندة للمقاومة وعلى رأسها سوريا وإيران، وبعضُ الأدلة الآن تشير إلى أن حركة حماس تركت الكفاح المسلح نهائيا واتجهت إلى السياسة كنيجة منطقية لغياب الدور السوري

ويجدر بي أن أعود إلى مقال لي نشرته جريدة الشبيبة يوم الثلاثاء 25/3/2008 قبل انعقاد القمة العربية في دمشق وما رافقها من تجاذبات ومقاطعات عربية من أجل تركيع الدور السوري، وهو مقال منشور قبل سنوات من بداية الأزمة الحالية

ومما جاء في ذلك المقال : – مع نهاية هذا الشهر تستضيف سوريا القمة العربية رقم 20، وقد شهدت هذه القمة شدا وجذبا حول انعقادها أو عدمه وحول حضور القادة أو غيابهم، ولا يخفى ما تتعرض له سوريا الآن من تهديدات ومخاطر، فهناك حملة مكثفة ضد سوريا تخطت مجرد التهديد إلى الفعل حيث أضافت أمريكا عددا من العقوبات المالية الجديدة على سوريا  وفرضت تفتيش كل السفن الخارجة من المياه الإقليمية السورية بل وقامت بإرسال سفنها الحربية قبالة الساحل اللبناني كبادرة تم تفسيرها أنها تستهدف الحكومة السورية مباشرة، وأدرجت وزارةُ الخارجية الأمريكية سوريا ضمن لائحتها السوداء لأسوأ منتهكي حقوق الإنسان بدلا من الصين، وجمدت ودائع 4 من المواطنين السوريين، كل ذلك بسبب الدور الذي تقوم به سوريا في لبنان وتأييدها المطلق لحزب الله وللمقاومة الفلسطينية، ولعلاقاتها الجيدة مع إيران بل ولعدم استسلامها لإسرائيل وتوقيع معاهدة سلام معها، وتتهم أمريكا سوريا بالتطرف والإرهاب وإقامة محور مع إيران، وتمارس الضغوط في كل الاتجاهات لمحاصرة سوريا إقليميا وعربيا ودوليا، فعلى العرب أن ينتبهوا إلى ذلك لأن أمريكا ستكون الرابح الأكبر إذا ما تحقق هدف عرقلة القمة العربية المقبلة أو حتى إذا انخفض مستوى التمثيل فيها وخرجت بقرارات هزيلة مثل سابقاتها، وقد دعت أمريكا علنا بالتريث قبل حضور القمة وهي دعوة تعني عدم المشاركة فيها، وبكل أسف نقول إن العرب لم يعد لديهم القدرة على تحديد موقف معين حتى يعرفوا أن هذا الموقف يرضي أمريكا أو لا؟.

هناك مخطط معلن يهدف إلى عزل سوريا سياسيا واقتصاديا حتى ترضخ للمطالب الأمريكية والإسرائيلية، وبالتأكيد هذا العزل لا يتوافق مع أي نجاح قد تحققه سوريا في القمة العربية المقبلة، لذا كان لا بد من تقزيم القمة وتركيع الدور السوري.

فهل من العدل أن تُتهم سوريا برعاية الإرهاب والولاياتُ المتحدة الأمريكية تعيث فسادا في العراق وأفغانستان؟ وهل يمكن أن تتهم سوريا برعاية الإرهاب وإسرائيلُ تتصرف في الفلسطينيين كما تشاء وكيف تشاء؟ وبعد ذلك نسمع من  يقول إن السلام هو خيار إستراتيجي؟! وهل العالم لا يعرف الآن أن يفرق بين المقاومة المشروعة وبين الإرهاب الغير مشروع؟ وهل المطلوب من سوريا أن تستسلم وتتسلم الجولان، مقابل تخليها عن دعم المقاومة المشروعة؟

ذلك ما نشرته قبل 4 سنوات، والأحداث تؤكد تلك المؤامرة، فهل تغير شيء؟!

Zahir679@gmail.com

التاسع والعشرون سياسة

عن الكاتب

زاهر بن حارث المحروقي

كاتب وإعلامي عماني
Zahir679@gmail.com