دولة تؤيد الثورات.. وتضيق برأي شاعر

في مقال ساخر وجميل كتبه “حسن خضر” في موقع “الحوار المتمدن” تحت عنوان (وهل يعفي حذر من قطر) وصف فيه الظاهرة القطرية بعالم افتراضي حيث تتصرف قطر كما لو أنها دولة عظمى: حركة دبلوماسية لا تكل ولا تمل من أفغانستان إلى الصومال، ومن ليبيا إلى السودان، ومن لبنان إلى غزة، ومن سوريا إلى باكستان، هذا على الجانب السياسي، وعلى السطح أيضاً مؤتمرات شبه يومية ودولية تشهدها الدوحة حول ما يخطر ولا يخطر على البال، وعلى السطح أيضاً وأيضاً الجزيرة واتحاد علماء المسلمين وما لا يحصى من اللاجئين السياسيين والمعارضين، ولماذا كل هذا؟ الجواب: بحثاً عن دور. لذا كما يرى “حسن خضر” لجأت قطر إلى ما أسماه بالرشوة المجازية لتعويض افتقادها إلى مقومات دور القيادة فجمعت بين متناقضات لا تحصى: فمن غير المنطقي أن تقيم علاقات مع إسرائيل وأن تدعم حماس في آن، وأن تقوم بتعويم القاعدة إعلامياً وكل تجليات الإسلام السياسي وأن تحظى في الوقت نفسه بحماية أمريكا مما فسر بعض المحللين هذا التناقض بأنه جزء من الدور القطري في خدمة أهداف أمركية بعيدة المدى.

ونستطيع أن نقيس ما قاله الكاتب “حسن خضر” بكثير من المواقف القطرية لعل أبرزها تأييد قطر للثورة الليبية ووقوفها مع قوات الناتو لدرجة أن بعض معارضي القذافي أنفسهم تضايقوا من الدور القطري وهاجموه علنا ومنهم “عبد الرحمن شلقم” وزير الخارجية الليبي السابق الي هاجم الدور القطري في ليبيا، معتبرا أن “التحالف الدولي الذي تقوده قطر في ليبيا بعد انتهاء مهمة “الناتو” مشبوها ومرفوضا”، وشدّد شلقم على أن ”ليبيا لن تكون إمارة تابعة لأمير المؤمنين في قطر”، ووصف عملية جمع السلاح في ليبيا بـ”الخدعة”، محذرا من أن المجموعة المكلفة بجمع السلاح بإشراف قطري “ستقوم بجمع السلاح وتعطيه لآخرين”

كما أن الدور القطري في تأييد الثورة السورية واضح جدا، فقد أظهرت قطر نفسها أنها الحامية لحقوق الإنسان في كل مكان وأنها ضد الاضطهاد وأنها تؤيد الثورات العربية كلها لأجل تحقيق الحرية التي تؤمن بها، واستضافت كل الندوات والدورات وورشات العمل المعروفة وغير المعروفة والمشبوهة وغير المشبوهة في سبيل تحقيق هدف واحد وهو إعطاء الناس الحرية الكاملة لإبداء الرأي، وقامت قناة الجزيرة بتغطية  الثورات العربية في كل مكان إلا أنها قدمت تغطيات هزيلة لانتفاضة البحرين ولأحداث المنطقة الشرقية من السعودية وهي أحداث كانت كبيرة ومن الأهمية بمكان، إلا أن قطر نفسها لم تستطع أن تطبق هذه الحرية على نفسها إذ أنها ضاقت برأي شاعر أيد الثورات العربية خاصة الثورة التونسية وهو نفس التوجه القطري الرسمي وحكمت عليه بالمؤبد تحت حجة واهية جدا هي التطاول على رموز الحكم والتحريض على الإطاحة بنظام الحكم في قطر، والغريب والمثير في هذه المسألة أن الموقف القطري هذا لم يختلف عن أي موقف خليجي آخر سواء كان رسميا أو من الشيوخ الذين ينتقدون الآخرين ولكنهم لا يجرؤون على انتقاد الوضع في الداخل، وقد رأينا وسمعنا وقرأنا عن شيخ يفتي بأن إراقة دم القذافي حلال وكذلك بشار الأسد وأن الاستعانة بقوات الناتو لتحرير الأوطان جائز شرعا، وآخر يرى في المنام الملائكة تقاتل مع الجيش الحر ضد سوريا، ولكنهم يبتعدون عن تناول أوضاع أوطانهم الداخلية مهما بلغ فيها الفساد مبلغه، وهو تطبيق لمبدأ “حلال علي وحرام على الآخرين”

لقد ضاقت قطر التي تؤيد الانتفاضات في الوطن العربي بقصيدة شعر قالها الشاعر القطري “محمد بن الذيب العجمي” يشيد فيها بانتفاضات الربيع العربي ممتدحا بالذات الثورة التونسية، وحكمت عليه بالسجن المؤبد يوم 29 أكتوبر الماضي ضاربة بكل ما تنادي به وتعمل من أجل تحقيقه في بقية البلدان العربية عرض الحائط، لأن حرية التعبير تخضع لرقابة مشددة في قطر حيث تفرض الصحف الوطنية ووسائل الإعلام الأخرى على نفسها رقابة ذاتية، ولا تسمح قطر بمعارضة سياسية حتى ولو كانت شكلية، وهذا أدى بمنظمة “هيومن رايتس ووتش” أن تنتقد ما وصفته بأنه ازدواجية المعايير فيما يتعلق بحرية التعبير في قطر، وحثت الشيخ “حمد بن خليفة آل ثاني” على عدم المصادقة على مسودة قانون للإعلام يجرم انتقاد قطر وجاراتها، وهو القانون الذي ينتظر اعتماده قريبا.

وتعود قصة الشاعر “محمد بن الذيب” إلى قصيدة لم يتطرق فيها إلى اسم قطر صراحة أو إلى اسم الأمير أو أحد أفراد الأسرة الحاكمة ولكنه طالب بأن تعم ثورات مثل الثورة التونسية بلداناً عربية أخرى أيضا يتمتع فيها المرء اليوم بالجنسية ليجد نفسه مجردا منها في صبيحة اليوم التالي، وهي إشارة إلى حالات إسقاط الجنسية عن المواطنين لأسباب مختلفة قد حدثت في السنوات الأخيرة في أكثر من بلد خليجي، وقد علق الكثير من المعلقين على القصيدة المنشورة في موقع “اليوتيوب” بأنه ليس من حق أحد تفسير قصيدة شعرية بشكل قاطع وإدانة كاتبها على هذا الأساس، وخبر اعتقال “محمد بن الذيب” وسجنه قبل النطق بالحكم عليه جعل منه شاعرا معروفا جدا الآن، حيث انتشرت بعد ذيوع خبر سجنه الكثير من الأفلام على “اليوتيوب”  وكل أحد يقدم قصائد لا علاقة لها بالقصيدة موضوع المحاكمة، كل ذلك جعل العثور على القصيدة الأصلية أمرا عسيرا، وكما رأي البعض أنه ليس من المستبعد أن تكون هذه القصائد البعيدة عن الموضوع، قد وضعت على “اليوتيوب” بشكل مقصود لتضليل الإعلاميين والحقوقيين والجمهور ممن يريدون الوصول إلى القصيدة الأصلية التي أدت بشاعرها إلى السجن، والملاحظ أيضا أن الكثير من التعليقات قد حولت المعركة إلى تنابز قبلي ومذهبي على صفحات “اليوتيوب” بدلا عن موضوع القصيدة الداعي صراحة لتحكيم الديمقراطية ومشاركة الشعب ورد حقوقه، وهي ظاهرة أصبحت الآن في كل موضوع إذ أن الحكم على الكاتب أو الشاعر يتم من خلال معرفة مذهبه أولا بدلا من الاهتمام بالموضوع وهذا مؤشر على مدى خطورة الوضع في منطقة الخليج وعلى عقليات الناس في الأمة، إذ أننا نترك الجوهر ونتمسك بالقشور.

إن هذا الحكم  قد وضع الحكومة القطرية في موقف محرج جدا إذ كيف لمن يسجن بالمؤبد رجلا سلاحه الكلمة والشعر أن يدّعي أنه يريد الحرية للآخرين؟ يؤيد الناتو على ضرب دولة عربية ويسلح الجيش الحر في سوريا، ويسخّر إعلامه لتحرير الشعوب العربية من الدكتاتوريات ولكن هذا الإعلام نفسه لا يجرؤ أن يتكلم عن الأوضاع الداخلية في قطر ولا عن المعارضة القطرية في الخارج وهي التي بدأت تنمو وتكبر الآن، كما أن قناة الجزيرة لم تتناول في برامجها الحكم المؤبد ضد الشاعر ابن الذيب، ولم يتكلم د. فيصل القاسمي عن الموضوع، بعدما سقطت شعارات القناة التي حفظها حتى الأطفال وهي “الرأي والرأي الآخر”.

وقد جاء النطق بالحكم بعد أن أمضى ابن الذيب قرابة عام في السجن، ولقيت قضيته صدى واسعاً في الأوساط الثقافية والأدبية الخليجية والعربية، ووجه إعلاميون وشعراء وكتاب خطاباً إلى أمير دولة قطر ناشدوه فيه إطلاق سراح الشاعر وتعويضه عن الفترة التي قضاها في السجن، كما أن عدداً كبيراً من الأوساط الثقافية والحقوقية والشعبية تفاعلت مع القضية على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما استنكرت منظمة العفو الدولية الحكم الذي «تتوافر فيه جميع عناصر الانتهاك الفاضح لحرية التعبير» ودعت إلى إطلاق سراح الشاعر، وصرح “فيليب لوثر” المدير الإقليمي لمنظمة العفو أنه «من المؤسف أن قطر التي تريد أن تظهر على الساحة الدولية بمظهر دولة تدافع عن حرية التعبير، تمارس ما يبدو أنه انتهاك فاضح لهذا الحق».

هناك تساؤلات كثيرة طرحها العديدون حول الدور القطري وما هو القصد منه إذ أن قطر ساهمت بشكل رئيسي في دعم الثورات العربية في كل من تونس وليبيا ومصر وتلعب دوراً قيادياً أيضاً الآن في دعم المعارضة السورية، وتدور تلك التساؤلات بالذات حول موقفها المتجاهل للحريات الشخصية للمواطنين القطريين وللتظاهرات التي حدثت في البحرين في خضم الحراك السياسي والاجتماعي في الكثير من البلدان العربية، وعدم وقوف قطر مع أبناء غزة وهم يحاربون من قبل أكبر أعداء الأمة فلم تجيّش الجيوش ولم تعقد الاجتماعات ولم تستدع قوات الناتو وإنما اكتفت بتصريح وزير خارجيتها بأن إسرائيل ليست “ذئبا وإنما نحن أمة من النعاج” وهو التصريح الذي اشتهر فيما بعد كثيرا عندما رد عليه السيد “حسن نصر الله”، بأن من يريد أن يكون نعجة فهو نعجة، ولكن لا يمكن أن يقال عن الأمة بأنها نعجة.!

إن حركة التاريخ مستمرة ومتآمرُ اليوم سيكون غدا الضحية، وسيدفع المتآمرون على الأمة ثمنا غاليا حتى وإن كان الظاهر يقول الآن عكس ذلك، لأن بناء دولنا إنما هو بناء هش يعتمد على مزاج الرجل الواحد في كل مكان، فإذا تغير هذا الرجل تغيرت كل السياسات والمواقف، فدولنا لا يوجد بها دستور ثابت لا يتغير بتغير الوجوه، وسيبقى الحكم على الشاعر “محمد بن الذيب العجمي” بالسجن المؤبد علامة فارقة في تاريخ دولة قطر.

قصيدة محمد بن الذيب

http://www.youtube.com/watch?v=yqZ2gdsvU2o&feature=youtu.be

العدد الثاني والثلاثون سياسة

عن الكاتب

زاهر بن حارث المحروقي

كاتب وإعلامي عماني
Zahir679@gmail.com