من يجرؤ على الكلام (( رسالة الى وسائل الإعلام ))

 

 

عجبت كثيرا وأنا أشاهد بعض وسائل الإعلام وهي تقف مع الطغاة والجبابرة في طغيانهم وجبروتهم , والمفسدين في فسادهم , والظلمة لشعوبهم في ظلمهم , حتى إذا سقطوا من على عروشهم , وتقطعت بهم السبل , وجدت ذلك الإعلام نفسه الذي كان يمجدهم ويسبح بحمدهم في وقت من الأوقات , يجند أقلامه وكتابه وعدته وعتاده لتشويه صورهم , وفضح فسادهم وظلمهم وطغيانهم , وكأنه – أي – ذلك الإعلام أشبه ما يكون ” بذيل الديك ” فهو يميل أين ما مالت الريح .

وعجبت أكثر حين وجدت أن بعض ذلك الإعلام وأعوانه قد اتخذ من الحكومات أولياء له من دون الشعوب , تحركه كأحجار الشطرنج بعيدا عن قضايا الأمة وهموم الفقراء والبؤساء والمقهورين , فما أعجب تلك البيوت الواهنة الضعيفة التي طالما أغلقت أبوابها حين كان من الضرورة أن تفتح أمام الحق والكرامة والحرية والعدالة وصيحات المظلومين , وفتحت أبوابها ونوافذها على مصراعيها حين كان يفترض عليها أن تغلقها في وجه الطغيان والفساد والظلم والجبروت , فما أشبه بيوتهم الواهنة وأولياءهم ببيت العنكبوت , يقول الحق عز وجل {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أولياء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} صدق الله العظيم .

نعم …. ان الإعلام الحر الشريف هو إعلام مسؤول ومؤتمن , مسؤول عن قضايا أمته وهموم أبناءها ومشاكلهم وآلامهم , ومؤتمن على حقوقهم وكرامتهم وإنسانيتهم , ولهذا فهو مهاب الجانب حين يصون أمانة الشعوب بين يديه , ويحافظ على كرامة الحق وكرامة الإنسانية , ( فلما خان الأمانة بين يديه , وضعف عن تكاليف الكرامة , وتجرد من عزة الحق الذي هو حارسه الأمين , هان على الذين كانوا يهابونه , وذل عند من كانوا يرهبون الحق الذي هو حارسه , ورخص عند من كانوا يحاولون شراءه , رخص حتى اعرضوا عن شراءه , ثم نبذ كما تنبذ الجيفة , وركلته أقدام الذين كانوا يعدونه ويمنونه , يوم كان له من الحق جاه , ومن الكرامة هيبة , ومن الأمانة ملاذ ) .

وللأسف الشديد – ورغم تكاثر العضات والتجارب , فإننا ما نزال نشهد على الساحة العربية بعض تلك الوسائل الإعلامية الارتزاقية مستمرة في غياهب الذل والعبودية والنفاق , مغيبة الوعي , فاقدة الحس والإحساس , خانعة خاضعة , وبينما شعوبها تؤدي ضريبة الكرامة والحرية كاملة , نجدها تمرغ خدها تحت مواطئ أقدام الحكومات الجائرة على شعوبها , مبتعدة عن اللحظات التاريخية العظيمة التي كان يفترض عليها أن تكون جزء منها , مشيحة بوجهها عن تلك التضحيات الجسام التي تقدمها الشعوب لنيل حقوقها وكرامتها وإنسانيتها السليبة , وكان لسان حالها يقول كما قالت اليهود لنبيها موسى عليه السلام , { قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ ندخلها أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} صدق الله العظيم .

وفي هذا السياق يقول الدكتور وليام .ج. ليدرر في كتابه أمة من الغنم – ان انهيار أمة عريقة *قد يحصل بسبب أخطاء يرتكبها شخص واحد من أبناءها , فهذه الأخطاء من شانها أن تشجع قادتها على تخدير عامة الشعب بإعطائه نصف الحقيقة , – وربما حجب الحقيقة كاملة عنه – وان يمارس ” الإعلام ” دوره في تعميق حالة الاكتراث , كما تساعد الشعب على خداع نفسه وذلك بإقناع المواطنين بالاهتمام والتركيز في حياتهم على المواقف المضحكة والتسليات التافهة للهروب من الواقع المرير , وأقول : أن امة بدون إعلام مسؤول وأمين على قضايا الشعب وهمومه , لا عين لها لتبصر , ولا قلب لها لتشعر .

فيا أيها الإعلام العربي : أن شعوب المنطقة اليوم أمام مفترق طرق تاريخي , وهي تتطلع إليك لتحمل معها مشاعل التغيير والحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة , ولتساندها في ثورتها ضد الطغيان والظلم والفساد , ولتكن معها لا عليها في معركتها ضد الأنظمة الدكتاتورية والحكومات المستبدة الجائرة , فكن بقدر تلك الأمانة والمسؤولية , كن بقدر الشرف والأمانة المهنية التي تقتضي عليك أن تقف مع الحق في وجه الباطل , ومع العدل في وجه الظلم , ومع الفقراء والبؤساء والمقهورين في وجه كل المفسدين واللصوص واكلة أموال الناس بالباطل .

ويا أيها الإعلام : لتعلم أن لك في حياة أي امة من الأمم دور عظيم في رقيها ورفعة شانها ومكانتها بين الأمم , إنما وفي نفس الوقت وكما سبق واشرنا فأنت متهم بالعمالة والارتزاق والنفاق , في حال تحول صوتك من صوت للحقيقة والديمقراطية والحرية والشعبوية , إلى مجرد بوق للحكومة وأعوانها , ومخدر للشعوب ولإرادتها الحرة , وستار مظلم يختبئ وراءه الفساد والمفسدون واللصوص في أرجاء هذه الأمة العظيمة الغالية .

نعم ,,, أيها الإعلام ,, نعم أيها المسؤولين عن الإعلام والقائمين عليه في كل أرجاء امتنا الإسلامية وقلبها العربي النابض , كونوا على ثقة ويقين من أن الشعوب لم تعد كما عهدتموها جاهلة وفاقدة المعرفة بحقائق الأمور وخباياها , غائبة الوعي مغيبة , لم تعد تنطلي عليها الخدع والأكاذيب وأفلام الكرتون والكوميديا , لم تعد مجرد قطيع من الغنم يسوقه الراعي إلى الحقل والمرعى , فلا تستخفوا بعقولهم وثقافتهم وإرادتهم وطموحهم للحياة والعزة والكرامة , فطالما غيرت إرادة الشعوب الأقدار وأسقطت المستبدين الطغاة من على عروشهم , ( فإذا طمحت للحياة النفوس : فلا بد أن يستجيب القدر).
هذه رسالة إلى كل وسائل الإعلام , إلى كل المسؤولين عن الإعلام بلا استثناء لكبير أو صغير , إلى كل الإعلاميين والصحفيين والكتاب والمثقفين وحملة الأقلام في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الأمة : اتقوا الله في أماناتكم , اتقوا الله في هذه الرسالة العظيمة الموكلة إليكم , اتقوا الله في حقوق الشعوب وقضاياها , كونوا صوت الشعب , وصوت الحق , وصوت العدالة والحرية , فما من إعلامي وصحفي يستشعر في قلبه روح الإسلام والعقيدة الإسلامية والشرف المهني يقبل على نفسه أن يدع الظلم والاستبداد يدب على هذه الأرض والإقطاع الفاجر والرأسمالية الطاغية في امن وطمأنينة , لا يكشف مخازيها , ولا يبين شناعتها , ولا يصرخ في وجهها الكالح ( وما من كاتب إلا سيفنى , ويبقي الدهر ما كتبت يداه : فلا تكتب بكفك غير شئ , يسرك في القيامة أن تراه ) .

العدد الرابع عشر سياسة

عن الكاتب

الأستاذ محمد بن سعيد الفطيسي

• رئيس تحرير صحيفة السياسي الالكترونية , التابعة للمعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية منذ مطلع العام 2009 م وحتى الآن.
• رئيس تحرير صحيفة الساعة الالكترونية السورية في الفترة من 2007 - 2008م.
• صحفي مستقل , وباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية.
• كاتب مقال أسبوعي بصحيفة الوطن بسلطنة عمان – صفحة آراء السياسية.
• باحث في الشأن الروسي الحديث – روسيا القرن الحادي والعشرون.
البريد الالكتروني : azzammohd@hotmail.com
الهاتف النقال : 0096899844122