عن عمان وأزمة النفط ، والأسباب أمريكية وسعودية

، السبب الرئيسي الذي تتداوله الصحف الإخبارية وأغلب المقالات يتمثل في أن الازمة ناتجة عن زيادة استخراج أمريكيا للنفط الصخري ، والذي على أساس هذه الزيادة استطاعت امريكيا توفير بديل محتمل عن استيراد النفط من دول الخليج . وهذا صحيح . فالزيادة في استخراج أمريكيا لنفطها الصخري سبب من أسباب الأزمة ، لكن هناك أسباب أهم تظهر وجود دول استهدفت اسعار النفط عبر بعض الاجراءات لأجل أهدافها السياسية .

حديث الساعة حاليا عن حالة انخفاض أسعار النفط في السوق العالمي وتأثيرها على الدول المنتجة بما فيها سلطنة عمان . هنالك حالة ارتياب وقلق عام ازاء وضع الاقتصاد في عمان في ظل الأثر الذي لحق به جراء انخفاض أسعار النفط والذي ظهر على هيئة اجراءات اتخذها الوزير المسؤول عن الشؤون المالية أثارت مخاوف الشعب حيال ادارة الاقتصاد في عمان وحيال أسباب تأخر عملية تنويع مصادر الدخل . ما ظهر من قلق واهتمام عند الشعب مبرر ومخاوفهم يجب أن تؤخذ على محمل الجد . لكن مما لاحظت وجدت أن فهم أزمة انخفاض سعر النفط لم تتم بفهم الأسباب الرئيسية التي قلبت السوق العالمي بصورة مفاجئة وانما اقتصر فقط على التركيز على قضية تنويع مصادر الدخل وادارة المسؤولين للأقتصاد العماني . ومما أرى أجد في عدم اكتمال الفهم لأسباب الأزمة ما يحجب جانبا مهما من فهم أبعاد وتداعيات أزمة الانخفاض . بمقالي لا أريد أن أبرر لعمان تأخر الاهتمام بعملية تنويع مصادر الدخل فهو مطلب شعبي مهم . ما أريده بالمقال يتمثل في محاولة الكشف عن الاسباب التي تسببت بها دول عالمية عن قصد للإضرار باقتصاد الدول خدمة لأهدافها السياسية . كما أريد أيضا بحث عنصر آخر وهو تأثير أزمة انخفاض أسعار النفط على اسعار السلع الداخلية للدول بما فيها عمان ، هل سيؤدي إلى خفض أسعار السلع كاسعار العقارات والمنتجات أم إلى زيادتها ؟
عن سبب انخفاض أسعار النفط ، السبب الرئيسي الذي تتداوله الصحف الإخبارية وأغلب المقالات يتمثل في أن الازمة ناتجة عن زيادة استخراج أمريكيا للنفط الصخري ، والذي على أساس هذه الزيادة استطاعت امريكيا توفير بديل محتمل عن استيراد النفط من دول الخليج . وهذا صحيح . فالزيادة في استخراج أمريكيا لنفطها الصخري سبب من أسباب الأزمة ، لكن هناك أسباب أهم تظهر وجود دول استهدفت اسعار النفط عبر بعض الاجراءات لأجل أهدافها السياسية .

السبب الاهم تمثل في ارتفاع سعر صرف الدولار الامريكي . حيث بدأ ارتفاعه بشكل تدريجي في بداية 2014 ووصل إلى مستوى واضح من الارتفاع ابتداء من اكتوبر الماضي إلى الآن . قبل الاشارة للأهداف السياسية لأمريكيا التي تقف خلف رفع سعر صرف الدولار ، أود أن أوضح علاقة ما حدث لسعر النفط بأرتفاع مؤشر سعر صرف الدولار ، وكيف أثر بشكل ملحوظ على عوائد الدول المنتجة للنفط خصوصا ــ بما فيها سلطنة عمان ــ ؟ أولا ، يجب أن نعرف أن معظم الدول المنتجة والمستوردة للنفط تشتري وتبيع النفط عبر الدولار الأمريكي ، نظرا لقوة واستقرار الدولار أمام التذبذبات التي قد تطرأ على الاقتصاد العالمي . ومنه فأرتفاع أو انخفاض سعر صرف الدولار يؤثر على سعر النفط ، توضيح هذه النقط كالآتي : لو أخذنا دولة الهند مثلا ، وهي أحدى الدول التي تستورد النفط الخام من سلطنة عمان . في عام ال2011 كان متوسط سعر صرف الروبية الهندية مقابل الدولار يساوي ( 54 روبية مقابل 1 دولار تقريبا ) ، بما أن سعر برميل النفط وقتها كان 110 دولار للبرميل . معنا ذلك أن الهند في عام ال2011 كانت تشتري كل برميل ب 5900 روبية تقريبا ، حاليا سعر صرف الروبية الهندي مقابل الدولار اختلف بشكل ملحوظ نتيجة لارتفاع سعر صرف الدولار بحيث صارت ( 61 روبية هندية تساوي 1 دولار ) ، معنى ذلك أن الهند بارتفاع سعر صرف الدولار عليها أن تدفع 6700 روبية مقابل برميل نفط واحد . هذا يؤدي إلى أن الهند ستتكبل مصاريف اضافية ضخمة في حال أنها استمرت على شراء نفس الكمية من النفط ، لذلك هي تلجأ إلى خفض وارداتها من النفط الخام . خفض واردات النفط عند الهند وبقية الدول المستوردة أدى إلى تضرر الدول المنتجة للنفط ( بما فيها عمان ) ، وهو ما اضطرها إلى خفض سعر البرميل او إلى أن تقلل من انتاجه . . وفي كلا الحالتين ستصاب بخسائر في عوائدها المعتمدة بشكل اساسي على النفط . عند هذه الحالة يظهر أثر ارتفاع سعر صرف الدولار على اقتصاد الدول المنتجة للنفط .

لماذا ارتفع سعر صرف الدولار ، وهل سيستمر ؟ ، الولايات المتحدة هي المتحكم الأهم بسعر صرف الدولار بما يخدم اقتصادها وبما يخدم سياستها كذلك . . ولعل السبب الواضح في رفع أمريكيا لمؤشر سعر صرف الدولار المفاجئ يراد به استهداف روسيا بحكم الصراع الدائر بين الدولتين ومعها أيضا ايران وفنزولا ، حيث أن روسيا تأتي في المرتبة الاولى عالميا في انتاج النفط ، و رفع سعر صرف الدولار أثر على كمية استيراد الدول للنفط الروسي (بنفس الكيفية التي شرحنا بها مثال سلطنة عمان والهند )، وبحسب التقاير الاقتصادية فقد وصلت خسائر روسيا إلى ما يقرب من ال100 مليار دولار جراء الأزمة . لكن المعلومة الأهم هي أن هذا الاستمرار في ارتفاع مؤشر سعر صرف الدولار ليس من مصلحة امريكيا ايضا ، وهو حتما سينخفض عن معدله الحالي ، لأن صادرات امريكيا من مختلف السلع ستتأثر أيضا ، كيف ؟ بنفس المعادلة ، الدول حينما تشتري المنتجات الامريكية ، تشتريها بالدولار ،أي عليها أن تحول عملتها للدولار ثم تشتري ، في الماضي حينما كان سعر صرف الدولار اقل من الوضع الحالي ، كانت الدول التي تشتري السلع الامريكية تدفع سعر أقل بكثير من ما يجب أن تدفعه الآن لأجل نفس السلع بعد ارتفاع سعر صرف الدولار إلى وضعه الحالي . وهذا ما سيقلل استيراد الدول للسلع الامريكية . لذلك من مصلحة امريكيا أن يعود سعر صرف الدولار إلى وضعه الطبيعي حفاظا على عوائد منتجاتها المحلية .

بجانب زيادة انتاج النفط الصخري في امريكيا وسحبها البساط من تحت صادرات الخليج النفطية وغيرها من الدول . وأيضا بجانب زيادة سعر صرف الدولار الذي يعد العامل الأهم في انخفاض اسعار النفط ، هنالك سبب آخر كثر التحذير منه قبل مدة وأهملته عدد من الحكومات ولعل أهمها السعودية ، هذا السبب تمثل في رفع معدل انتاج النفط لدى بعض دول الاوبك استغلالا للاوضاع السياسية والأمنية التي تمر بها حاليا بعض الدول المنتجة للنفط ( سوريا وليبيا والعراق كمثال ) . . لجأت هذه الدول إلى زيادة انتاجها من النفط حتى تحقق فائدة من تغطية النقص الذي أحدثته الاضطرابات الامنية في تلك الدول المنتجة ، هذه الزياد في الانتاج ، جعلت النفط خلال تلك الفترة متاحا اكثر من اللازم وهو ما دفع بالدول المستوردة لأخذ احتياطي من النفط وخفض حاجتها منه خلال هذه الفترة بعدما ارتفع سعر صرف سعر الدولار . وما يزيد من مدة استمرار الازمة هو رفض هذه الدول ــ والسعودية معها ــ خفض حجم انتاجها الحالي ، والذي لو خفضته فالاسعار سترتفع خلال مدة وجيزة . وهو ما يشير وجود اهداف سياسية مشتركة بينها وبين امريكيا .

هذه هي الأسباب الأهم تأثيرا في انخفاض اسعار النفط . . أما عن مسألة اسعار السلع والعقارات ، هل ستنخفض جراء اسباب انخفاض سعر النفط أم سترتفع ؟ ، الأمر يختلف بحسب السلع وبحسب الدول ، لكن الأصل أن أثر ارتفاع سعر صرف الدولار لا يقتصر تأثيره على خفض سعر النفط ، بل يشمل خفض سعر صادرات السلع الغير النفطية التي تأتي من بقية الدول . يعني السلع التي نستوردها من الهند مثلا ، قيمتها ستنخفض بما يتناسب مع انخفاض قيمة الروبية أمام الدولار ، وهذا ايضا ينطبق على ما نستورده من سلع الدول الاخرى .. هذا الانخفاض في تكلفة استيراد السلع لايظهر داخل الدول بشكل مباشر ، ويحتاج لوقت أطول حتى يتضح ، وأيضا لأن بعض السلع مثل العقارات تعتبر شأن داخلي وقد تتأثر فقط على المستوى الطويل في حال تأثر اقتصاد الفرد أو في حال زاد تحفظه .

الخامس والخمسون سياسة

عن الكاتب

محمد عبدالله الهنائي